: (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم)
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول أمره يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم ينزل عليه، وكان إذا شك في أمر لم يؤمر فيه بشيء صنع ما يصنع أهل الكتاب؛ لأن أهل الكتاب يتمسكون بشريعة في الجملة، فكان يحب موافقتهم ليتألفهم ولو أدت موافقتهم إلى مخالفة العرب المشركين، فلما أسلم أهل الأوثان الذين معه والذين حوله واستمر أهل الكتاب على كفرهم، تمحضت المخالفة لأهل الكتاب وأمر بها وأكد عليها، حتى قالت اليهود: " ما يريد الرجل أن يدع من أمرنا شيئا إلا خالفنا فيه".
ويحذرنا النبي صلى الله عليه وسلم من اتباع سنن أهل الكتاب، في كل أمر من الأمور ولو كان شكليا، فمن باب أولى أن لا نقلدهم في منهج حياتهم. عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ثم لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر، وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم. قلنا: يا رسول الله: اليهود والنصارى ؟ قال: فمن ؟ " .
وفي رواية: " لتركبن طريق من كان قبلكم؛ سبيلهم ومناهجهم، قيل: يا رسول الله، اليهود والنصارى ؟ قال: فمن إذن ؟ " .
قال صاحب (فيض القدير): "وهو كناية عن شدة الموافقة لهم في المخالفات والمعاصي لا الكفر، ثم إن هذا لفظ خبر معناه النهي عن اتباعهم، ومنعهم من الالتفات لغير دين الإسلام" .
ثم عدد بعض الأمور التي قلد فيها بعض المسلمين أهل الكتاب في عصره فقال: " في زخرفة المساجد (أي كالكنائس)، وتعظيم القبور حتى كاد أن يعبدها العوام، وقبول الرشا، وإقامة الحدود على الضعفاء دون الأقوياء، وترك العمل يوم الجمعة، والتسليم بالأصابع (أي بالإشارة دون التلفظ بالسلام)، وعدم عيادة المريض يوم السبت، والسرور بخميس البيض، وأن الحائض لا تمس عجينا " .
قال ابن تيمية: " هذا خرج مخرج الخبرعن وقوع ذلك، والذم لمن يفعله، كما كان يخبر عما يفعل الناس بين يدي الساعة من الأشراط والأمور المحرمة " .
وقال الحرالي: " وجمع ذلك أن كفر اليهود أضل من جهة عدم العمل بعلمهم، فهم يعلمون الحق ولا يتبعونه عملا ولا قولا، وكفر النصارى من جهة عملهم بلا علم، يجتهدون في أصناف العبادة بلا شريعة من الله، ويقولون ما لا يعلمون ... ولهذا كان السلف كسفيان بن عيينة يقولون: من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود، ومن فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى "
وقال ابن عبد البر: " وكان صلى الله عليه وسلم يحب مخالفة أهل الكتاب وسائر الكفار، وكان يخاف على أمته اتباعهم، ألا ترى إلى قوله صلى الله عليه وسلم على التوبيخ: " لتتبعن سنن الذين كانوا قبلكم حذو النعل بالنعل حتى إن أحدهم لو دخل جحر ضب لدخلتموه " .
والحديث ليس إخبارا عن جميع الأمة لما تواتر عنه صلى الله عليه وسلم أنها لا تجتمع على ضلالة.
وفيما يلي بعض السنن التي أمر الرسول صلى الله عليه وسلم باتباعها وذلك لمخالفة اليهود والنصارى.






: (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم)
رد مع اقتباس


المفضلات