ب- كهنوت المؤمنين
1- "الذي أحبنا وقد غسلنا من خطايانا بدمه، وجعلنا ملوكاً وكهنة لله أبيه" (رؤيا1: 5، 6). كما قال لنا عنه إنه اشترانا بدمه من كل قبيلة ولسان وشعب وأمة، وجعلنا ملوكاً وكهنة (رؤيا5: 9- 10). "وأما أنتم فجنس مختار، وكهنوت ملوكي، أمة مقدسة، شعب اقتناء، لكي تخبروا بفضائل الذي دعاكم من الظلمة إلى نوره العجيب" (1بطرس2: 9).
2- يتضح لنا انه لا يراد بالكهنة الوارد ذكرهم فيها فئة خاصة من بين المؤمنين الحقيقيين، بل يراد بهم هؤلاء المؤمنون جميعاً لأن المسيح لم يحب فئة منهم دون فئة، بل جميعاً بدرجة واحدة، إذ ذاق بنعمة الله الموت لأجل كل واحد (عبرانيين2: 9).
3- هناك فرقاً بين القيام بالكهنوت وبين القيام بالخدمات الدينية. فمن جهة الكهنوت، ليس هناك فرق بين مؤمن حقيقي وآخر، إذ أن المراد به، الاقتراب إلى الله والتمتع به وتقديم العبادة المقبولة أمامه- وجميع المؤمنين الحقيقيين لهم التمتع بكل هذه الإمتيازات (عبرانيين4: 16).
4- أما الخدمات الدينية، مثل الوعظ والتعليم فهي مقصورة على الذين ينالون مواهب روحية من الله (1بطرس4: 10، 1كورنثوس 12: 1- 10).
إن عمل كهنة العهد الجديد (أو بالحري المؤمنين الحقيقيين) ينحصر في تقديم الذبائح الروحية المقبولة لدى الله، وتخبير الناس عن فضائلهوهذان العملان ليسا مقصورين على فئة خاصة منهم، بل إنهما من امتيازهم جميعاً. ومن ثم يكون كهنوتهم كهنوتاً روحياً محضاً
5- إن المؤمنين الحقيقيين ليسوا كهنة للناس بقدر ما هم كهنة الله. ومن ثم فإنهم لا يسعون إلى إرضاء الناس بل إلى إرضاء الله (غلاطية1: 10). وإذا كان الأمر كذلك، فإن أي مؤمن بالاسم، لا يمكن أن يكون كاهناً لله، حتى إذا دعا نفسه، أو دعاه الناس جميعاً، بهذا الاسم، وذلك لأنه ليست له علاقة حقيقية مع الله. أما المؤمنون الحقيقيون فهم جميعاً كهنة لله، حتى إذا لم يعترف لهم بعض الناس بهذا المقام.
6- فإن القداسة العملية التي يجب توافرها فيهم، تنشأ أولاً وأخيراً بواسطة انقيادهم بالروح القدس الساكن فيهم. أما محاولة إصلاح الطبيعة البشرية بالزهد والتقشف (مثلاً). فلا يجدي علينا خيراً. لأن الخطية ليست في الجسد بل في النفس.
7- وكون جميع المؤمنين الحقيقيين ملوكاً وكهنة في نفس الوقت، يراد به ثلاثة أمور:
(أ)-أنهم بارتباطهم بالله يحصلون على بركاته، وباتصالهم بالبشر يقودونهم إلى امتلاك هذه البركات منه لأنفسهم.
(ب)-أنهم بالإضافة إلى تعبدهم لله وخدمته، سيملكون مع المسيح عند مجيئه الثاني، لتأسيس ملكه على الأرض (لوقا22: 29).
(ج)-أنهم بولادتهم ثانية من الله ملك الملوك، سكن فيهم بروحه
8- إذا رجعنا إلى الكتاب المقدس، نرى أن المسيح، وإن كان قد أعطى البعض أن يكونوا رسلاً والبعض أنبياء والبعض مبشرين والبعض رعاة ومعلمين (أفسس4: 11- 12). وأن الرسل، وإن كانوا قد أقاموا في كل كنيسة أساقفة (أو قسوساً) وشمامسة، لكن لا المسيح أقام فئة خاصة تدعى كهنة، ولا الرسل أقاموا هذه الفئة من بعده. 9- كما أننا إذا فحصنا الأعمال التي أقيم الأساقفة أو القسوس لتأديتها، والواردة في (أعمال20: 18و 31، تيطس1: 7- 9، 1بطرس5: 2)، لا نرى من بينها عملاً كانوا يتفردون بالقيام به يدعى "تقديم العشاء الرباني لله" أو حتى "تقديمه للناس"، الأمر الذي يبطل القول بأن العشاء الرباني هو ذبيحة لمغفرة الخطايا، وأنه يتطلب وجود كهنة بالمعنى الحرفي.
10- المسيح هو رئيس كهنة، ليس لأن له كهنة بالمعنى الحرفي يتولى الرياسة عليهم، بل لأنه قام ويقوم بمفرده بعمل رئيس الكهنة. وإن كان له كهنة في العهد الجديد، فهؤلاء الكهنة هم المؤمنون الحقيقيون جميعاً، لأنهم يقومون بخدماتهم الكهنوتية الروحية (1بطرس2: 5) تحت رياسته وإرشاده
11- إن الكتاب المقدس ينفي وجود أي ذبيحة كفارية في العهد الجديد، ومن ثم ينفي وجود كهنة بالمعنى الحرفي في هذا العهد ... وبما أن الله لم يأمرنا بإقامة هيكل أو مذبح في العهد الجديد، لذلك لم يعد هناك مجال لتقديم أي ذبيحة كفارية مهما كان شأنها. فقد قال الوحي "وإنما حيث تكون مغفرة لهذه (الخطايا)، لا يكون بعد قربان عن الخطية" (عبرانيين10: 18)
12- وبما أن الغرض الأساسي من إقامة كهنة بالمعنى الحرفي هو تقديم الذبائح الكفارية لله، وهذه الذبائح لا مجال لها في العهد الجديد، لذلك ليس هناك مجال لهؤلاء الكهنة على الإطلاق.
13- ولكن وإن لم يكن هناك مجال لوجودهم في هذا العهد، غير أنه (كما يتضح من الكتاب المقدس)، يوجد قسوس (أو أساقفة)، وشمامسةورعاة، ومدبرون، ووعاظ، ومعلمون، وذلك حسب المواهب التي أعطاها الله لكل فريق منهم- وهؤلاء، والحمد لله كثيرون، وبانقيادهم بالروح القدس يمكن أن يقوموا بأعمالهم خير قيام.
14- كان المؤمنون في العصر الرسولي يعتقدون أن العشاء الرباني هو فقط تذكار كريم لموت المسيح كفارة عن البشر كما ذكرنا فيما سلف، ومن ثم لم يكن يخطر ببالهم مطلقاً أن هذا العشاء يتحول فعلاً إلى ذات جسد المسيح ودمه
15- الرسل لم يشيدوا لممارسة العشاء الرباني بناء خاصاً يدعى هيكلاً، أو أقاموا مذبحاً ليضعوا عليه هذا العشاء، بل كانوا يقومون به في بيوت عادية، وطبعاً على موائد الطعام العادية التي فيها (أعمال2: 42).
كانوا يمارسون العشاء الرباني دون أن يلبسوا ملابس خاصة، أو يستعملوا شموعاً أو بخوراً أو طقوساً أياً كان نوعها. كما أنهم لم يصلوا بنغمة معينة أو استعملوا آلات موسيقية مثل الدفوف والصنوج. لم يكن هناك بين المؤمنين شخص مسئول يناول بيده المشتركين في هذا العشاء
16- أن العشاء الرباني ليس ذبيحة. وأن القسوس في العصر الرسولي، كانوا لا يعتبرون أنفسهم رؤساء على المؤمنين أو قادة لهم في العبادة، بل أخوة لهم يشتركون معهم فيها جنباً إلى جنب
17- ابتداء من منتصف القرن الثاني تقريباً يفكرون في قول الوحي عن المسيح إنه بارك، قبل تقديم خبز العشاء الرباني لتلاميذه (متى26: 26، مرقس14: 22). وفي معنى قوله عن الخبز والخمر اللذين استعملهما في هذا العشاء، إنهما جسده ودمه.
18- فرأى فريق منهم أن الخبز والخمر لا بد أنهما يتحولان إلى جسد المسيح ودمه على نحو ما، ويكونان تبعاً لذلك ذبيحة. ورأى الفريق الآخر أن حديث المسيح عن الخبز والخمر هو حديث مجازي فحسب، وأن كلمة "بارك" في هذا المجال لا تعني أكثر من "شكر"، كما ذكرنا في الباب الأول من هذا القسم.
19- وقد نشأ عن الاختلاف من جهة ماهية العشاء الرباني، اختلاف بين القسوس من جهة مركزهم بالنسبة إلى باقي المؤمنين. فالذين لم يؤمنوا منهم بالتحول ظلوا على الاعتقاد بأنهم لا يزيدون عن كونهم أخوة لباقي المؤمنين كما ظلوا على الاعتقاد بأن خدمة القسوسية التي أسندت إليهم، لا تجعلهم أقرب إلى الرب من هؤلاء المؤمنين. لأن هذا الاقتراب ليس مؤسساً على المراكز الدينية، بل على كفارة المسيح من جهة الامتياز، وعلى الحياة الروحية من جهة المسئولية- وذلك الامتياز هو لجميع المؤمنين، وهذه المسئولية عليهم جميعاً القيام بها. ومن ثم كانوا لا يتفردون بالصلاة في اجتماع العشاء الرباني (أو غيره من اجتماعات العبادة)، بل كانوا يشتركون فيها جنباً إلى جنب مع غيرهم من المؤمنين، وذلك تحت قيادة الروح القدس وإرشاده، كما كانت الحال في العصر الرسولي.
20- أما القسوس الذين قالوا بالتحول، فقد اعتبروا أنفسهم كهنة. وكان أول من قال بذلك شخص يدعى كبريانوس سنة 258م. كما اعتبروا أنفسهم رؤساء على المؤمنين وأقرب إلى الله منهم، ولذلك أخذوا يتقدمونهم في الصلاة أو يقومون بمعظمها عوضاً عنهم، كما كان يفعل رجال الدين في الأديان الأخرى.
21- ويتضح هذا من القول المنسوب إلى أغناطيوس: "صلاة العشاء الرباني التي تتم برياسة الأسقف هي وحدها، الصلاة القانونية.وبدونها لا يكون هذا العشاء مقبولاً لدى الله" والمنسوب إلى غيره "إذا وقفتم (للصلاة)، وقف الرؤساء (يقصد الأساقفة أو القسوس) أولاً، ثم الرجال والنساء" (الدسقولية وتاريخ الآباء في القرون الثلاثة الأولى).
22- أخذ رجال الدين المذكورين يعزلون أنفسهم عن باقي المسيحيين، كما كان يفعل رجال الأديان الأخرى بالنسبة إلى أتباعهم، فأطلقوا على أنفسهم اسم "إكليروس" وهي كلمة يونانية معناها "النصيب أو الميراث"، قاصدين بذلك أنهم وحدهم نصيب الله وميراثه الخاص. وأطلقوا على الذين لم ينخرطوا في سلكهم اسم "لاؤس" أي الشعب أو العامة- مع أننا إذا رجعنا إلى الكتاب المقدس نرى أن اسم "إكليروس" بمعنى "النصيب أو الميراث"، يطلق على جميع المؤمنين الحقيقيين في العهد الجديد (أفسس1: 18)، وفي العهد القديم أيضاً (1ملوك8: 51).
23- ولما كثر عدد القسوس استحسنوا أن يقيموا رئيساً لهم، يتصف بصفة خاصة بالرزانة والحكمة والتقوى، لكي يرتب لهم أعمالهم ويقضي على كل خلاف يمكن أن يقوم بينهم، وقد أطلقوا على هذا الرئيس وحده اسم "الأسقف"، مع أن الأسقف في العصر الرسولي، كان هو القسيس بعينه كما ذكرنا. ولما انتشرت المسيحية في أقطار كثيرة، وازداد عدد الأساقفة في كل قطر منها، استحسنوا أن يقيموا عليهم جميعاً رئيساً يكون أيضاً أكثرهم رزانة وحكمة وتقوى، وذلك لكي يجمع صفوفهم ويرأس اجتماعاتهم، وقد أطلقوا على هذا الرئيس اسم "رئيس الأساقفة" أو "البطريرك" والاسم الأخير كان يطلق على كل من إبراهيم واسحق ويعقوب وداود عند اليهود.
24- إن القسوس الذين نادوا بأنهم كهنة، بسبب اعتقادهم أن العشاء الرباني ذبيحة، أخذوا يقتبسون في أواخر القرن الثالث الكثير من طقوس العبادة التي كانت تستعمل في الهيكل اليهودي قديماًبعد صبغها بصبغة مسيحية، وبذلك يكون كهنوت هؤلاء القسوس تقليداً للكهنوت اليهودي وبالإضافة إلى ذلك عملوا القداس رغبة منهم في توحيد العبادة في المسيحية كما هو متبع لدى الأديان الأخرى
25- ولما اعتنق المسيحية الإمبراطور قسطنطين في القرن الرابع، اتجهت الأنظار إلى اجتذاب معظم الملوك والأمراء إليها، فبذل بعض الأساقفة كل ما لديهم من جهد لإظهار العبادة المسيحية في أجمل مظهر يسر العيون والآذان، فشيدوا الكنائس الفخمة، وزينوها بالصور والتماثيل الجميلة، كما ارتدوا عند قيامهم بالصلاة ملابس خاصة مزركشة بخيوط ذهبية وأحجار كريمة. فضلاً عن ذلك، فقد استعملوا البخور (ز) والشموع (ح) كما جمعوا الكثير من الألحان الموسيقية، ووقعوا عليها الصلوات والتسابيح التي عملوها. وبعد ذلك أضافوا إلى الطقوس التي وصلت إليهم طقوساً أخرى تشد الحواس البشرية وتستهويها
26- فثار الروحانيون ضد الأساقفة المذكورين، وحاولوا العودة بالعبادة المسيحية إلى بساطتها الأولى، أو بالحري إلى روحانيتها الأولى، لكنهم لم يفلحوا كثيراً. لأن الأغلبية الساحقة من الناس في كل دين من الأديان، كانت (كما لا تزال) تجري وراء المظاهر الدينية، بما تحويه من أنظمة وحركات ونغمات جذابة. وقد وصف المؤرخون العبادة في هذا القرن، فقالوا إن الصلوات فقدت الكثير من بساطتها الأولى وصارت مفخفخة، أو بالحري ذات رونق جذاب.