د. العودة من كيب تاون : لماذا لا تكون الأمة الإسلاميَّة أمة واحدة فعلياً وليس نظريا فقط؟!(2/2)



الكاتب: الإسلام اليوم/ أيمن بريك



الخميس 24 جمادى الأولى 1432الموافق 28 إبريل 2011


ثم انتقل الدكتور سلمان العودة إلى الحديث عن حق المسلم على أخيه، مشيرًا إلى أن القرآن الكريم والسنة النبوية اعتنيا بحق المسلم على أخيه المسلم، والذي يمكن أن نقسمه إلى أربعة أقسام:

القسم الأول : الحقوق القلبيَّة: وهي تلك المتعلقة بالمحبة والعطف والرحمة وحسن الظن وطيب القلب لأخيك المسلم، وأن تكون قلوبنا صافية على إخواننا المسلمين، وأن تتعاهد قلوبنا دومًا وأبدًا، بحيث أنه مثلما يتوضَّأ الإنسان لصلاته في اليوم والليلة خمس مرات، فإنه كذلك يتعاهد قلبه بنوع آخر من الوضوء والتطييب، وألا يسمح لأي إحساس سلبي، مشيرًا إلى أن الكلام في مثل هذه الأمور قد يكون سهلًا ولكن معالجة القلب من ذلك أمر في غاية الصعوبة، وذلك لأن الإنسان في مختلف مراحل العمر يلتقي بأناس منهم من يسيء إليه، ومنهم من يخطئ عليه أو يظلمه أو يتجاهله أو يسيء الظن به، ثم لا تزال هذه الأمور تتجمع حتى تفسد القلب، وصدق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حينما قال في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم: «يَدْخُلُ الْجَنَّة أَقْوَامٌ أَفْئِدَتُهُمْ مِثْلُ أَفْئِدَة الطَّيْرِ»، أي: مثل قلب العصفور، موضحًا أن أحسن ما قيل في تفسير هذا الحديث أن تكون قلوبهم نقية بسيطة صافية بعيدة عن التعقيد والظنون، مشيرًا إلى أن بعض الناس يظنُّ أنه من الذكاء أن تظن بهذا كذا وأنه قال كذا ويقصد كذا أو لا يقصد وما أشبه ذلك، بينما الغفلة من المعاني المهمَّة، ولذلك قال الإمام الشافعي -رضي الله عنه: "الكيّس العاقل هو الفطن المتغافل" أي : ليس أحمقًا أو جاهلاً ولكنه متغافل.

وقيل للإمام أحمد -رحمه الله: إن فلانًا يقول إن التغافل تسعة أعشار العقل، فقال الإمام أحمد -رحمه الله: بل هو العقل كله.

وأضاف فضيلته أن التغافل هو ألا تضع كل شيء على بالك، وألا تفسر تصرفات الناس، ولكن احملهم على أحسن المحامل، ولا تسمح لهذه الجوهرة النفيسة التي أعطاك الله تعالى وهي القلب بأن يدخلها الحقد أو الحسد أو البغي أو سوء الظن، أو أن يستوطنها أي من ذلك بأي حال من الأحوال، وإذا قُدّر وكُتب أن شيئًا من ذلك أصابك عجِّلْ بغسيله فورًا لأنه مثل الشجرة إذا اقتلعتها من أول وهلة تستطيع بإصبعين أن تقتلعها، لكن لو تركتها يومين وثلاثة امتدت جذورها، ولو تركتها شهرًا أو شهرين أو سنة أو سنتين لربما لا تستطيع أن تزيلها إلا بالحفر وبغير ذلك من الوسائل، مشيرًا إلى أنه على الإنسان أن يقوم بعملية غسيل لقلبه من هذه الأمور على مدار الساعة، حتى وإن اختلف الإنسان مع أحد فإنه عليه ألا يسمح بأن يقع في قلبه حقد على أحد، لافتًا إلى أن هناك من يقول إنني لا أستطيع أن أسامح أو أغفر لمن شتمني أو أذاني أو ظلمني، وهؤلاء أُذكرهم بقول النبي -صلى الله عليه وسلم- لأحد الصحابة عندما سمعه يحلف على شخص يطالبه بدَيْن ويقول: والله لا أسامحك عن هذا الدين، فكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول لهم: «أَيْنَ الْمُتَألي عَلَى اللَّه لاَ يَفْعَلُ الْمَعْرُوفَ؟» فَقَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَه أَي ذَلِكَ أَحَبَّ. أي : الشخص المدين، له ما شاء، إن شاء أن أضع عنه نصف الدين ويسدد الآن، وإن شاء أن أُنظره وأمهله فترة إضافيَّة، فكن أنت ذلك الرجل أيضًا، ولا تتألى أن تفعل الخير، وسامح، وسيكون الأمر من حظك ونصيبك إن شاء الله.

من أهل الجنة

وذكر الشيخ سلمان بالقصة التي رواها الطبراني وغيره بأسانيد لا بأس بها أن عبد الله بن عمرو بن العاص كان جالسًا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال -صلى الله عليه وسلم: « يدخل عليكم الآن رجل من أهل الجنة »، وبعد قليل جاء رجل من الأنصار تقطر لحيتُه من أثر الوضوء، فقال عبد الله بن عمرو بن العاص وهو شاب عنده طموح وتطلُّع إلى العلم، ليس العلم الذي يماري به السفهاء أو يجادل به العلماء، ولكن العلم الموصل إلى النجاة في الدار الآخرة، وعبد الله بن عمرو بن العاص قد قرأ قول الله تعالى: (يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّه بِقَلْبٍ سَلِيمٍ)



فلما قام النبي صلى الله عليه وسلم تبعه عبد الله بن عمرو بن العاص فقال: إني لاحيت أبي، فأقسمت ألا أدخل عليه ثلاثًا، فإن رأيت أن تؤويني إليك حتى تمضي الثلاث فعلت، قال: نعم، فبات معه ثلاث ليال، فلم يره يقوم من الليل شيئًا، غير أنه إذا تعارَّ انقلب على فراشه ذكر الله وكبَّر حتى يقوم لصلاة الفجر، قال عبد الله: غير أني لم أسمعْه يقول إلا خيرًا، فلما مضت الثلاث، وكدت أحتقر عمله، قلت: يا عبد الله، لم يكن بيني وبين والدي هجرة ولا غضب، ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ثلاث مرات: «يطلع الآن عليكم رجل من أهل الجنة»، فطلعت ثلاث مرات، فأردت أن آوي إليك لأنظر ما عملك، فأقتدي بك، فلم أرك تعمل كبير عمل، فما الذي بلغ بك ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: ما هو إلا ما رأيت قال: فانصرفت عنه، فلما وليت دعاني فقال: ما هو إلا ما رأيت، غير أني لا أجد في نفسي على أحد من المسلمين غشًّا، ولا أحسده على ما أعطاه الله إياه إليه، فقال عبد الله: هذه التي بلغت بك، هي التي لا نطيق، أي : صعبة، وإنه ليسير على من يسَّره الله عليه.

كلام طيب

القسم الثاني : الحقوق اللسانيَّة : والتي منها ردّ السلام، وتشميت العاطس، وكف الأذى، كما يقول الشاعر :

فَلا يَنطِقَن مِنكَ اللِسانُ بِسَوأَة
فَكُلُّكَ سَوءاتٌ وَلِلناسِ أَلسُنُ

أي : فلا تتكلم في مسلم بغيبة أو نميمة أو سب أو شتم أو تقولها في وجهه، حتى بعض الناس إذا اغتاب أحدًا وقلت له: لماذا تقول ؟ قال : لو كان في وجهه لقلتها له، وعلى سبيل المثال، ففي إحدى المرات قالها أحد الإخوة، قلت له: إن كانت في ظهره فهي غيبة، وإن كانت في وجهه فإن هذا ليس جيدًا، اللهم إلا أن تكون نصيحة تتلطَّف فيها بالأسلوب المناسب، لافتًا إلى أن سؤال المسلم على أخيه المسلم هو من الحقوق اللسانيَّة، وكما يقال :

كَيفَ أَصبَحتَ كَيفَ أَمسَيتَ
مِمّا يَنبتُ الوُدَّ في الفُؤادِ الكَريمِ

مؤكدًا على ضرورة أن يعوِّد كل منا لسانه على الطيب من الكلام سواء مع الأهل، أو الزوجة، أو الأولاد، أو مع القريب، أو البعيد، وكذلك مع الموافق، أو المخالف، يقول النبي -صلى الله عليه وسلم: «إِذَا أَصْبَحَ ابْنُ آدَمَ فإن الأَعْضَاءَ كُلَّهَا تُكَفِّرُ اللِّسَانَ فَتَقُولُ اتَّقِ اللَّه فِينَا فإنمَا نَحْنُ بِكَ فإن اسْتَقَمْتَ اسْتَقَمْنَا وَإِنِ اعْوَجَجْتَ اعْوَجَجْنَا»، فالاستقامة مدارها على القلب، يقول تعالى: (لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ) ، واللسان هو المغراف الذي يغترف من القلب ويعبر عما فيه، ولذلك فإنه من المهمّ ضبط اللسان، واكتساب العادات الحسنة الحميدة في اللسان بالابتسامة، والقول الطيب، فالله عز وجل ذكر في القرآن الكريم القول المعروف، يقول تعالى: (وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا) والقول السديد، يقول تعالى: (وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا) والقول البليغ، يقول جل وعلا: (وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا) ، إلى غير ذلك من المعاني العظيمة.

وأوضح فضيلته أن هذا يؤكِّد أننا ينبغي أن نعوّد ألسنتنا على الكلام الطيب، والذي يكون بالمجان ولا يكلِّف الإنسان شيئًا لكن أثره عظيم، وفي الصحيح أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ذكر قصة الرجل الذي يدخل الجنة بكلمة من رضوان الله: «إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَة مِنْ رِضْوَانِ اللَّه مَا يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ فَيَكْتُبُ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ لَه بِهَا رِضْوَانَه إلى يَوْمِ الْقِيَامَة وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَة مِنْ سَخَطِ اللَّه مَا يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ فَيَكْتُبُ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عليه بِهَا سَخَطَه إلى يَوْمِ يَلْقَاه»، وعلى سبيل المثال، فإنه عندما يكون لدى الإنسان فاتورة مجانية فإنه يكثر من الكلام حتى ربما يصيبه التعب، فما بالنا إذا كان جزاء الكلمة الطيبة التي تطيب بها خاطر أحدًا أو تسأل عن حاله أو تعبر عن مشاعر إيجابية عندك ربما تُدخلك الجنة أو ترفع منزلتك فيها، مما يدعونا إلى أن نتوسع في استخدام الكلام الطيب الجميل.

ولفت الدكتور العودة إلى أنه يوجد حديث يجمع ما بين القلب واللسان وهو حديث عظيم رواه البخاري في صحيحه ضرب فيه النبي -صلى الله عليه وسلم- المثل للمنفق والبخيل، فضرب المثل للمنفق الكريم بإنسان عليه جبه أو ثوب طويل وهذا الثوب يسحب من تحته فإذا مشى هذا الثوب من ورائه يمسح أثره، ومثَّل الإنسان البخيل بإنسان عليه ثوب ضيِّق ولا يستطيع أن يلبسَه جيدًا، فكلما حاول أن يوسعه لا يتسع وربما انشقَّ هذا الثوب لأنه غير لائق عليه، موضحًا أن البخل ليس بالمال فقط وإنما البخل بالكلام الطيب وبشاشة الوجه كما قال العربي:

أَضاحك ضَيفي قَبلَ إِنزال رحله
وَيُخصَب عِندي وَالمَحَلُّ جَديب

وَما الخَصبُ للأَضياف أَن يَكثُر القِرى
وَلَكِنَّما وَجه الكَريم خَصيب

فقوله: (وَجه الكَريم خَصيب) أي : أن مجرد الوجه الطيب والبشاشة والبِشر هو معنى عظيم، واللسان هو تعبير عن ذلك أيضًا، لذا فإنه يجب علينا أن نعوِّد ألسنتنا على الكلام الحسن الطيب وأن نستدعيه من الآخرين.

أَنْفِقْ أُنْفِقْ عليكَ

القسم الثالث: الحقوق الماليَّة: ومنها: الزكاة، والصدقة، وإيثار الآخرين ومواساتهم، يقول النبي -صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ الْمُؤْمِنُ الَّذِي يَشْبَعُ وَجَارُه جَائِعٌ إلى جَنْبِه»؛ ولذلك قال سبحانه: (وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ *لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ)، وقال: (وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) فهذه الحقوق الماليَّة تكون للقريب والبعيد، بدءًا من الإنفاق على الأهل والأولاد، ثم إطعام المساكين وفقراء المسلمين خاصَّة عندما يكون هناك أزمة أو نازلة أو مصيبة، وكذلك المشاريع الخيريَّة، مثل بناء مسجد أو مركز أو دار أيتام أو مدرسة فهذا من المعاني الرائعة، مشيدًا بالاكتفاء الذاتي للمسلمين في جنوب أفريقيا فيما يتعلَّق بالنواحي الماديَّة، وهي ميزة يتميزون لم أجدها في أي بلد آخر في العالم مما زرته، وعلى سبيل المثال فإنني عندما أمرُّ على مسجد ويعجبني أو أصلي فيه أسأل الشباب: من بنى هذا المسجد؟ يقولون: بناه أهل الحي بجهودهم الذاتية، كما رأيت أن المسلمين في المساجد التي صلينا فيها يوم الجمعة يأتون بأكياس يحملونها بين الخطبتين ويمرون على المصلين يدفع هذا راند وهذا عشر راند وهذا مائة راند ثم تكون هذه للمدرسة أو للفقير أو للمسجد، مؤكدًا أن هذا العمل عمل رائع ويستحق الإشادة



وأضاف فضيلته: كما أن نفس الأمر ينطبق على الجالية العربيَّة الموجودة في جنوب أفريقيا، مشيرًا إلى أن تسميتها "جالية" هو من باب التسامح، وإلا في الواقع هم أصحاب وطن، وعلى سبيل المثال، فقد أعجبني أحد الشباب الأسبوع الماضي، حيث كان معي وقال لي: إنه جاء إلى هذا البلد وليس معه إلا ثيابه، ولكنه الآن يخرج الزكاة كما قام بالحج هو ووالدته وأن عنده الخير الكثير، وهو ما يذكِّرنا بقصة عبد الرحمن بن عوف في المدينة، فقد كان قريش أهل تجارة، فلما هاجروا إلى المدينة تركوا أموالهم، وعندما هاجر عبد الرحمن بن عوف إلى المدينة قال له سعد بن الربيع وقد آخى بينهما النبي -صلى الله عليه وسلم- : اختر أجمل زوجتي أطلقها حتى تتزوجها وخذ من مالي ما شئت! قال له: "بارك الله لك في أهلك ومالك دلوني على سوق المدينة"، وبعد أسبوعين قابله النبي -صلى الله عليه وسلم- وَعليه درع زَعْفَرَانٍ فَقَالَ النبي -صلى الله عليه وسلم- « مَهْيَمْ » فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّه تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً، قَالَ: «مَا أَصْدَقْتَهَا؟" قَالَ: وَزْنَ نَوَاة مِنْ ذَهَبٍ، قَالَ: «أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاة» حيث أصبح تاجرًا كبيرًا، وكذلك الكثير من الصحابة رضوان الله عليهم مثل عثمان بن عفان -رضي الله عنه- وغيرهم، حيث كان المال في أيديهم ولم يكن في قلوبهم، لافتًا إلى أن فضيلته ألقى قبل عشرين عامًا محاضرة بعنوان "دلوني على السوق" دعا فيها إلى التجارة والعمل، وعدم التكاسل.

وأشار الدكتور العودة إلى أن هناك قاعدة ربانيَّة تقول: «أَنْفِقْ أُنْفِقْ عليكَ»، يقولها سبحانه في الحديث القدسي: «قَالَ اللَّه تَبَارَكَ وَتعالى يَا ابْنَ آدَمَ أَنْفِقْ أُنْفِقْ عليكَ»، (أنفق ولا تخشى من ذي العرش إقلالًا)، حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- لبلال باعتدال لكن قدر ما تعطي، كما أنني قابلت الكثير من التجار الكبار، حيث يحدثونني كلهم أنهم بقدر ما يعطون شيئًا من الغد تأتي أحيانًا فرص تجارية أو أرباح أو مكاسب لم تكن تخطرُ لهم على بال.

ليْسَ الْوَاصلُ بِالْمُكافئ

القسم الرابع : الحقوق البدنيَّة : ومنها أن تعين صانعًا أو تصنع لعاجز أو أخرق أو تدلّ ضالًا أو تساعد محتاجًا أو تحمل عنه فهذه الحقوق البدنيَّة التي ورد فيها الكثير من النصوص، مشيرًا إلى أنه ينبغي على المسلم أن يستحضر هذه القائمة من الحقوق ولا يربط إعطاء الناس حقوقهم بقوله إنهم لم يؤدُّوا حقوقي؛ مشيرًا إلى أن الأمر ليس مكافأةً على فعل، يقول النبي -صلى الله عليه وآله وسلم: «لَيْسَ الْوَاصلُ بِالْمُكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها"، أي أن الإنسان إذا أحسن إليه الآخرون وقام هو برد هذا الإحسان فهذا ليس فيه مزية، ولكن المزية أن يكون الإنسان قدوةً حسنة حتى في مجتمع أو أسرة أو مجموعة أو بيئة تبخس بعض الحقوق.

اختلافهم رحمة

وفيما يتعلَّق بالاختلاف، قال الشيخ سلمان: إن الاختلاف بين الناس باقٍ كما ذكر الله تعالى في كتابه العزيز، يقول تعالى: (وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ)، كما أشار النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى ذلك المعنى أيضًا، بل لا يزداد الأمر إلا اتساعًا، موضحًا أن الاختلاف وقع بين أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- وقال عمر بن عبد العزيز: "ما يسرُّني أن أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يختلفوا"؛ لأنهم لو لم يختلفوا لكان اتفاقهم حجة، أما إذا اختلفوا فاختلافهم رحمة؛ ولهذا قال العلماء: "اختلافهم رحمة، واتفاقهم حجَّة"، مما يشير إلى أن اختلاف الصحابة واختلاف الأئمة رحمة، بل ألّف بعضهم كتابًا سماه "رحمة الأمة باختلاف الأئمَّة"، وبنى هذا الكتاب على حديث يروى عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو (اختلاف أمتي رحمة)، وهذا ليس بحديث صحيح، وليس له إسناد معروف، ولكن معناه صحيح أن الاختلاف المبني على حجة واجتهاد لا بأس به، وقد يكون رحمة لأن الناس لا يسعهم قول أو مذهب واحد، ولذلك علينا أن نتقبل الاختلاف، موضحا أن هناك ألوان من الاختلاف، منها



1 - اختلاف تنوع : ومثاله : أن يكون هناك أناس مشغولين ببناء المساجد، وآخرون مشغولون بالجوانب السياسيَّة، وفئة ثالثة مشغولة بالعلم والتعليم الشرعي، وفئة رابعة مشغولة بالتقنية، ونحن نعرف أن الإنجازات الحياتيَّة لا يمكن أن يقوم بها إنسان واحد أو مجموعة واحدة، وكل إنسان ميسَّر لما خُلق له، فهذا طبيب، وهذا مهندس، وهذا طيار، وهذا عسكري، وهذا تاجر، وهذا خطيب، وهذا عالم، وهذا داعية، وهذا بسيط ربما مهمَّته تنظيف الشوارع، وقد يكون عند الله أفضل منهم كلهم جميعًا، فالفضيلة بالتقوى.

2 - اختلاف تضاد: وهو أن يكون هناك أناسٌ يرون شيئًا وآخرون يرون ضده، ومثاله : أن يرى شخص أن هذا العمل مباح، والآخر يرى أنه محرّم، بل قد يرى شخص أنه واجب وآخر يرى أنه محرّم، مشيرًا إلى أنه إذا كان هذا مبنيًّا على دليل شرعي فإنك لا تستطيع أن تعاتبه، لكن إذا كان مبنيًّا على هوى أو نوع من العصبية أو منع الآخرين من الحق، وأن يتحول إلى عدوان فلا شكَّ أن هذا يكون مذمومًا، موضحًا أن مبنى الأمر على الاجتهاد، والنبي -صلى الله عليه وسلم- قال في الحديث: «إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ فَأَصَابَ فَلَه أَجْرَانِ وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَه أَجْرٌ»، حيث يكون الإنسان في هذه الحالة بين أجر وأجرين، وعندما يعطي الله أجرًا لمن يجتهد فإن هذا يكون دعوةً للناس إلى أن يجتهدوا بحسب وسعهم، وألا يُثرّب أحدهم على الآخر، فربما يكون لشخص أجران لأنه اجتهد وأصاب، لكنه لا يحجر على الآخر الذي يجتهد ويخطئ والذي في النهاية يحصل على أجر الاجتهاد، فاحمد الله على ما فضلك ولا تحاول أن تطيح بالآخرين أو تحتقرهم أو تسبّهم أو تسيء النية أو تتوقع أنهم قصدوا الخطأ، لافتًا إلى أن هناك كلمة جميلة للإمام الشافعي -رضي الله عنه- يقول فيها: "ليس من أراد الحق فأخطأه كمن أراد الباطل فأصابه"، مؤكدًا على ضرورة أن نحسن الظن بالآخرين، مشيرًا إلى أنه في يوم من الأيام كان الإمام الشافعي -رضي الله عنه- مريضًا وجاءه الربيع أحد تلاميذه يعوده، فقال له: يا إمام قوّ الله ضعفك! فقال له الشافعي: يا ربيع تدري أنك تدعو عليَّ بهذه الكلمة؟ قال: يا إمام ما قصدت إلا الخير، قال: أنا أعلم لو دعوت عليَّ أنك لا تريد إلا الخير، ولكن لا تقل ذلك، فلو قوَّى الله ضعفي لقتلني، أي: زاد ضعفي، ولكن قل: "شفاك الله" أو ما أشبه ذلك من المعاني، ولكن في النهاية يبقى حسن الظن بالناس.

اختلاف الصحابة

وأوضح الدكتور العودة أن الصحابة -رضي الله عنهم- والذين هم القدوة والأمة، حيث قال الله -سبحانه وتعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّة أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ)، وقد حمل عمر -رضي الله عنه- هذه الآية على أن المقصود بها الصحابة لأنه قال: (كُنْتُمْ) أي: في الماضي، ومع ذلك فقد كان بين الصحابة من الاختلافات الشيء العظيم، وعلى سبيل المثال، فقد كان عمر -رضي الله عنه- وابن مسعود لهما رأي أن الإنسان الذي يسافر وتصيبه الجنابة ولا يجد الماء أو يكون الماء شديد البرد، لا يتيمَّم أبدًا حتى يجد الماء ثم يغتسل ويقضي ما عليه من الصلوات، خلافًا لبقية الصحابة، وتكاد أن تكون الأمة أجمعت بعد ذلك على خلاف قول عمر وابن مسعود، وأن الإنسان إذا أجنب ولم يجد الماء أو برد عليه الماء تيمم مثل الوضوء تمامًا، واستدلّوا بظاهر القرآن الكريم قال -سبحانه وتعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ) ، حيث المقصود بالملامسة في هذه الآية الجماع، (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا).

وتابع فضيلته أن جماهير الأمَّة على أنَّ التيمُّم يرفع الحدث الأصغر والأكبر، بخلاف عمر -رضي الله عنه- وابن مسعود، حيث رَأيَا أنه لا يرفع الحدث الأكبر، وهذا القول من عمر ظاهره مخالف لنص القرآن الكريم، وقد أجمع الصحابة وأجمعت الأمَّة على خلافه، ومع ذلك يظلُّ عمر هو عمر بجلالته وعظمته وقدره، ولم يُنقل أن أحدًا من الصحابة نال من عمر ولو بشطر كلمة بسبب هذا القول، ومع ذلك ما قبلوا منه هذا القول لأنهم يرون أن القرآن حاكم على هذا القول، وظاهر القرآن قوي في مخالفته، فأخذوا بما دلت عليه النصوص القوية الصحيحة الصريحة ولم يأخذوا بقول عمر لأنه رجل عظيم، وفي الوقت ذاته حفظوا مقام عمر -رضي الله عنه- وعظَّموه وبجَّلوه وقدّروه كما قدّره النبي -صلى الله عليه وسلم، وهذه هي روح الصحابة التي نريد أن نقتدي بها.

اختلاف عائشة والصحابة

وضرب الشيخ سلمان مثالا آخر قائلا: إن عائشة الصّدّيقة -رضي الله عنها- خالفت الكثير من الصحابة في مسائل، منها: مسألة مرور المرأة بين يدي المصلي، حيث يرى بعض الصحابة أن مرور المرأة بين يدي المصلي يُبطل الصلاة، في حين أنكرت عائشة -رضي الله عنها- ذلك وقالت: "شبهتمونا بالكلاب والحمر، والله إني كنت أنام بين يدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ورجلاي إلى قبلته، فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي، وإذا قام بسطت رجلي" والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح فهي لا تراه، فردَّت عليهم أن مرور المرأة لا يُبطل الصلاة، وكذلك خالفت الصحابة في مسألة عذاب الميت و«إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِه عليه»، حيث ردَّت على عمر وابن عمر، كما ردت على ابن عمر في عمرة النبي -صلى الله عليه وسلم- حتى ألّف العلماء في ذلك كتبًا، منها ما ألفه الزركشي بعنوان "الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة".

وأكَّد فضيلته أن هذا دليل أيضًا على مكانة المرأة ودورها في التعليم والتعلم والأخذ والاجتهاد والتفقه، مشيرًا إلى أن هذا -مع الأسف- غاب في كثير من البيئات الإسلاميَّة، حيث صودرت مكانة المرأة وأصبحت المرأة فقط للولادة أو لرعاية الأطفال أو للبيت.

أدب الخلاف

واختتم الدكتور العودة محاضرته بالحديث عن أدب الخلاف، مشيرًا إلى أن هذا الأدب يجب أن يُدرَّس للشباب والكبار والصغار، مثلما يدرسون علم الحساب أو الرياضيات أو اللغة، حيث يجب أن يكون هناك مقرر اسمه "أدب الخلاف" يتعلمه الكبير والصغير، لافتًا الانتباه إلى أن هناك بعض الأخلاقيات التي يجب التحذير منها فيما يتعلق بأدب الخلاف، منها



1 - الحدّة: في الخلاف، فبعض الناس يقولون: "من لم يكن معي فهو ضدي"، وهذا خطأ، موضحًا أنه يروى عن عيسى -عليه الصلاة والسلام- كلمة رائعة وجميلة، حيث يقول: "من لم يكن ضدي فهو معي"، أي أن الناس كلهم معي إلا من كان ضدي وحاربني، وذلك على خلاف مقولة "من لم يكن معي فهو ضدي"، فربما يخالفني إنسان في نقطة واحدة فأعتقد أنه تحول إلى خصم أو عدو.

2 - الفرعيَّة: حيث وجدت أن كثيرًا من الخلافات التي تعصف بطلبة العلم والمجموعات الإسلاميَّة هي خلافاتٌ في الفروع، سواء في الصلاة، أو الزكاة، أو الصوم، أو الحج، أو المسائل الفقهيَّة، أو الاجتهادات، حيث نجد أن كثيرًا من الأسئلة تدور حول هذه الفروع، والتي ربما يكون قد اختلف فيها الصحابة كما اختلف فيها الأئمَّة، والأدلَّة فيها كثيرة ، وأن الإنسان بحثها في الفقه وأخذ بقول، لكن المشكلة تكمن في أن يعتبر الإنسان أن الرأي الذي أخذ به يجب على الناس جميعًا أن يأخذوا به، وأن يكون مدعاة للجدل والقيل والقال والخلاف، وهي أمور لا تستحق كل هذا، فلن يجتمع الناس على هذه الفروع.

3 - عدم حفظ مقامات: الناس الذين تختلف معهم، ودائمًا يقولون: "الأخلاق إنما تبين في وقت الاختلاف"، أي أن الإنسان يتعامل مع من هم أصدقاؤه بأريحيَّة، لكن الرجولة تبين في تعاملك مع من تختلف معهم، وعلى سبيل المثال، فإن بعض الناس إذا اختلف مع شخص مستعد أن يطيح به، أو يسبه، أو يشتمه، كما أنني أقرأ أحيانًا في الإنترنت في بعض المواقع أنه مات أحد العلماء فتجد شبابًا يكتبون في الإنترنت: "فلان مات فإلى جهنم وبئس المصير" والعياذ بالله!

4 - التكفير: مع أن النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: « وَمَنْ دَعَا رَجُلًا بِالْكُفْرِ أَوْ قَالَ عَدُوَّ اللَّهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إِلاَّ حَارَ عليه»، فإذا كفّره فهو الأحق بالكفر والأحق بالنار، ومع ذلك تجد الكثير من المسلمين بمجرد ما يقع الاختلاف يسارعون في التكفير، مع أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لم يُكفّر أحدًا بعينه ممن ثبت لهم أصل الإسلام مع وجود من قالوا: (اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ)، وكذلك مع وجود المنافقين الذين يُظهرون الإسلام ويُبطنون الكفر، ووجود حدثاء عهد بإسلام ربما يجهلون الكثير حتى من أصول الدين، ومع ذلك فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يُشرّع لنا ولا أمرنا الله في القرآن ولا في السنة بأن نلاحق الناس بالتكفير.

5 - القتل: أو استحلال دم من تختلف معهم أو يختلفون معك، فربما عندما تُكفّرني لا يكون هناك مشكلة وإن كان هذا أمرًا مؤلمًا، ولكن يقول الإنسان أتحمل، ولكن المصيبة هي عندما يتحوَّل التكفير إلى استحلال الدم والعرض والقتل، أو غير ذلك، وعلى سبيل المثال، فقد قال أحدهم ذات مرة: أستحل زوجته! فهذا الإنسان ربما حتى تفكيره جنسي، فأول ما فكَّر فيه زوجته! حيث ضاقت الدنيا كلها عليه إلا زوجة فلان، وهذا يوضح كيف وصلت الأمور في الإطاحة بالحقوق إلى هذا الحد؟! مؤكدًا أن التقاتل بين المسلمين في أكثر من مكان هو أمر عار علينا نحن المسلمين جميعًا، والنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: «لاَ تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ»، فهذا أمر فعلًا فظيع وشنيع، ويجب أن نعلن النكير عليه بكل وسيلة، ونبرأ إلى الله -تبارك وتعالى- من هذا المعنى، فالإنسان يتساءل دائمًا: ماذا يمكن أن يقول الرسول -صلى الله عليه وسلم- أكثر مما قال لنا في حفظ مقامات الأخوة والتقارب والتآخي والحفاظ على العلاقات والمحبة وعدم التكفير أو القتل؟! لافتًا إلى أنه ليس هناك لغة أو أسلوب في اللغة العربيَّة إلا استخدمه النبي -صلى الله عليه وسلم- لتحذيرنا من تكفير أو قتل من نختلف معهم، حتى قامت الحجَّة علينا جميعًا.

تعميق معاني الأخوَّة

وفي النهاية دَعَا الشيخ سلمان إلى ضرورة تعميق معاني الأخوة والحب في الله، وأن ندعو لإخواننا بظهر الغيب، وأن نذكرهم ونثني عليهم بخير، مشيرًا إلى أننا لن نعدم جانبًا من الخير نثني على إخوتنا فيه أبدًا، ونحن بذلك سنكون مفاتيح للخير، ومغاليق للشر، وستكون مجالسنا تلك المجالس التي يباهي الله تعالى بها ملائكته لأنها مجالس يُذكر فيها الصالحون، وعند ذكر الصالحين تنزل الرحمة، يقول تعالى: (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّه وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّه وَرَسُولَه أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَة مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ)، ثم قال -سبحانه وتعالى: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ) ، فلتكونوا من أهل هذه الآية: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤوفٌ رَحِيمٌ).

وأضاف فضيلته: إننا نريد أن نغير من أنفسنا وألا يكون هذا مجرد كلام نقوله ثم ننساه، ولكن نريد أن يتحول هذا إلى سلوك في الحياة، وثقافة، وأسلوب في العمل، وخلق نبيل نتواصى به ونحاول أن نكون قدوةً حسنة فيه للآخرين الذين نعتقد أنه ينقصهم