وما الذى أخفاه الرسول صلى الله عليه وسلم فى نفسه
أجمع المنصفون من أهل التفسير والحديث على أن الله تبارك وتعالى أخبر نبيه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بأن زيداً سيطلق زينب وأن الرسول صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم سيتزوجها فخشى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم من أن يقول الناس إن محمداً تزوج من زوجة ابنه ([12]) ذلك لأن عادة العرب إذا تبنى شخص آخر أن يكون أبا له فلا يتزوج بزوجته وهذا ما خشيه رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم خاصة وأن الأمر بتحريم التبنى لم ينزل بعد
وما الذى أبداه الله
الذى أبداه الله _قدره_ أن زيداً سيطلق زينب ثم يتزوجها رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم
فما قدره الله فى محله فهو واقع لا محالة
لماذا يتزوج الرسول صلى الله عليه وسلم من زينب ؟:
كان هذا الزواج لعدة أسباب:
السبب الأول: المساواة بين العبيد وغيرهم :
كان زيد فى الأصل عبداً مملوكا أعتقه النبى صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وتبناه وأتى الإسلام ليساوى بين العبيد والأحرار وكان لا بد من تطبيق عملى لهذا المبدأ فزوج النبى صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم زيداً الذى كان عبداً لزينب التى هى من أشرف شرفاء مكة
ليس هذا هو الميدان الوحيد الذى طبق فيه رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم المساواة بين العبيد والأحرار فقد أمَّر النبى صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم زيداً على سرية كان فيها أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب
السبب الثانى: إبطال عادة التبنى
ذلك أن الله تبارك وتعالى حرَّم التبنى وكانت عادة العرب أن الرجل لا يتزوج زوج ابنه من التبنى فكان المسلمون بحاجة وقتها إلى تطبيق عملى ليتخلوا عن تلك العادة من جذورها تماما والرسول صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم كان متبنيا لزيد فتحتم أن يتزوج زينب التى هى زوجة ابنه من التبنى ليعلم الناس أن التبنى لا أصل له من الدين ولا يترتب عليه أى آثار شرعية بالمرة.
الدليل على ذلك :
قال تعالى:ـ
(فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا) ([13])
وجه الدلالة:
لما قضى زيد زواجه من زينب زوجناكها أى أن الذى زوج السيدة زينب بنت جحش لرسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم هو رب العزة سبحانه وتعالى ولم يكن النبى صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم له حاجة أو اختيار فى هذا الزواج وإنما أراده الله ليتخلى الناس عن معتقدات التبنى البالية.([14])
لماذا أُلغى التبنى :
لم يلغِ الإسلام نظام التبنى كاملا كما ظن البعض وإنما الذى ألغى فى التبنى جزء منه وهو أن ينسب الرجل إلى نفسه ولدا أو بنتا ليس من صلبه هذا فقط هو الذى ألغى من نظام التبنى ذلك لأن القول بنسب إنسان إلى غير أبيه يترتب عليه الكثير من المخالفات الشرعية
نوجز بعضا منها على نحو ما يلى:ـ
(1) أن المتبنى هذا لا يجوز له أن يتزوج من نسل الشخص الذى تبناه مع أنه لا يوجد مانع شرعى يحول بينه وبين ذلك.
(2) لوس المتبنى مع أسرة الشخص يستتبع تكشف للعورات وهو لا يجوز من الناحية الشرعية لأنه ليس له من الصلاحيات من يبيح له ذلك
(3) المنسوب إلى هذا المتبنى يرثه بعد وفاته وبذلك يكون قد أخذ ما ليس له فيه حق شرعا لأن التبنى ليس من أسباب الإرث
(4) الأب الذى تبنى هذا الطفل مثلا لا يجوز له أن يتزوج بإحدى محارمه مع أنه فى الأصل يجوز له ذلك
وعليه فإن نسب شخص إلى آخر لا يخرج إلا عن تحريم لما
أحله الله أو إباحة ما حرمه الله وهكذا
لأجل ذلك ألغى الإسلام تلك الخصلة من خصال التبنى وأبقى على غيرها من رعاية ذوى الحاجات والقيام على شئونهم مع الوضع فى الاعتبار تلافى السلبيات التى كان عليها نظام التبنى قبل الإسلام
هل كان بالضرورة أن يتم الزواج؟:
فى مواطن كثيرة لا بد للقائد أن يبدأ بنفسه أولا ولم تكن هذه أول مرة يقوم فيها رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بأن يبدأ بنفسه بالتطبيق العملى لأحكام شرع الله وكلنا نذكر صلح الحديبية حينما ذهب النبى صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم فى جمع من أصحابه لمكة لأداء العمرة فإذا بهم منعوا من قبل مشركى مكة من الدخول وكادت الحرب أن تقوم إلا أن النبى صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم عقد صلحا مع مشركى مكة كان من بين بنوده أن يرجع المسلمون فى هذا العام إلى المدينة المنورة دون دخول لمكة وبالفعل لم يدخل المسلمون ولكن كان من الواجب عليهم فى ذلك الوقت أن ينحروا هديهم ويتحللوا من إحرامهم إلا أن النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم لما أمر الصحابة بالتحلل والنحر شق عليهم ذلك ولم يفعلوا حتى أشارت السيدة أم سلمة زوجة النبى صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ورفيقته فى رحلته هذه أن اخرج عليهم يا رسول الله وتحلل أنت وانحر فلما فعل النبى صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم تسابق المسلمون للتحلل من إحرامهم
وهذا نفسه ما حدث فى زواجه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم من زينب فإن لم يكن قد تزوجها لما أقلع الناس عن الابتعاد عن تلك الصورة الباطلة من صور التبنى ولاستمر الحال على ما كان عليه فكان لزاما أن يكون هناك تطبيق عملى لهذا الحكم الشرعى.
المراجع :
[أ]- الأحزاب : 37
[ب] ـ تفسير الطبرى جـ 22 صـ 12 وما بعدها
[1] ـ يقصد بن جرير الطبرى الذى اخذوا من كتابة دليل شبهتهم
[2] ـ تفسير بن كثير جـ 3 صـ 491 وما بعدها
[3] ـ المرجع السابق
[4] ـ فتح البارى جـ 8 صـ 524
[5] ـ التهذيب جـ 9 صـ 507 وما بعدها
[6] ـ المرجع السابق جـ 5 صـ 275
[7] ـ المرجع السابق جـ 9 صـ 178
[8] ـ تفسير الالوسى صـ 423
[9] ـ الاحزاب اية 35
[10] ـ المراجع السابقة فى التفسير
[11] ـ فتح البارى جـ 8 صـ 524 وما بعدها
[12] ـ تفسير بن كثير المرجع السابق
[13] ـ الاحزاب 39
[14] ـ المراجع السابقة فى التفسير








رد مع اقتباس


المفضلات