والله إننى لأضحك، وأنا أكتب الآن، من ذلك السخف الساخف! نعم أضحك من هذه البليّة التى رُمِينا بها على آخر الزمن، وشَرُّ البلية ما يُضْحِك. لقد كانت جدتى، يرحمها الله، تقول فى مثل هذا السياق: هَمّ يُضْحِك، وهَمّ يُبْكِى! وهذا هو الهم الذى يضحك! والبركة فى سيدنا المنتهك! فهكذا يكون الانتهاك، وإلا فلا! ثم ما حكاية اللحية الكثيفة هذه؟ أليس للقساوسة لحى كثيفة وشعثاء أيضا، ولا يفكر الواحد منهم فى تشذيبها طوال حياته؟ فلماذا لا تعاب إلا لحى المسلمين؟ لكن العيب ليس عيب المرأة النصرانية. إنها عبدة المأمور، فالعيب إذن فى المأمور! وأخيرا متى اضطر المسلمون النصارى إلى خلع الصليب من حول أعناقهم؟ ألا إن هذه لفرية كبرى، فها هى ذى الصلبان مدقوقة على أرساغهم، ومعلقة فى رقابهم، ومرفوعة فوق كنائسهم، ومحمولة فى أيديهم ينطلقون بها هائجين يقطعون بها الطريق ويروّعون المارة ويقتلون من ينصحهم بالتعقل ويحطمون بها السيارات وواجهات الإذاعة والتلفاز، وينهالون بها على الرؤوس، ثم يتنادَوْن رغم ذلك بأن المسلمين يضطهدونهم ويضيّقون عليهم ولا يعطونهم الفرصة كاملة لزرع الكنائس التى لا لزوم لها فى كل مكان وتطفيشهم من بلادهم والقضاء على إسلامهم. حَقًّا إن المسلمين ليستأهلون الحرق بزيتٍ وَسِخ! اليس خنوعهم وسكوتهم هو السبب فى أن الأمور بلغت هذا المدى؟ فليشربوا إذن من كيعانهم!
وتزعم الرواية أن زوج مرام، وهو مهندس يشتغل فى شركة يملكها نصارى، قد تلقى من مرؤوسيه المسلمين تهديدات بالقتل أدت به فى نهاية المطاف إلى الهجرة وترك الديار (ص119 وما بعدها). لكن متى بالله قتل المسلمون فى مصر نصرانيا على هذا النحو؟ الحق أن الذى يحدث هو العكس من ذلك تماما، فالنصارى هم الذين يقتلون من تُسْلِم من نسائهم تطبيقا لفتوى توجب قتل المرتد عن النصرانية إذا لم يقدروا على خطفها وإيداعها الدير، ثم لا يكتفون بقتلها بل يقتلون زوجها المسلم وأولادها، على حين لم يحدث أن قتل المسلمون أى متنصر منهم رغم أن المتنصرين لا يكتفون بالتنصر والعيش فى دينهم الجديد فى هدوء بل ينطلقون فيشتمون الإسلام ويشتمون أتباعه ورسوله وكتابه، لا فى الدائرة الضيقة التى يعيشون فيها بل فى أجهزة الإعلام فى سمع الدنيا كلها وبصرها. وكل هذا مسجل بالصوت والصورة. وما محمد حجازى وزوجته ومحمد رحومة ونجلاء الإمام وريهام عبد العزيز مثلا بالحالات التى يجهلها أحد. وذلك على العكس التام مما يسلكه من يعتنق الإسلام من النصارى، إذ يحاول العيش فى هدوء، وبخاصة فى ظل ما كان سائدا من قهر للمسلمين وبطش بهم فى عهد المخلوع، الذى كان يناصر الكنيسة وكبيرها على حساب الدين الذى ينتسب رسميا إليه، إذ كان يسلم من تتنصر إلى الكنيسة فتحبسها فى الدير وتسومها سوء العذاب ولا يعرف الجن الأحمر ذاته شيئا عن مصيرها. وعبثا يحاول المسلمون وبعض النصارى الشرفاء الاستعانة بالقانون على معرفة أى خبر عن النساء اللاتى من هذا النوع، ولكن لا حياة لمن يستغيثون بهم من حكام ومسؤولين وقانونيين. وسلم لى على الدولة المدنية التى يصدعون أدمغتنا بالرغبة فى إقامتها، إذ الدولة المدنية التى يريدونها لا تعنى سوى محو الإسلام وسَبّ رسوله وإلهه وكتابه وترك الحبل على الغارب لبناء الكنائس فى كل شبر من أرض مصر وفى الأماكن البارزة منها وتمكين المنصرين من فتنة المسلمات والمسلمين عن دينهم وإلغاء النصوص القرآنية والحديثية التى لا توافق الهوى السامى وحذف المادة الثانية من الدستور بمعاونة العلمانيين والملاحدة ممن لا يكرهون من الأديان إلا دين محمد لا غير، مع الدفاع فى ذات الوقت عن حق كبير النصارى بفرض فهمه هو للنصوص الإنجيلية على جميع الأرثوذكس، وهو ما يعنى إلغاء الإسلام لحساب الكنيسة!
ولكن لماذا تلقَّى عبود بقطر تهديدات القتل المزعومة؟ أتريد الجواب أيها القارئ؟ إذن فاسمع واعجب: تقول الرواية الكاذبة الخاطئة إن المسلمين الذين يعملون تحت إمرته فى الشركة النصرانية لم يطيقوا أن يترأسهم بعدما رقاه أصحاب الشركة إلى رتبة المدير، إذ قال المسلمون الأغبياء المتعصبون طبقا لما صوّرتهم به الرواية إنهم لا يقبلون أن يكون لنصرانى ولاية على مسلم، وكأننا لسنا بصدد مدير فى شركة صغيرة، بل بإزاء رئاسة الأمة الإسلامية كلها من المحيط إلى المحيط. كل هذا، والشركة كما قلنا، شركة نصرانية. وهو ما يعنى أن صاحب الشركة حر فى شركته يُؤَمِّر فيها من يشاء على من يشاء، فهى قطاع خاص، وأصحاب القطاع الخاص يعملون فيه ما يحلو لهم. فهل يمكن أن يصدق عاقل هذا الهراء الذى تقوله الرواية المدلسة؟
لقد تربيتُ أنا مثلا أثناء المرحلة الثانوية فى مدرسة من مدارس طنطا، وكان يدرّس لنا مواد الرياضيات والجيولوجيا والتاريخ والجغرافيا أساتذة نصارى، وكنت آتيا طازجا من معهد طنطا الأحمدى، وحَزّ العمامة لا يزال ناصعا على جبهتى، ولم أجد أية غضاضة فى ذلك. بل كان وكيل المدرسة أيضا نصرانيا، وكان شديدا صارما، ويضربنا بالخيزرانة إذا ما قَصَّر أى منا أو خرج على النظام فلا يستطيع أحد من الطلاب أو من أولياء أمورهم أن يقول له: ثلث الثلاثة كم؟ ومرة أخرى لم نكن نشعر بأية غضاضة من جراء هذا. كما اشتغلتُ فى مقتبل حياتى الوظيفية فى بعض المدارس النصرانية، وكان أصحابها ومديروها والمسؤولون فيها جميعا نصارى، ولم نشعر هنا أيضا بأية غضاضة من أى نوع. وهناك المديرون النصارى فى المؤسسات والشركات المختلفة، وهناك رؤساء الأقسام النصارى فى هذه الكلية أو تلك، وهناك المحافظون النصارى، وهناك وكلاء النيابة والقضاة والمستشارون النصارى، وهناك الضباط النصارى فى الشرطة والجيش على السواء، وتحت إمرة كل واحد من هؤلاء كثير من المسلمين، ولم يحدث أن سمعنا إنكارا أو استنكارا من جانبهم.
والعجيب الغريب أن تكذب مرام دون حياءٍ منكرةً أن يكون فى مصر بطولها وعرضها ضابط نصرانى يوحّد الله، أو يثلّثه بالأحرى، إذ تتساءل باستغراب شديد قائلة: "هل هناك ضابط منا؟" (ص125- 126). وبطبيعة الحال لا مرام استنكرت ولا مرام دهشت ولا مرام فتحت فمها بكلمة، بل لا يوجد شىء اسمه مرام البتة، إذ القعيد هو الذى اختلقها ونسب إليها هذا كله ليسوّد وجه المسلمين والإسلام مثلما زعم أن المسلمين الذين كانوا يشتغلون فى تلك الشركة المذكورة قد أخذوا منذ ذلك الحين يصلّون فى وقت العمل جماعة أمام مكتب عبود نفسه وداخله أيضا، ثم يعلنون أنهم سيبنون مصلى فى الشركة حتى لا يجتاح الغضب الإلهى البر كله، وكل ذلك تعبيرا عن تمردهم على ترقية عبود.
ولا يفوت الكاتبَ أن يسخر من المسلمين فيقول على لسان عبود إنهم كانوا يصلّون على قطع من البلاستيك الرخيص، ويؤمهم أكبرهم سنا، وأغزرهم ذقنا، وأكبرهم ذبيبة (بالذال طبعا كما ينبغى أن يكتبها عبقرى منتهك!)، وأطولهم سبحة، ويختار من آيات كتابهم كل ما يؤذى شعوره، إذ يقرأ الآيات التى تتكلم عن السيدة العذراء وعن السيد المسيح (ص144). يقصد أنه يتعمد اختيار الآيات التى تتحدث عن المسيح عليه السلام بوصفه نبيا لا إلها، وعن أمه بوصفها صِدِّيقة مباركة لا أما للإله. أى أن المسلمين لا يصلّون عبادةً لربهم بل كراهيةً منهم لشركائهم فى الوطن. و هذا كله كذب وقلة أدب، إذ إن المسلمين لا يصلون فى العمل إلا صلاة الظهر، ويمكن أن نضيف إليها صلاة العصر أيضا فوق البيعة كنوع من الأوكازيون، إذ نحن فى موسم انتخابات، ويهمنا التوسعة على المواطنين. وما دام ليس عندنا لحم نوزعه فلنوزع عليهم الصلاة. وعليهم أن يحمدوا ربهم لأننا لن نوقفهم فى طوابير كطوابير فراخ الجمعية أيام خالد الذِّكْر (آسف: أقصد خامد الذِّكْر)، بل سنقذفها فى الهواء، ومن يحب النبى ينط! لَكِنْ معروفٌ لكل حمار أن صلاة الظهر والعصر سرية لا يسمع أحد شيئا مما يتلوه المصلى فيها من قرآن، فكيف عرف الخنزير عبود أن الإمام إنما يختار عن عمد وسبق إصرار ما يؤذى مشاعره؟ بل كيف يجرؤ هذا الكذاب الوقح فيقول رغم ذلك إن أصحاب الشركة نصحوه بأن يسد أذنيه ويجعل واحدة من طين، والأخرى من عجين (جاءك هَمّ ثخين!) حتى لا يسمع ما يتلوه الإمام؟ لكن نعود فنقول إنه لا عبود سمع شيئا مما يتلوه الإمام ولا كانت هناك صلاة فى مكتبه أصلا، بل ليس لعبود هذا نفسه وجود، إذ المسألة كلها من بُنَيّات الخيال القعيدى الكسيح. ترى هل هذا كلام رجل مسلم؟ إنها والله لفضيحة! فضيحة له، وفضيحة للناقد الأزهرى الدرعمى الواقع فى غرامه المولَّه بعبقريته العديمة المثيل. لكن ماذا نقول فى الزمن الوغد؟
والواقع أننا عشنا طول عمرنا ونحن نرى فى كل وزارة من الوزارات المصرية المتعاقبة عددا من الوزراء النصارى، ونجد ذلك أمرا عاديا لا يضيرنا فى شىء. وما بطرس غالى، الذى كان يسوم الشعب المصرى سوء العذاب، ثم اتضح أنه قد بدد الأموال الضخام من الخزينة التى اؤتمن عليها، ببعيد. وقد صرح شيخ الأزهر الحالى ذات مرة قبل خلع حسنى مبارك بأن الأزهر نفسه يخضع فى ماليته لذلك الوزير النصرانى وأن رجال الأزهر لا يجدون فى ذلك ما يمكن أن يغضبهم. بل عندنا الآن الوزير منير فخرى عبد النور، ولم يعترض أحد عليه رغم أنه ما يسترو تسليم وفاء سلطان إلى الكنيسة لحبسها فى الدير، ومن يومها لم يسمع أحد خبرا عنها حتى لقد قيل إنها قُتِلت فى التعذيب حين لم يستطيعوا أن يحملوها على الارتداد عن دينها الجديد، ولم تستطع قوة فى الدولة، التى كانت تفتك بالمسلمين وتعتقل منهم عشرات الآلاف ظلما وعدوانا وتقتل منهم من تشاء دون حسيب أو رقيب، أن تصنع شيئا لها أو للمسلمين، الذين يَرَوْن فى هذا إهانة وأية إهانة لهم، إذ يجدون أنفسهم عاجزين عن إنقاذ واحدة منهم من المصير الأسود الذى انتهت إليه. وسلم لى على الدولة المدنية، التى هَبَّ من ينادون بها ويصرخون من أجلها من العلمانيين والملاحدة هائجين مائجين لأن الوزير الذى تولى الثقافة بعد الثورة افتتح كلامه ذات مرة بالبسملة، ولم يشفع له أنه هو ذاته قد صرح أثناء أزمة المآذن فى سويسرا بأنه لا يصح أن تكون هناك مآذن فى تلك البلاد لمخالفتها المنظر المعمارى العام، متناسيًا ذلك "المبسملُ" أن منظر الكنائس التى تشبه القلاع والحصون بصلبانها وأبراجها لا يتمشى مع المنظر المعمارى العام فى مصر ولا فى أى بلد إسلامى آخر، ومتناسيا أيضا أن فتواه الهندسية هذه ليس لها من معنى إلا أن أهل كل دين يختلف عن دين الأغلبية فى أى بلد من البلاد لا يصح لهم أن يبنوا لأنفسهم دارا للعبادة لأنها سوف تخالف المنظر المعمارى العام، ومتناسيا للمرة الثالثة أن من السهل استيحاء تصميم للمئذنة يتماشى مع المنظر المعمارى العام فى سويسرا وغير سويسرا، وما ذلك على المهندسين المعماريين بصعيب، إذ من المعروف أن تصميم المئذنة، بل تصميم المسجد كله، كثيرا ما يختلف من بلد إلى آخر طبقا لاختلاف الذوق المعمارى، ومتناسيا للمرة الرابعة أن المآذن موجودة فى كل بلاد العالم بما فيها كثير من الدول الأوربية وأمريكا ذاتها، ولم تؤذ أحدا بمخالفتها للمنظر المعمارى العام، ومتناسيا خامسا أن الغربيين قد فلقونا ليل نهار، ونهار ليل بتشدقهم بالحرص على التنوع الثقافى فى بلادهم. أم ترى التنوع الثقافى يتسع فى نظرهم لكل الثقافات والأديان ما عدا الإسلام وثقافة الإسلام؟
المهم أن عبود بقطر، رغم ذلك كله، لم ير مفرا من الهرب خارج الديار، وهو تصرف اصطنعه المؤلف اصطناعًا ليتهم المسلمين بالتعصب الكريه ويعطى النصارى الفرصة لتعضيد دعاواهم ضدنا فتشتعل البلاد بفتنة طائفية أخرى ويحرز بُنْطًا على قفانا نحن المسلمين المساكين الذين لا حول لنا ولا طول، ولا عم لنا فى الحكومة ولا خال. ووجه التكلف السخيف هو أنه فى الوقت الذى لا يرى المسلمون فى مصر غضاضةً فى أن يكون المديرون فى شركاتهم الحكومية العامة نصارى، يريد القعيد أن يوهمنا بأنهم يرفضون أن يكون رئيسهم فى شركة نصرانية خاصة مديرا نصرانيا، أى مديرا ينتمى إلى دين صاحب الشركة. طيب، فلماذا قبلوا رئاسة صاحب الشركة عليهم وهو نصرانى، ورئاسته بلا شك أقوى وأمعن فى الاستفزاز من رئاسة المدير لأنه يجمع إلى جانب الرئاسة سلطة المال؟ بل إن القعيد يمضى فى الهَلْس إلى المدى الذى يحاول فيه أن يقنعنا بأن صاحب الشركة ذاته قد نزل على رغبة أولئك الوحوش المتعطشين للدماء النصرانية، فطلب من المدير ابن ملته أن يتوارى عن الأنظار ولو مؤقتا ريثما ينجلى الموقف. والمصيبة الكبرى أن الرواية الكذابة تزعم أن المسلمين فى تلك الشركة النصرانية لم يكونوا يخاطبون صاحب الشركة ولا المدير المرفوض بما يريدون، بل لم يرفعوا خطابات إليهما بهذا المعنى، مكتفين بأن يضعوا خفيةً فى مكتب المدير تهديداتهم الغُفْل من التوقيع. ومعنى هذا أنهم ليسوا من القوة التى تُصَوِّرها الرواية زورا وبهتانا، وإلا لجابهوا الرجلين بما يريدون. أفيريد قعيد منا أن نصدق تُرّهاته الفِجَّة هذه؟ كلا والله، فَدُونَ ذلك خَرْط القَتَاد كما كان أجدادنا العرب يقولون!


يتبع .........