بعيدا عن الحروب واسبابها
ولاختصار الطريق بعيدا عن الحروب واسبابها يقول العقاد:
وايسر من استقصاء الحروب واسبابها في صدر الاسلام ان نلقى نظرة عامة على خريطة العالم في الوقت الحاضر لنعلم ان السيف لم يعمل فى انتشار الدين الاسلامى الا القليل مما عمله الاقناع والقدوة الحسنة . فان البلاد التى قلت فيها حروب الاسلام هى البلاد التى يقيم فيها كثر مسلمى العالم , وهى بلاد اندونسياة والهند والصين وسواحل القارة الافريقية وما يليها من سهول الصحارى الواسعة فان عدد المسلمين فيها قريب من ثلثمائة مليون , ولم يقع فيها من الحروب بين المسلمين وابناء تلك البلاد الا القليل الذى لا يجدى في تحويل الالاف عن دينهم بل الملايين
ونقارن بين هذه البلاد والبلاد التى اتجهت اليها غزوات المسلمين لاول مرة في صدر الدعوة الاسلامية : وهى بلاد العراق والشام . فان عدد المسلمين فيها اليوم قلما يزيد على عشرة ملايين يعيش بينهم من اختاروا البقاء ععلى دينهم من المسيحين واليهود واشباه الوثنين . ومن المفيد في هذا الصدد ان نعقد المقارنة بين البلاد التى قامت فيها الدولة الاسلامية والبلاد إلى قامت فيها الدولة المسيحية من القارة الاروبية . فلم يبق في هذه القارة احد ععلى دينه الاول قبل دخول المسيحية . وقد اقام المسلمون قرونا في الاندلس وخرجوا منها وابناؤها اليوم كلهم مسيحيون . [حقائق الاسلام واباطيل خصومه – العقاد ص169 , 170]
ثم يستطرد العقاد فى كتابه عبقرية محمد محكما المنطق فيقول : حين بدأ محمد صلى الله عليه وسلم كان وحيدا لا مال معه ولا سلاح واسلم الكثير من الناس الذين لم يخضعوا للسيف ليسلموا , وانما تعرضوا بأسلامهم للسيف واحتملوا السيف في سبيل الله . (عبقرية محمد – عباس محمود العقاد )
بينما يقول الدكتور "مراد هوفمان "في كتابه " الاسلام في الالفية الثالثة " بفضل هذا التسامح الدينى تعايش وتقبل المسلمون الديانات الاخرى واتباعها , وهم يفعلون ذلك إلى الان , ولم يحتذوا بالمثال المسيحى – لنذكر يونيفاتيوس فى جرمانيا , ومحاكم التفتيش في اسبانيا على سبيل المثال – الذى اجبر اتباع ديانات اخرى بالقوة على اعتناق المسيحية .. ثم يستطرد ويتجسد التسامح الدينى – الذى نص عليه القرآن في مظاهر متعددة مثل بقاء اليونان على مسيحيتها بالرغم من حكم الاتراك المسلمين لها لما يزيد على 500 عام .
أمَّا توماس آرنولد فقال عن تسامح الإسلام بعيدا عن استقصاء الحروب واسبابها : "ومن أمثلة تسامح الإسلام أنَّ القبائل المسيحية التي اعتنقت الإسلام فعلت ذلك عن اختيار وإرادة حرة، وأنَّ العرب المسيحيين الذين يعيشون في زمننا هذا بين جماعات مسلمة لدليل على هذا التسامح، وأنَّ كثيرين من قبيلة غسان، وهم من أشد القبائل أصالة في العروبة دخلوا المسيحية في نهاية القرن الرابع الميلادي تقريباً، ولا يزالون متمسكين بالدين المسيحي"(انظر: الدعوة إلى الإسلام، ترجمة حسن إبراهيم حسن و"آخرين"، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، ط/3، 1970م، ص 70.).
ومن عباراته: "لا يعرف الإسلام من بين ما نزل به من خطوب وويلات خطباً أعنف من غزوات المغول، فلقد انسابت جيوش جنكيزخان، واكتسحت في طريقها العواصم الإسلامية، وقضت على ما كان بها من مدنية وحضارة، إلاَّ أنَّ الإسلام لم يلبث أنْ نهض من غفوته، واستطاع عن طريق دعاته أنْ يجذب أولئك الفاتحين ويجبرهم على اعتناقه"(المصدر السابق ، ص 248-250.).
ويقول في مكان آخر: "ظهر أنَّ فكرة أنَّ السيف كان العامل في تحويل الناس إلى الإسلام بعيدة عن التصديق، وظهر أنَّ الدعوة والإقناع كانا الطابعين الرئيسين لحركة الدعوة"(المصدر السابق ص88).
وتحت نفس العنوان يقول جستاف لوبون : "وسيرى القارئ حين نبحث في فتوح العرب وأسباب انتصاراتهم أنَّ القوة لم تكن عاملاً في انتشار القرآن فقد ترك العرب الفاتحون المغلوبين أحراراً في أديانهم، وقد أثبت التاريخ أنَّ الأديان لا تفرض بالقوة"(حضارة العرب ، ترجمة عادل زعيتر ، مطابع عيسى الحلبي وشركاه ، ط / 4 ، ص 127 .).
لقد عرف الخلفاء الأوائل رضي الله عنهم كيف يحجمون عن حمل أحد بالقوة على ترك دينه، وعرفوا كذلك كيف يبتعدون عن إعمال السيف فيمن لم يسلم(المصدر السابق ص129).
ويلاحظ أنَّ الصليبيين عندما جاءوا إلى الشرق الإسلامي كان هدفهم محو الإسلام والقضاء عليه، وذلك حين ضعفت الخلافتان العباسية والفاطمية، ولكن ظهر عكس ما كان متوقعاً؛ فإذا بالإسلام يجذب إليه مجموعات من الصليبيين، دخلوا الإسلام وحاربوا مع المسلمين"(محمد حسين فضل الله : الإسلام ومنطق القوة ، ص 212).
وفي القرن السابع الهجري هجم المغول على العالم الإسلامي، وكان هجومهم قاسياً وحشياً، أزالوا به الخلافة العباسية سنة 656هـ، وأصبح لهم اليد العليا، ولكن سرعان ما جذبهم الإسلام إليه، مما يدل على أنَّ الإسلام لم ينتشر بين المغول بالقوة"(المصدر السابق ص213).
إنَّ الإسلام هو دين الرحمة والرفق، ولا رحمة ولا رفق مع الإرهاب، لذلك لا يبيح الإسلام في ميادين القتال أنْ تقتل المرأة، ولا الطفل، ولا الشيخ الكبير، أو كل من لا يحمل السلاح، كما لا يبيح ترويع عابد في محرابه أو راهب في صومعته، ولا الإجهاز على الجريح، ولا التمثيل بجثة قتيل، كل ذلك اعترافاً بإنسانية الإنسان حتى لو كان ميتاً (انظر: د. أحمد محمد الحوفي: سماحة الإسلام، مكتبة نهضة مصر، دون طبعة ودون تاريخ، ص 65.).
اما اذا تكلمنا عن الفتوحات الاسلامية نجد ان تلك الفتوحات لم يكن مقصوداً منها التوسُّع لإخضاع العالم بحد السيف، بل كانت تهدف إلى مساواة الشعوب كلها في ظل الإسلام، يضاف إلى ذلك أنَّ الإسلام لم ينتشر في البلاد المفتوحة إلاَّ بعد مضي عدة سنوات على تلك الفتوحات. وكانت أهم أسباب انتشاره: سماحته وتسامحه، ومخالطة المسلمين غيرهم من السكان، لذلك نرى أنَّ الإسلام منتشر اليوم في بلاد ليس للمسلمين عليها نفوذ أو سلطان(منير شفيق: الإسلام في معركة الحضارة، الناشر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان، بيروت، دار البرق للنشر، تونس، ط/1، 1991م، ص 89.).
ويلاحظ وجود عدد كبير من غير المسلمين في البلاد الإسلامية لم يتعرضوا لأي نوع من أنواع الاضطهاد بسبب عقيدتهم، كما يلاحظ وجود أكثريات إسلامية في المناطق التي لم تتأثر بالفتح الإسلامي إلاَّ بعد وقت طويل. فقد تقبل الناس الدعوة في هذه المناطق بصدر رحب، لأنَّ الدعوة انتشرت بالحكمة والموعظة الحسنة، وكانت تدعو إلى دين الفطرة(المصدر السابق ص210).






رد مع اقتباس


المفضلات