موسم الهجوم على الإسلام والمسلمين
"قسمة الغرماء" ليوسف القعيد
عمل كسيح بقلم بليد
د. إبراهيم عوض
(ط. دار الساقى/ لندن/ 2004م)

وقعتُ فى صحيفة من الصحف على مقالة تتناول بالتعليق رواية يوسف القعيد: "قسمة الغرماء" كتبها أحد النقاد، ونصها: "يوسف القعيد كاتب مصري قدير احترف الصحافة والسياسة ورفقة العظماء. جمع بتوازن مدهش بين نضارة الوعي بالريف والالتزام بأخلاقياته، مع العلم ببواطن الأمور في المدينة والقدرة على اجتياز مسالكها الوعرة. ولعل خصوصية يوسف القعيد تكمن في استمرار ولائه الناصري لطفرة الستينات من القرن العشرين من دون تحفظات أيديولوجية كبيرة.
رواية "قسمة الغرماء" تغوص في أعماق الواقع المصري، وتوظف تقنية جديدة عند مؤلفها، وهي تعدد الرواة الموزعين على الفصول بالتناوب، بما يطرح مفارقات عوالمهم المختلفة ويقدح شرر التواصل والتناقض في علائقهم المتشابكة، وإن كانوا يبدون كما لو كانوا يسكنون صناديق متجاورة غير متحاورة يتم الكشف التدريجي عن فحواها كلما تقدمت حركة السرد واحتدمت درامية المواقف. على أن بؤرة الأحداث التي تتكثف عبر يوم واحد فحسب هو زمن الرواية تجسد أزمة التدين المفتعل في المجتمع المصري الراهن وما تفرز من توترات غريبة على طبيعته المستقرة في جمعها بين الأضداد باتساق محسوب يضمن للحياة إيقاعها الباطني المفعم بالشهوة والتنسك معا.
يحكي الفتى ماجد عبود بقطر في الفصل الأول من الرواية قصة رحلته الشهرية من الفندق المتواضع الذي يقيم فيه مع أمه في حي شبرا المكتظ بسكانه والمختلط في شعائره إلى "أبلة مهرة" في المعادي. وبقدر ما يجترح القعيد شيئا من الانتهاكات اللغوية المحببة يقترب من روح العامية المصرية في أطرف تجلياتها. وأهم من ذلك ينجح في تخليق نماذج مدهشة من الشخصيات التي تعلق بالذاكرة وتستقر في الضمير الأدبي. "الجنرال عفارم"، الذي يطلع علينا من هذه الرواية، يختلف عن دراويش نجيب محفوظ بأنه صريع الجمال ومجنون غانية فريدة، وهي "مهرة"، التي تَمَثَّلها باعتبارها مليكة مصر، وهو واليها المنتظر طبقا لمبدأ تناسخ الأرواح.
العنوان الفقهي للرواية يُسْتَخْدَم بطريقة مجازية تحتمل تأويلات عدة لعل أقربها إلى الأحداث هو شراكة المواطنة عندما يتهددها الاحتقان والإفلاس، فتهرع كل طائفة لكي تحظى بنصيبها من الدَّيْن في رقبة الوطن ولو أدى ذلك إلى ذبحه. وينطلق الحدث الرئيسي للرواية من سيرة "عبود بقطر" والد ماجد، الذي كان مديرا ناجحا في إحدى الشركات في أسيوط، فطاردته رياح التعصب المقيتة وهددته في حياته لمجرد أنه قبطي يترأس مسلمين ويصبح له حق الولاية عليهم، فيفكر في الفرار من موطنه.
وعندما يأتي دور "مرام" في الحكي طبقا لتقنية تبادل الرواة تكشف عن أبعاد أخرى لقراره بالسفر: "تكرَّس الانفصال الجسدي بيننا. قال لي أن مشاركتي له جفت في منتصف الطريق لأنني عجزت عن استيعاب الخطر الذي يتهدد حياته... نجا وحده وتركنا غارقين في هذه البلاد التي لا نعرف كيف ولا متى ستكتب لنا النجاة والإفلات منها". وعندما تهاجر مرام من أسيوط للقاهرة بحثا عمن يُلْحِقها بزوجها لا تظفر في نهاية الأمر بسوى وسيط يرشدها إلى الوسيلة التي دبرها زوجها لتحصل على معونة شهرية منه تصلها عن طريق الممثلة المعتزلة "مهرة". ومع أن الشكوك تأكل صدرها من طبيعة علاقة زوجها بهذه الممثلة فإنها تنتظم في إرسال ابنها كل شهر ليقبض من يدها المعونة الشحيحة المنتظرة.
وتصب الفصول الأخيرة للرواية في مغامرة طائشة محسوبة تغوي فيها مهرة الصبي المراهق ماجد لتلهيه عن تقاضي حقه، منتهزة فرصة استعارته لأحد الأفلام الإباحية كي يراها عندها، فتعود إليها طبيعة الأنثى المولعة بفتنة العشاق وتمزيق أقنعة الطهارة المصطنعة، وتُضْحِي حُمَّى الجنس اللاهبة نقطة الختام في رواية تفجر أسئلة المستقبل وهي تحفر في ألغام الحاضر".
هذا ما قاله أحد الناقد المذكور الذى سوف أسميه من الآن فصاعدا بـ"الناقد الانتهاكى" أو "الناقد المنتهك" لكثرة كلامه الممل عن الانتهاك. والآن جاء دورى لأتناول الرواية، وسوف أتناولها على ضوء ما قاله ناقدنا الانتهاكى. وليست هذه أول مرة أتناول رواية كان ناقدنا قد كتب رأيه فيها، إذ سبق أن كتبت عن "وليمة لأعشاب البحر"، التى اشترك فى تمجيدها والدفاع عنها والقول بأنها رواية تدافع عن الإسلام (تصوروا!) رغم كل ما تحويه من كفريات وبذاءات فى حق الله ورسوله والإسلام والمسلمين، وتزيين للفواحش بحجة تحرير الفتاة العربية من القيود التى تعوق حركتها، فبينت أن ما يقوله الأستاذ الناقد هو ورفاقه فى بيانهم الدفاعى عن الرواية المشبوهة شىء، وما تقوله الرواية المشبوهة شىء آخر مختلف تمام الاختلاف، وأن باب الكلام الفارغ والمزاعم الزائفة الكاذبة مفتوح لمن يريد، لا يستطيع أحد أن يغلقه، إذ ليس على الكلام جمرك كما يقول العامة بحق.
ونبدأ بقول الناقد الانتهاكى إن"بؤرة الأحداث التي تتكثف عبر يوم واحد فحسب هو زمن الرواية تجسد أزمة التدين المفتعل في المجتمع المصري الراهن وما تفرز من توترات غريبة على طبيعته المستقرة في جمعها بين الأضداد باتساق محسوب يضمن للحياة إيقاعها الباطني المفعم بالشهوة والتنسك معا". وواضح أن الدكتور يرمى التدين فى المجتمع المصرى الحالى بأنه تدين مفتعل، أى تدين كاذب لا يراد به وجه الله. فهل هذا حكم صحيح؟ لو أنه قال إن بعض التدين فى المجتمع، أى مجتمع، لا بد أن يكون تدينا كاذبا قائما على الرغبة فى المراءاة واكتساب حسن السمعة، مَثَلُه فى ذلك مَثَلُ أىّ اعتقاد أو اتجاه آخر لما وجد من ينكر عليه. أما أن يرمى التدين كله فى مجتمع من المجتمعات بأنه تدين مصطنع فهذا حكم متهافت لا يليق، ويدل على تحيز صاحبه وكراهيته المسبقة لمن يتحدث عنهم. لكن من أولئك الذين يتحدث عنهم الناقد المنتهك يا ترى؟ إنهم المسلمون، والمسلمون وحدهم، فهم المتدينون الكذابون لا غيرهم، إذ الرواية لا تتحدث إلا عن تدينهم المفتعل هذا ولا تتطرق ولا يمكن أن تتطرق، بل لا تجرؤ أن تتطرق، إلى التدين عند شركاء الوطن، فهؤلاء "تابو" لا يجوز، ولا حتى فى الأحلام، لأى وغد أن يتناوله ولا أن ينتقد فيه شيئا، وإلا حقت عليه اللعنة ولم يجد من ينشر له مقالا أو كتابا أو يشير إليه فى الإذاعة أو المرناء أو الصحافة مجرد إشارة أو يعينه مستشارا فى كل مجلات الوطن العربى أو يعطيه جائزة ولو "بثلاثة أبيض". ومن يا ترى يهتم بأن يشير إلى أى وغد لا يحسن الكتابة والتأليف إذا افترضنا مجرد افتراض أن يفكر هذا الوغد مجرد تفكير فى الكتابة عن تدين غير المسلمين، لا بالافتراء والمزاعم كما يصنع حين يريد الكتابة عن المسلمين، بل بالتزام ذكر الحقائق ليس إلا؟
وبالمناسبة فناقدنا الانتهاكى أزهرى صميم، لبس العمامة نحو عشر سنوات حتى تركت حزا فى جبهته كما يقول الأزهريون، ثم التحق بكلية دار العلوم، وهى حصن آخر من حصون الثقافة الإسلامية. أى أنه لا يجهل هذه الثقافة، ويعلم تمام العلم أن التدين الإسلامى فى مجمله تدين عفوى يراد به وجه الله مهما كان فيه من قصور وبعد أحيانا عن لب الدين تبعا لدرجة فهم صاحبه وطبيعة ثقافته. إلا أن الرجل قد تغير بعد ذهابه إلى أوربا خاما لا يعرف لغة أجنبية، وحصوله على الدكتورية من إحدى جامعاتها وهو كبير السن. وأنا، حين أقول إنه أزهرى خلفت العمامة على جبهته حزا واضحا، لا أقصد إلى أى شىء من الإساءة. وكيف أفكر فى الإساءة وأنا مثله أزهرى تركت العمامة حزا على جبهتى، وإن لم أمكث بالأزهر إلا سنوات أربعا لا غير لم تَدَعْ للحَزّ أن يتعمق أكثر مما هو الآن فى جبهة العبد لله غير المنتهك، تركتُه بعدها إلى المدارس، وحصلت مثل ناقدنا الانتهاكى على درجة الدكتورية من بلاد الخواجات؟ كل ما هنالك أنه من أهل التنوير والحداثة، أما أنا فرجعى ظلامى متخلف متعصب ضيق الأفق حتى لأخشى أن يطالب نقادنا الانتهاكيون بوضعى فى المتحف كى يتفرج الجمهور على حفرية من الحفريات العجيبة التى ما زالت تفتخر بدينها رغم أن أكبر دول العالم تكره هذا الدين وتعده من مخلفات الماضى، ثم أظل بالمتحف إلى أن يقضى الله أمرا كان مفعولا وتنهزم أمريكا وتابعو أمريكا ويعود الإسلام وأتباعه المتخلفون إلى صدارة المشهد كَرَّةً أخرى فيغرق العالم وقتذاك فى مستنقع الظلام والرجعية و"القَدَامة"، التى هى عكس "الحداثة".
على أن الناقد المنتهك لا يستطيع أن يرى العيب إلا فى الورد، أما الشوك فإن ملمسه عنده كملمس الحرير، ولا يمكن أن يقول عنه إنه يَشُوك ويؤلم ويؤذى، إذ مثل هذا القول غير مسموح به، وإلا انسدت أبواب النشر والشهرة فى وجه قائله فى كثير من بلاد المسلمين حيث يقبض على أَزِمّة المؤسسات الثقافية فيها فى الغالب من يكرهون الإسلام ويحاربونه ويعملون على إقصاء أى قلم شريف يحب دينه ويعمل على نصرته فى وجه الهجمة الغاشمة الطاغية عليه مما لم يعد خافيا على أحد لأن كل شىء قد صار مكشوفا بل مفضوحا، و"على عينك يا تاجر". ولسنا نحن الذين نقول هذا، بل تقوله التقارير الأمريكية التى تتحدث عن خطط أمريكا فى الاستعانة بالعلمانيين والملاحدة ضد المتدينين المسلمين لإقصاء الإسلام والقضاء عليه تدريجيا وبطريقة منهجية طبقا لما وضع دهاقنةُ السياسة والاستخبارات وشياطينُ علماء النفس والاجتماع وثعالبُ الاستشراق من برامج وتخطيطات. واقرأوا فى هذا الموضوع تقرير مؤسسة "رانْد" الأمريكية لعام 2007م مثلا، ففيه الغَنَاء.
بيد أننا نحن المسلمين ندرك، رغم تقصيرنا بوجه عام فى نصرة ديننا العبقرى، أن كل مجهودات الولايات المتحدة فى هذا السبيل سوف تضيع فى الهواء كالهباء المنثور. لقد "كان غيرها أشطر". ولديها الاتحاد السوفييتى، الذى احتل أفغانستان منذ وقت غير بعيد، وكان له جمهور ضخم بين المسلمين، وكانت تتبعه كثير من دولهم، ويفتخر كثير من حكامهم بأنهم من أذنابه. فأين الاتحاد السوفييتى الآن؟ لقد تفكك وانهار وصار فى خبر "كان". وإن شاء الله سوف تلحق به الولايات المتحدة الأمريكية إلى ذات المصير عاجلا أو آجلا. لقد كان الاتحاد السوفييتى ملء السمع والبصر، ولم يكن أحد عشية انهياره ودماره يتصور، ولو فى الأحلام، أنه يمكن أن ينهار ويختفى من خريطة الدنيا. ولكن ها هو ذا قد اختفى. ولقد شرعت تباشير تفكك الولايات المتحدة ذاتها تظهر من الآن للعيان، ولسوف يندم العملاء ساعتئذ، لكنْ حين لاتَ مَنْدَم!
وفى ضوء هذا الكلام يستطيع القارئ الطيب الذى لم يكن يفهم السر فى انتشار أقلام بعينها فى عديد من الصحف من أقصى شرق العالم العربى لأقصى غربه، وبالذات فى صحف الخليج، لناس لا يقدر الواحد منهم، لضحولة ثقافته وانعدام موهبته، أن يكتب أو يقرأ جملة واحدة سليمة، ومنهم ذلك التومرجى الشيوعى الحقير مؤجّر أَسِرّة المستشفى للمومسات وزبائنهن قبل أن تنتشله بعض الجهات وتجعل منه كاتبا لامعا رغم أن أقصى ما كان مثله يحلم به، وهو عريان غير متغطٍّ بشىء، أن يشتغل مدرسا فى مدرسة ابتدائية هى كل ما يؤهله له الدبلوم البائس الذى حصل عليه بشق الأنفس. فذلك التومرجى الشيوعى المتأمرك القواد الذى يكره الإسلام لهذا السبب، إذ لا يمكن أمثاله أن يحبوا دينا نظيفا كالإسلام يأمر أتباعه بالطهارة والعفة والاستقامة، على حين أتى هو من بيئة دنسة مثله، ومن ثم فمن الطبيعى أن يقبل على القذارات والقمامات يتمرغ فيها ويَطْعَم منها ويدافع عنها ويهاجم الإسلام الكريم، أقول إن ذلك التومرجى القواد تجد له، أيها القارئ العزيز، مقالات فى الصحف العربية المختلفة من المحيط إلى الخليج، وتراه يتنطط بالطائرات فى بلاد الله بين خلق الله، وهو العارى عن الموهبة والثقافة الحقة جميعا، وكان أبعد ما يطمح إليه أن يركب عربة يجرها حمار. والبركة فى تلك الجهات التى تأمر مسؤولينا الخونة أن يصدروا بدروهم أمرهم لنشر ما يكتبه هؤلاء الحقراء الجهلة فى صحف بلادهم ومن خلال دُور نشرها فلا يملك المسؤولون الخونة إلا أن يطيعوا، وفى فم كل منهم فردة حذاء قديم، بل الفردتان كلتاهما!
يتبع ........