أكاذيب القمص زكريا بطرس ( 6 )

مصطفى ثابت

وقد بدأ جناب القمّص حلقاته بأن حدثنا عن مفهوم الصيغة التي يؤمن بها من المسيحية عن اللاهوت، وأنا أقول الصيغة التي يؤمن بها من المسيحية، لأن المسيحية ليست هي فقط ما يؤمن به جناب القمّص، وإنما لها أشكال وألوان، ولكل شكل ولون عقائد ومفاهيم، وهي إذا كانت عند البعض شرقا، فهي عند الآخرين غرب، وإذا اعتبرها البعض شمالا، اعتبرها البعض الآخر جنوبا. وليست هذه مبالغة أو افتئاتا على المسيحية، فهذه هي الحقيقة التي يدركها جيدا جناب القمّص، ويعرف أن الصيغة التي يؤمن بها من المسيحية هي مجرد صيغة من مئات الصيغ التي يزعم أتباع كل صيغة أنها هي المسيحية الصحيحة التي جاء بها السيد المسيح.
المهم. حدثنا جناب القمّص بعد ذلك عن حتمية تجسد الإله كما يتصوره، وذلك لكي يفدي البشرية على حد قوله، إذ يقول إن آدم أخطأ، وكان الحكم الذي وضعه الرب للخطيئة هو الموت، أي الانفصال عن الله تعالى، والخزي والعار، ثم العذاب الأبدي في أتون جهنم النار الأبدية، ليس لآدم فقط وإنما للبشرية كلها. وقد بينت في الحلقة السابقة كيف أن هذا الحكم يتعارض مع حكمة الله تعالى ولا يليق بأن يصدر عن إنسان عاقل حكيم، فضلا عن أن يُنسب إلى الله تعالى رب العالمين. ولكن، دعونا نستمر مع جناب القمّص إلى باب الدار كما يقولون في الأمثال.

يقول جناب القمّص إن الله عادل، فهو كما قال عنه الكتاب المقدس: "الله قاض عادل" (مزامير11:7)، ولذلك إذا حكم فلا بد أن ينفّذ حكمه. ولكن الله أيضا رحيم، فلا بد أن يرحم، إذ يقول الكتاب المقدس: "الرب إله رحيم رؤوف غافر الإثم والمعصية والخطية" (الخروج24: 7،6). وهنا تقول السيدة ناهد متولي إن أحباءنا في الإسلام يتمسكون بهذا ويقولون إن الله غفر الإثم. فيقول جناب القمّص:

"ده اعتراض مهم أوي، وينبغي إن احنا نوضّحه. مش كده؟". أيوه كده يا جناب القمّص. فماذا قال جناب القمّص؟ قال بالحرف الواحد: "دلوقتي لما الله أصدر حكم الموت، بييجي الإنسان يتوب، بننتظر من الله يغفر، طب وحكم الموت يروح فين؟ العدل ده؟ حيروح فين؟ يرجع في كلامه؟ إنت تُبت.. خلاص أنا مسامحك.. خلاص يا ابني مسامحك؟ لا راد لكلام الله ولا مبدل لكلماته، أصدر حكم يبقى هوه الحكم، مش كده؟... ومن هنا نشأت المشكلة بين الرحمة والعدل. لو العدل أخد قصاصه يبقى مفيش رحمة، ولو الرحمة غفرت وسامحت يبقى مفيش عدل، وحاشا لله إن أي صفة من صفاته تُمَس. وهوه عشان النقطة دي بالذات كانت قصة الفداء كلها، إن عشان خاطر ربنا يغفر ويرحم، لازم يبقى فيه فدية تتحمل الحكم بتاع العدل".

ليتني يا حضرات المشاهدين كنت أستطيع أن أسمعكم كلمات جناب القمّص بصوته حتى تعلموا أني لم أنقص منها شيئا ولم أضف إليها شيئا، ولتروا بأنفسكم وتسمعوا بآذانكم الخلل الذي في تصوّر جناب القمّص ومن هم على شاكلته. لقد طلع علينا جناب القمّص بمفهوم عجيب وغريب عن العدل، مفهوم لا نراه مكتوبا في أي قانون من قوانين العالم المتحضر، ولا حتى في العالم المتخلف. مفهوم لا يعمل به أحد من البشر في العالم، إلا المجانين أو الطغاة المستبدين. فيقول إن العدل يقتضي أنه إذا صدر حُكم فيجب أن يُنفّذ الحكم، أي إذا صدر الحكم بعقوبة معينة فالعدل هو أن تُنفّذ هذه العقوبة. هل هذا مفهوم العدل عندك يا جناب القمّص، وعند المسيحية التي تدعونا إليها، أنه لا بد من تنفيذ عقوبة الحكم الصادر؟ أم أن العدل يقتضي أولا ألا يصدر الحكم أصلا إلا بعقوبة تتساوى مع الجرم؟ ألم تقرأ في كتابك المقدس يا جناب القمّص أن العين بالعين، والسن بالسن؟ هذا هو العدل يا جناب القمّص، وهو أن تكون العقوبة مساوية للجرم الذي وقع أو معادلة له. ليتك يا جناب القمّص تتعلم من حكمة القرآن الكريم، ولا تعتمد فقط على من يكتبون لك المواد التي تقرأها ويعدّون لك البرامج التي تقدمها. يقول القرآن الكريم في سورة الشورى: وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا هذا هو العدل يا جناب القمّص، أما تنفيذ العقوبة أو عدم تنفيذها فهذا ليس عدلا، وإنما هو حكمة. إذا اقتضت الحكمة تنفيذ العقوبة، لأن في تنفيذها إصلاح المذنب، فيجب تنفيذ العقوبة. وإذا اقتضت الحكمة عدم تنفيذ العقوبة والعفو عن المذنب لأن العفو عنه يؤدي إلى إصلاح المذنب، أو إلى منع فساد يكون أكبر من فساد المذنب، فيجب عدم تنفيذ الحكم. ولذلك يقول تعالى وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا، وهذا هو العدل، وأما الحكمة فهي فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ، إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ، أي أن العفو الذي ينتج عنه إصلاحٌ هو عين الحكمة، ويكون من الظلم المخالف للعدل ألا يعفو الإنسان في هذه الحالة. أما إذا كان العفو يؤدي إلى فساد وظلم، فيجب تنفيذ العقوبة لمنع الظلم، لأن الله لا يحب الظالمين.

هذه يا جناب القمّص حكمة الإسلام العظيم، الذي تتهمه بأنه دين إرهاب، هذه هي الحكمة التي لا تأتي إلا من عند أحكم الحاكمين. أما ما تدعونا إليه، فهو من أفكار البشر التي أقحموها على الكتاب المقدس، فحرّفوا الحكمة التي أنزلها الله تعالى فيه، والتي لا تزال آثارها تشهد بجريمة التزوير والتحريف. وأما الأفكار البشرية التي كتبها بولس، أو التي أُقحِمت على الكتاب وفُرضت على الناس باعتبارها أسفارا مقدسة، فهي أيضا تشهد بجريمة التزوير والتحريف، لأنها تخالف العقل والمنطق والواقع الحياتي لجميع الناس.

إن دساتير الدول وقوانينها لا تنص أبدا على أن العدل هو في حتمية تطبيق العقوبة وتنفيذ الأحكام، وإنما العدل هو ألا تصدر الأحكام إلا على أساس عادل، ولا تُنفّذ العقوبة إلا إذا كانت تتساوى مع الجرم الذي وقع. إنك يا جناب القمّص من مواليد مصر، كما تدل على ذلك لهجتك المصرية، فهل رأيت في مصر قانونا ينص على أن العدل هو في تنفيذ العقوبة؟ وقد سافرت إلى أستراليا وإلى قبرص وإلى الولايات المتحدة الأمريكية حيث تعلمت فيها ما تعلمت، فهل رأيت في تلك البلاد قانونا ينص على أن العدل يحتم تنفيذ العقوبة في جميع الأحوال. إن الكثير من الدول تعطي رئيس الدولة حق العفو، وفي الولايات المتحدة الأمريكية حق العفو في يد رئيس كل ولاية. ألم تقرأ في كتابك المقدس يا جناب القمّص أن بيلاطس، الحاكم الذي قدّموا أمامه السيد المسيح لمحاكمته، فلم يجد عليه علة أو ذنبا، وأراد إطلاق سراحه، ولكن الغوغاء من الناس صاحوا: اصلبه اصلبه، فلما أراد أن يطلقه بمناسبة عيد الفصح، قالوا لا، اطلق لنا براباس؟ فهل كان في العفو عن مذنب وإطلاق سراحه منافاة للعدل؟ وإن كان، فلماذا لم يعترض عليه المسيح؟ ولماذا سكت يوحنا المعمدان عن عادة إطلاق سراح أحد المذنبين في العيد، وهو الذي لم يسكت عن أعمال هيرودس وفضحه في كل مكان؟ ولو كان العدل يقتضي تنفيذ الحكم كما تدّعي يا جناب القمّص، فلماذا لم يعدل السيد المسيح نفسه؟ العجيب يا جناب القمّص أنك تكرر قولك بأن المسلمين لا يقرأون، وإذا قرأوا لا يفهمون، مع أن هذا القول يبدو أنه ينطبق على جنابك. وأنا الحقيقة في غاية العجب والدهشة، وأريد أن أسألك: ألا تقرأ كتابك المقدس يا جناب القمّص؟ لا شك أنك قرأته مرات ومرات، فما بالك تقرأ ولا تفهم المكتوب فيه؟ إن كنت لم تقرأ، فالجاهل معذور، وإن كنت قرأت وفهمت، فما كان لك أن تخطئ هذا الخطأ الفاحش. صحيح أنت إنسان، ويمكن أن تنسى أو تخطئ، ولكنك أيضا رجل دين، وتدعو المسلمين أن يتركوا إسلامهم ويتّبعوا مسيحيتك، واستطعت بأسلوبك البارع والمخادع أن تقنع بعض المسلمين باعتناق المسيحية، ولا لوم عليك في هذا، ولكن كان ينبغي عليك أن تقول لهم كل الحقيقة، وحسب القاعدة التي وضعتها جنابك ومن هم على شاكلتك ممن وضعوا أساس المسيحية الخاطئة التي لا يعرفها السيد المسيح، كان ينبغي عليك أن تقول لهم إن السيد المسيح نفسه لم يطبق العدل، وكان يكفي أن تقرأ عليهم ما جاء في إنجيل يوجنا الإصحاح الثامن، وهو كما يلي:

"ثم حضر أيضا (أي يسوع) إلى الهيكل في الصبح وجاء إليه جميع الشعب فجلس يعلمهم. وقدّم إليه الكتبة والفرّيسيون امرأة أُمسِكت في زنا، ولما أقاموها في الوسط قالوا له يا معلم، هذه المرأة أُمسكت وهي تزني في ذات الفعل، وموسى في الناموس أوصانا أن مثل هذه تُرجَم، فماذا تقول أنت؟ قالوا هذا ليجرّبوه لكي يكونَ لهم ما يشتكون به عليه، وأما يسوع فانحنى إلى أسفل وكان يكتب بأصبعه على الأرض. ولما استمروا يسألونه انتصب وقال لهم: من كان منكم بلا خطية فليرمها أولا بحجر. ثم انحنى أيضا إلى أسفل وكان يكتب على الأرض. وأما هم فلما سمعوا وكانت ضمائرهم تُبَكّتهم خرجوا واحدا فواحدا مبتدئين من الشيوخ إلى الآخرين. وبقيَ يسوع وحده والمرأة واقفة في الوسط. فلما انتصب يسوع ولم ينظر أحدا سوى المرأة قال لها يا امرأة أين هم أولئك المشتكون عليك، أما دانك أحد؟ فقالت لا أحد يا سيد. فقال لها يسوع ولا أنا أَدينك، اذهبي ولا تخطئي أيضا".
والآن يا جناب القمّص، سؤالنا هو: لماذا لم يدن يسوع المرأة؟ إن كنت تقول إن الخطاة تسربوا الواحد تلو الآخر، ولم يستطع أي منهم أن يرمها بحجر، فهذا مفهوم، ولكنه هو الذي بلا خطية، لماذا لم ينفذ الحكم، بل لم يدنها أصلا؟ لعلك تقول إنه جاء ليموت من أجل البشر لا ليقيم عليهم الحد، ولكن يا سيدي هذا كان قبل واقعة الصلب، حيث كان ناموس موسى لم يُنسخ بعد، وكان لا يزال واجب العمل به، وتصديقا لذلك قال المسيح: "لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء" (متّى17:5). أليس الإله الذي تجسّد فيه هو الذي أنزل هذا الناموس على موسى؟ أليس هذا هو حكمه الذي قرره بنفسه؟ فلماذا تخلى عن العدل، وغيّر كلامه، وبدّل كلماته، ولم ينفذ الحكم؟

وهل نسيت يا جناب القمّص ما ذكرناه في الحلقة السابقة، وما كان من أمر موسى في سفر الخروج حين قال له الرب: "رأيت هذا الشعب وهو شعب صلب الرقبة، فالآن اتركني ليحمي غضبي عليهم وافنيهم فأصيّرك شعبا عظيما. فتضرّع موسى أمام الرب إلهه وقال: لماذا يا رب يحمي غضبك على شعبك الذي أخرجته من أرض مصر بقوة عظيمة ويد شديدة؟ لماذا يتكلم المصريون قائلين أخرَجَهم بخُبث ليقتلهم في الجبال ويُفنيهم عن وجه الأرض. إرجع عن حُمُوّ غضبك، واندم على الشر بشعبك ... فندم الرب على الشر الذي قال إنه يفعله بشعبه" (الخروج32: 9-14).

ألم تقرأ أيضا يا جناب القمّص في سفر يونان كيف أن الرب أرسل يونان النبي (أي يونس ) إلى أهل نينوى ليخبرهم بحكم الله عليهم، وهو "بعد أربعين يوما تنقلب نينوى" (يونان4:3)، "فآمن أهل نينوى بالله ونادوا بصوم ولبسوا مسوحا من كبيرهم إلى صغيرهم، وبلغ الأمر ملك نينوى فقام عن كرسيه وخلع رداءه عنه وتغطى بمسح وجلس على الرماد، ونودي وقيل في نينوى عن أمر الملك وعظمائه قائلا لا تذق الناس ولا البهائم ولا البقر ولا الغنم شيئا، لا ترع ولا تشرب ماء، وليتغط بمسوح الناس والبهائم ويصرخوا إلى الله بشدة ويرجعوا كل واحد عن طريقه الرديئة وعن الظلم الذي في أيديهم، لعل الله يعود ويندم ويرجع عن حمو غضبه فلا نهلك. فلما رأى الله أعمالهم أنهم رجعوا عن طريقهم الرديئة ندم الله على الشر الذي تكلم أن يصنعه بهم فلم يصنعه" (يونان3: 5-10).

وماذا يا جناب القمّص عن سفر حزقيال والإصحاح 18؟ ألم تقرأ فيه ما يلي: "النفس التي تخطئ هي تموت ... فإذا رجع الشرير عن جميع خطاياه التي فعلها، وحفظ كل فرائضي وفعل حقا وعدلا فحياة يحيا، لا يموت. كل معاصيه التي فعلها لا تُذكر عليه، في برّه الذي عمل يحيا. هل مسرّةً أُسَرّ بموت الشرير، يقول السيد الرب، ألا برجوعه عن طرقه فيحيا. وإذا رجع البار عن بره وعمل إثما وفعل مثل كل الرجاسات التي يفعلها الشرير، أفيحيا؟ كل برّه الذي عمله لا يُذكر، في خيانته التي خانها وفي خطيّته التي أخطأ بها يموت. وأنتم تقولون ليست طريق الرب مستوية، فاسمعوا الآن يا بيت إسرائيل، أطريقي هي غير مستوية؟ أليست طرقكم غير مستوية؟ إذا رجع البار عن برّه وعمل إثما ومات فيه فبإثمه الذي عمله يموت. وإذا رجع الشرير عن شره الذي فعل وعمل حقّا وعدلا فهو يُحيي نفسه، رأى فرجع عن كل معاصيه التي عملها فحياة يحيا، لا يموت" (حزقيال18: 20-27)

فأين ذلك المفهوم الغريب عن العدل الذي تحدثنا عنه يا جناب القمّص؟ إن الكتاب المقدس، سواء كان في العهد القديم أو في الأناجيل، يبين أن العدل لا يعني حتمية تنفيذ العقوبة، وأن الله لا يُسرّ بموت الشرير، بل برجوعه عن طرقه وتوبته فيحيا. وأنت يا جناب القمّص تقول لنا ساخرا بالحرف الواحد:

"دلوقتي لما الله أصدر حكم الموت، بييجي الإنسان يتوب، بننتظر من الله يغفر، طب وحكم الموت يروح فين؟ العدل ده؟ حيروح فين؟ يرجع في كلامه؟ إنت تُبت.. خلاص أنا مسامحك.. خلاص يا ابني مسامحك؟ لا راد لكلام الله ولا مبدل لكلماته، أصدر حكم يبقى هوه الحكم، مش كده؟"
لأ طبعا مش كده وألف مش كده. ويا ترى هل تنتظر من الناس أنهم يصدقونك ويصدقون هذه الصورة القبيحة القميئة لإله قاسٍ ظالم مستبد يعتبر أن العدل هو في تنفيذ العقوبة مهما كانت، أم يصدقون هذه المقتطفات والاقتباسات التي قدمتها لك وللناس كي يعرفوا حقيقة المسيحية التي تدعو إليها؟ إنك أنت ومن هم على شاكلتك تريدون أن تبالغوا في حكم العقوبة، وفي شدتها، وفي قسوتها، وفي هولها، وفي مصيبتها، وفي شمولها لكل البشرية، كي تأتوا بعد هذا وتقولوا مش مهم كل هذا، فإن إله المحبة قد تجسد في المسيح وجاء ليحمل عنكم العقوبة، ويموت فداء لكم. إنها كذبة كبرى تلك التي اخترعتموها من أجل أن تبرروا تجسد الله في المسيح، ولأنها فكرة بشرية فلا بد أن ينكشف زيفها، وتظهر تناقضاتها، ويتبين خطؤها، لأن من اخترع هذه الكذبة لم يدرك أنه يسيء إساءة بالغة إلى الله تعالى، ويصمه بأقذع الصفات.

إن العدل الذي تحدثنا عنه يا جناب القمّص، ليس في تنفيذ الحكم تحت جميع الظروف، وإنما في عدم صدور الحكم أصلا إلا بما يتفق مع قواعد العدل. ومع ذلك، وحتى إذا كان الحكم قد صدر حسب قواعد العدل، فلا ينبغي أن يُنفذ في كل حالة. وعليك أن تتعلم يا جناب القمّص من يونان النبي، الذي اغتاظ لأن الله لم ينفذ حكمه الذي أصدره على أهل نينوى بل رجع عنه، فقال له الرب: "هل اغتظت بالصواب"؟ أي هل لك حق أن تغتاظ؟ ثم علمه درسا مفيدا، حبذا لو تقرأه يا جناب القمّص لتتعلم أنت أيضا كيف أن الرحمة لا تتعارض مع العدل، بل هي فوق العدل. يقول الكتاب المقدس أن الله أنبت يقطينة على يونان النبي لتظلله من الشمس ففرح بها فرحا عظيما، ولكن الله أعد دودة صغيرة عند طلوع فجر الغد فضربت اليقطينة فيبست، وطلعت الشمس على يونان وأرسل الله ريحا حارة فضربت الشمس رأس يونان، فطلب لنفسه الموت وقال موتي خير من حياتي، لأنه حزن على اليقطينة التي ماتت. فقال الله ليونان: أنت شفقت على اليقطينة التي لم تتعب فيها ولم تربها، التي بنْت ليلة كانت وبنْت ليلة هلكت. أفلا أشفق أنا على نينوى المدينة العظيمة التي يوجد فيها أكثر من مائة وعشرين ألف نسمة من البشر الذين لا يعرفون يمينهم من شمالهم وبهائم كثيرة؟ (راجع القصة في الإصحاح الرابع).

أرأيت يا جناب القمّص؟ أرأيت كيف يغير الله حكمه من أجل مائة وعشرين ألف من البشر، كانوا خاطئين وكانت طرقهم رديئة وكان الظلم في أيديهم، ولكنهم تابوا وندموا وطلبوا الغفران من إله المحبة الذي لم يتجسد ولم يدخل في جسم إنسان، فرحمهم ولم ينفذ حكمه فيهم، ولم يقل لهم كما قلت أنت "طب وحكم الموت يروح فين؟ العدل ده حيروح فين؟ انتم عايزني أرجع في كلامي ويطلع القمّص زكريا بطرس غلطان؟ مش ممكن! أنتم تتوبوا وأنا خلاص أسامحكم؟ أقولكم روحوا يا ابني انت وهوه خلاص سامحتكم؟ طب ولو عملت كده مين يصدق القمّص زكريا بطرس؟؟
وعفوا يا جناب القمّص إذا كنت قد استشهدت بكلامك مع شيء من التصرف!!

والآن نعود مرة أخرى إلى آدم وحواء، اللذين تقول عنهما أنهما أخطآ، ولنفترض أنهما أخطآ، فهل هذا الإله الرحيم الشفوق يصدر هذا الحكم القاسي الذي فسرته أنت يا جناب القمّص بأن الموت يعني الانفصال عن الله، والخزي والعار، والعذاب لهما ولجميع البشرية في أتون جهنم النار الأبدية إلى أبد الآبدين؟ حتى الأطفال الذين يموتون في سن الطفولة دون أن يعرفوا شيئا عن فلسفات جناب القمّص زكريا بطرس؟ يا للهول ويا للقسوة!
لو أنك يا جناب القمّص اكتفيت بتفسير الموت على أنه الانفصال عن الله، لقلنا نعم، جايز. ولو أردت أن تضيف أيضا الخزي والعار، لقلنا لا مانع ولا ضير، فلا شك أن موت الخطية يعني البعد عن الله، ومن يبتعد عن الله لا بد أن ينال الخزي والعار. ولكنك أضفت العذاب في النار الأبدية وجمعت كل البشرية في هذا العذاب، وترى أن هذا يتساوى مع حجم خطيئة فرد أو فردين، وهذا يا جناب القمّص هو عين الظلم بل وقسوته، ولا يمكن أن نقبل بأن يُنسَب هذا الظلم إلى الله الغفور الرحيم، حتى ولو كان على استعداد أن يتجسد مئات المرات، ويُصلب ألوف المرات، فإن هذا لا ينفي الظلم الذي ارتكبه بإصدار مثل هذا الحكم الجائر الظالم المستبد.

حبذا يا جناب القمّص لو أنك أعدت التفكير في الموضوع كله برمته، وحبذا أيضا لو أعادت السيدة ناهد متولي وكل أولئك الذين خدعتهم بكلامك وأسلوبك الذي يبدو للوهلة الأولى أنه صحيح، ولكن بعد التفكير والتمحيص، يتبين أنه يسيء أكبر إساءة إلى الله تعالى، ويصفه بأقذع الأوصاف. ولن يغير من الأمر شيء أن تتشدق بعد ذلك بأن إله المسيحية إله محبة، فقد كان الأولى به أن يكون عادلا أولا، فلا يصدر حكما جائرا، قبل أن يكون إلها للمحبة.

عسى أن يهديكم الله تعالى إلى الحق، ويفتح أعينكم لتروا الحق الذي أفسدته فلسفات الإغريق وملاحدة اليونان ووثنيات الرومان، فتعبدون الله الواحد الذي لا يتجسد، إله المحبة والرحمة والعدل. آمين.
( والحديث موصول )

http://www.shbabmisr.com/XPage.asp?b...A&EgyxpID=6593