ث- الكهنوت الطقسي
1- يقال إن الرياسة الدينية ضرورية لقيادة الكنيسة ؛ وبما أن المسيح بصعوده إلى السماء لم يعد رئيساً منظوراً لها، لذلك فإن من يشغل هذا المركز هو البطريرك، الذي كان يطلق عليه في أول الأمر "الأسقف" ـ فقد قال الرسول عنه إنه وكيل الله (تيطس 1: 7).
2- الرد: أن الوحي يعلن بعبارات صريحة أن المسيح وحده هو رأس الكنيسة (كولوسي 1: 18) وأننا كمؤمنين يجب أن نتجه ليس إلى ما يرى بل إلى ما لا يرى (2كورنثوس 4: 18)، أو بالحري إلى من لا يرى، إلى رئيس الإيمان ومكمله يسوع المسيح (عبرانيين12: 2)، الأمر الذي لا يدعو إلى وجود وكيل أو خليفة له على الأرض
3- إن المسيح لم يظل ميتاً بعد صلبه حتى كان يستلزم الأمر وجود خليفة له فإنه وإن كان لا يوجد بناسوته مع المؤمنين الحقيقيين الذين تتكون منهم كنيسته على الأرض في الوقت الحاضر، غير أنه يوجد معهم بلاهوته. فقد قال "حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي، فهناك أكون وسطهم"
(متى 18: 20)
4- فالقول بوجوب وجود خليفة للمسيح على الأرض ليتولى الرياسة الدينية على المؤمنين، فضلاً عن أنه ليس له أساس في الكتاب المقدس، هو تنكر لوجود المسيح بلاهوته مع المؤمنين في الوقت الحاضر
5- إن البطريرك الذي يقال إنه خليفة المسيح، قد يكون شخصاً مجرداً من المواهب الروحية، بل وقد يكون أيضاً شخصاً شريراً فنصّ الآية هو: "لأنه يجب أن يكون الأسقف بلا لوم كوكيل الله" ـ فهو كوكيل الله ليس من ناحية المقام أو المركز، لأن الله لا يعطي مجده لآخر (إشعياء 4: 8)، بل من ناحية السلوك بلا لوم في العالم الحاضر.
6- لكن بعض القائلين إنهم خلفاء للرسل لا يفهمون هذه الحقيقة، إذ يعتقدون أنهم في مركز وكلاء الله من حيث المقام بالنسبة إلى المؤمنين، حتى ذهب نفر منهم إلى أنهم آلهة المسيحيين على الأرض، كما جاء في الدسقولية (ص 65)، ومن ثم يطالبون أتباعهم بالسجود أحياناً أمامهم ! !.
7- أن شخصاً ينتخب بواسطة رجال الدين أو أفراد الشعب لكي يصبح خليفة لرسول ما، لا يكون خليفة له إلاّ من الناحية الإسمية، لأن الخليفة الحقيقي للرسول هو المعين بواسطته شخصياً للخلافة، وذلك بناءً على أمر الله نفسه، كما كانت الحال في إقامة يشوع بواسطة موسى النبي.
8- إن الأشخاص الذين يقال إنهم خلفاء للرسل ليسوا مملوئين من الروح القدس مثل الرسل، أو حاصلين على مواهب روحية أو معجزية مثل مواهبهم
9- ولو فرضنا جدلاً أنه يجوز استعمال القرعة في العهد الجديد بشأن ما يدعى الخلافة الرسولية، لكان الواجب على القائلين بها أن لا يعملوها بين من وقع عليهم اختيار الشعب فحسب، بل أن يضيفوا إلى الأوراق التي عليها أسماء المختارين منه، أوراقاً أخرى ليست عليها أسماء، إذ من المحتمل أن يكون الله غير موافق على واحد من هؤلاء المختارين. لكن الذين يعملون القرعة يقيدون الله بتعيين واحد من الذين اختارهم الشعب، والحال أن الله لا يتقيد بقيد ما ؛ ومن ثم يكونون هم الذين عينوا البطاركة وليس الله.
10- يقولون بعدم جواز قيام أحد بخدمة الله إلاّ بعد وضع الأيدي عليه من أشخاص لهم سلطة رسولية ويحتجون بالنص (قال الروح القدس: أفرزوا لي برنابا وشاول (الذي هو بولس) للعمل الذي دعوتهما إليه ؛ فصاموا حينئذٍ ووضعوا عليهما الأيادي، ثم أطلقوهما ).
11- الرد: أن الروح القدس نفسه هو الذي كان قد دعا برنابا وشاول للخدمة ودعوة الروح القدس لا تحتاج إلى تأييد أو اعتماد من البشر مهما كان مقامهم وفضلاً عن أن برنابا وشاول كانا يخدمان الرب قبل هذه الدعوة ببضع سنوات، وانضم بواسطة خدمتيهما كثيرون إلى المسيح (أعمال 9 و 11 و 13)، الذين وضعوا الأيدي عليهما لم يكونوا رسلاً
12- يقولون : إن الرسول بولس عيّن تيموثاوس وتيطس خليفتين بواسطة وضع يديه عليهما ؛
13- الرد: فضلاً عن أن الوحي الإلهي، وإن كان قد سجل أن بولس وضع يديه على تيموثاوس، لكنه لم يسجل أنه وضعهما على تيطس، الأمر الذي يدل على عدم حتمية وضع الأيدي لإقامة رجال الدين بأعمالهم،
14- كما إن بولس لم يسلم تيموثاوس وتيطس المواهب التي أعطاها الله له، أو جعلهما واسطتين لتلقي الوحي الإلهي مثلما كان يتلقاه هو. كما أنه لم يطلب منهما أن يعينا شخصين يخلفانهما في تعيين القسوس، لذلك لا يكون قد عينهما خليفتين له، بل مجرد نائبين عنه لكي يقوما عوضاً عنه بإقامة قسوس في مكانين وزمانين محدودين، حتى يتفرّغ هو لنشر الإنجيل
15- لو فرضنا أن بولس عين تيموثاوس وتيطس أسقفين بالمعنى المعروف في هاتين الكنيستين، لكان قد أمر كلاً منهما بعدم مغادرة البلد الذي أقامه فيه، ولكنه وبعد ذلك طلب الرسول من تيموثاوس أن يغادر هذه البلدة لكي يرافقه في خدمة الإنجيل، كما كان يفعل من قبل (2كورنثوس 4: 9)، ومن ثم لا يكون قد عينه أسقفاً بالمعنى الذي يقال عنه في الكنيستين المذكورتين.
وهكذا الحال من جهة تيطس
16- لم يكن لتيموثاوس أو تيطس أن يدعي لنفسه أنه خليفة للرسول في مركزه أمام الله أو الناس، أو أنه يشترك معه في المميزات الخاصة به، أو أن له سلطة تعيين شخص يكون خليفة له أو للرسول بولس، أو إقامة قسوس في غير المكان والزمان المحددين له أيضاً. ومن ثم فإن دعوى بعض الأفراد في الوقت الحاضر [بأنهم خلفاء للرسل وأنهم يقيمون قسوساً بسلطان رسولي] بعيدة عن روح الكتاب المقدس كل البعد.
17- يقولون : قال الوحي عن بولس وبرنابا أنهما انتخبا للمؤمنين قسوساً في كل كنيسة وصليا بأصوام واستودعاهم للرب الذي كانوا قد آمنوا به" (أعمال 14: 23)، ومن ثم يجب أن يكون هناك خلفاء للرسل لإقامة القسوس في كل عصر من العصور.
18- الرد: أن المؤمنين ليسوا هم الذين اختاروا القسوس وقدموهم إلى بولس وبرنابا لكي يوافقا على إقامتهم، كما يختار الناس أشخاصاً في الوقت الحاضر ويقدمونهم إلى بعض رجال الدين لديهم لكي يقيموهم قسوساً، بل أن بولس وبرنابا هما اللذان انتخبا القسوس المذكورين كما أن بولس وبرنابا أقاما القسوس بالصلاة والصوم دون أن يضعا الأيدي عليهم، لأن القول "واستودعاهم للرب "لا يدل حتماً على وضع الأيدي عليهم
19- القول بان : الذين يسيئون إلى الله بعمل الخطيئة، لا يكون في وسعهم الاعتراف بها أمامه مباشرةً، ومن ثم لا مفرّ من أن يعترفوا بها أمام رجال الدين، بوصفهم نوابه على الأرض، لكي ينالوا غفراناً عنها
20- الرد : فضلاً عن أنه ليس هناك في العهد الجديد أشخاص غير الرسل والأنبياء، لهم الامتياز أن يكونوا نواباً على الأرض من جهة إعلان مشيئته
21- ليست هناك آية تدل على أن الله يأمرنا بالاعتراف بخطايانا لشخص سواه، إذن يجب أن نعترف بها له وحده. وهكذا فعل دانيال النبي فقال صليت إلى الرب إلهي واعترفت
22- وقد عرف الأرثوذكس القدامى أيضاً، أن الاعتراف يكون للمسيح وحده، فقالوا: "ادعُ يسوع المسيح ابن الله من القلب بدون انقطاع
إن القديسين الذين عاشوا في القرون الأربعة الأولى، مثل باسيليوس الكبير ويوحنا ذهبي الفم، أعلنوا بكل صراحة أن الاعتراف يجب أن يكون لله وحده.
23- لا نرى واحداً من الرسل قال مرةً لإنسان ما: "مغفورة لك خطاياك "، كما كان المسيح يقول من قبل (مرقس 2: 5). بل كانوا جميعاً يوجهون أنظار الخطاة إلى الله، لكي يحصلوا منه مباشرةً على الغفران الذي يحتاجون إليه. فبطرس الرسول (مثلاً) عندما اكتشف خطية سيمون الساحر قال له: "فتب عن شرك هذا، واطلب إلى الله عسى أن يغفر لك فكر قلبك" (أعمال 8: 22).
24- وإذا كان الأمر كذلك، أدركنا أن المسيح بإعطائه هذا السلطان للرسل، لم يتنازل لهم عن حقه الشخصي في مغفرة الخطايا للخلاص الأبدي، أو إمساكها للهلاك الأبدي، حتى يصبحوا هم الواسطة التي يلجأ إليها الناس للحصول على الغفران، بل خوّلهم فقط حقّ إرشاد الناس إلى وجوب التوبة القلبية والإيمان بشخصه إيماناً حقيقياً، حتى يغفر الله لهم خطاياهم.
25- السبب في إعطاء المسيح لرسله سلطان غفران الخطايا وإمساكها بالمعنى الذي ذكرناه، فيرجع إلى أمرين (الأول) إن الإنجيل الذي يعلن السبيل إلى غفران الخطايا أو إمساكها، لم يكن قد كتب بعد. (الثاني) إن الروح القدس العامل في نفوس الرسل هو الذي كان يحلّ محل الإنجيل وقتئذٍ. ومن ثم كان الرسل وقتئذٍ هم الواسطة الإلهية الوحيدة، التي يعرف الناس عن طريقها السبيل إلى غفران الله للخطايا أو إمساكها. 26- "أمريضٌ أحدٌ بينكم، فليدع شيوخ الكنيسة، فيصلّوا عليه بزيت باسم الرب. وصلاة الإيمان تشفي المريض، والرب يقيمه. وإن كان قد فعل خطية تغفر له" (يعقوب 5: 16) ـ تدل على وجوب وجود كهنة في الكنيسة لهم الحق في دهن المرضى بالزيت
27- الرد: فليدع شيوخ الكنيسة"، يعلن لنا خطأ استدعاء شيخٍ واحد في هذه الحالة، ويرجع السبب في ذلك إلى أن شيوخ الكنيسة مجتمعين معاً، يمكنهم بالبحث أن يعرفوا سواء كان المرض الذي حلّ بهذا الشخص، مرضاً عادياً، أو تأديبياً له بسبب خطية عملها (1كورنثوس 11: 30). وإذا كان الأمر كذلك، أدركنا أن قيام قسيس واحد أو بعض الشبان أو السيدات بدهن المرضى بالزيت (كما نشاهد الآن في بعض الجماعات المسيحية)، لا يتفق مع الحقّ الإلهي.
28- الآية لا تقول إن الزيت يشفي المريض، بل تقول إن صلاة الإيمان هي التي تشفيه، الأمر الذي يدل على أن القسوس يجب أن لا يكونوا فقط ملمّين بأقوال الله، بل أن يكونوا أيضاً رجال صلاة ورجال إيمان معاً.