وعظت الناس حيّاً وميتاً يا أبا عبد الله





بقلم: د. محمد بن علي الصامل
وكيل كلية اللغة العربية بالرياض
للدراسات العليا والبحث العلمي.
ذكرتنا جنازة سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز -رحمه الله- بما نقرؤه في التاريخ الإسلامي حين توصف جنائز علماء السلف الذين كان لهم الأثر الخالد في حياة الأمة، فجنازته كانت عظة وعبرة لكل ما شارك فيها أو شاهدها فلقد ألقى الدنيا وراء ظهره وأقبل على الله بكل جوارحه، وسعى في نشر الخير والنصح والإصلاح بين الناس ولم يكن يتوقف -رحمه الله- عن هذا المنهج في كل مجالسه في حياته، ويشاء الله سبحانه أن يستمر نصحه للأمة في موكب جنازته التي تسجد فيها نوع خاص من النصح يمكن تسميته النصح الصامت، أو النصح العملي التطبيقي، فكما كان قدوة في أقواله وأعماله في حياته منها: هي جنازته تحاط بقلوب الملايين من محبيه في أنحاء المعمورة، وها هي الدموع التي تذرفها مآقي مشيعيه تكاد تغسل الران عن قلوب أولئك الذين تعلقوا بالدنيا وزخرفها، فها هو النموذج الحي لمن قدم لأمته ما يرجو أجره من خالقه، ويسأل كل من


تمنيه نفسه أن يكون لجنازته شيء مما شاهده في جنازة الشيخ، كيف تحقق للشيخ ذلك؟
إن من هيأ الله له حضور مجالس الشيخ عليه رحمة الله يدرك أنها لا تخلو من ذكر الله وتسبيحه وتحميده، سواء أكان بكتاب يقرأ، أو بدرس يشرح، أو بموعظة ترقق القلوب، أو بنصيحة تهز الوجدان، أو بسؤال يتشوق الحاضرون لمعرفة رأي الشيخ فيه، وإن لم يكن هذا أو ذاك، فإنه يلتقط الهاتف، ليجيب عن سؤال، أو يحل مشكلة.. هذا ديدنه رحمه الله، هذا ما يعرفه كل من سعد بحضور مجالسه.
ولعل مما يحسن تدوينه ما يلحظه الحاضرون لمجالسه من مواقف تذكر له رحمه الله فتشكر، وكل مواقفه مذكورة مشكورة، ولأن ما يكتب عنه -تغمده الله بواسع رحمته- سيكون وثائقاً للتاريخ تؤخذ منها المادة العلمية التي ترصد في سيرته ومسيرته المباركة.
وإني لأدعو كل محب أن يشفع كتابته ودعاءه للشيخ وذكر مناقبه بذكر مواقف موثقة تبقي للتاريخ يقتدي بها الدعاة وطلبة العلم.
وأبدأ بذكر بعض المواقف التي رأيتها بنفيس في مجالسه عليه رحمة الله:
ففي شهر رمضان المبارك من عام 1416هـ استجاب رحمه الله لدعوة سمو الأمير الدكتور بندر بن سلمان آل سعود، فحضر إلى مقر


إقامة ضيوف سمو الأمير وضيوف لجنة الدعوة في أفريقيا، وذلك في حي الراقوبة قرب باب عثمان في مكة المكرمة، وحين استقر بالشيخ المجلس -وكنت أدير الحوار- بدأ سمو الأمير بندر بتعريف الشيخ بضيوفه، وجلهم من العاملين في حقل الدعوة إلى الله في أفريقيا، وممن سبق أن درسوا على سماحته في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، فكان رحمه الله حين يذكر له الاسم يتوقف مع صاحبه، ويسأله عن نفسه وبعض زملائه -بذكر أسمائهم- وعن مدرسته، وحال الدعوة في بلده، بل كان يسأل عن كثير من القضايا التي تخفى على أكثر الناس متابعة لهذا البلد أو ذاك، مما يدل على متابعة الشيخ رحمه الله لأحوال إخوانه المسلمين ومعرفة أمورهم، ولا غرو فلا يوجد بلد إلا وفيه مسلمون من تلميذ أو محب، بل هناك فئة من الدعاة كثيرة العدد والنفع يتولى مكتبه الخاص دفع مرتباتهم.
وموقف آخر يكشف دقة الشيخ رحمه الله حيث كنا في زيارته في مكتب سماحته بالعزيزية في مكة المكرمة مع مجموعة أخرى من الدعاة ضيوف لجنة الدعوة في أفريقيا، وحين سلم عليه الدعاة -وكان معهم من ليس منهم- استوقف أحد المسلمين عليه وطلب تكرار اسمه، وبعد انتهاء الزيارة أسرّ رحمه الله لسمو الأمير الدكتور بندر بن سلمان بأمر يدل على أنه لحظ على ذلك الشخص شيئاً، وبعد التثبت مما ذكر الشيخ تبين أن ظنه -رحمه الله- كان صحيحاً، وقد


غاب هذا الأمر عن - أعضاء اللجنة - جمعياً مما يجعل سمو الأمير يلهج بالدعاء لسماحته على تفضله بتنبيه اللجنة إلى ذلك الأمر.
وموقف آخر أختمُ به أن سماحته دعا ضيوف اللجنة للإفطار في أحد أيام العشر الأخيرة من رمضان المبارك عام 1418هـ فكان -رحمه الله- يتفقد الضيوف بأسمائهم، ليطمئن على إكرامهم.
هذه بعض المواقف التي كنت أحد شهودها أذكرها ليطلع القارئ على نماذج حية لخصال الشيخ الحميدة التي لا يجهلها من رأى الشيخ أو سمع به.
أسبغ الله على أبي عبد الله واسع رحمته وكريم عفوه ومنّه وجمعنا به في مستقر رحمته، والحمد لله رب العالمين.

```



ابن باز ذلك البدر الذي فقدناه





محمد هاشم الهدية
رئيس جماعة أنصار السنة المحمدية بالسودان
الحمد لله القائل: )وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ([(155، 156) سورة البقرة]، لقد فجعت الأمة الإسلامية بوفاة سماحة العلامة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز -رحمه الله- ولا شك أنه لمصاب عظيم في وقت الأمة أحوج ما تكون لمثله لما تميز به سماحته من سعة العلم وقوة الحجة وكريم الخصال وبفقده فقد العالم الإسلامي نبراساً كانت تهتدي به البشرية ولكن عزاءنا الوحيد -بعد حفظ الله لهذا الدين- هو أنه خلَّف لنا إرثاً عظيماً من المؤلفات والفتاوى الثرية التي تعالج قضايانا المعاصرة والمستجدة كما أن في هيئة كبار العلماء التي كان يرأسها خير خلف لخير سلف هذا فضلاً عن فضيلة العلامة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ والذي سوف يملأ هذا الفراغ الذي خلفه سماحته بإذن الله.
ولقد عرفت سماحة الشيخ بن باز رحمه الله منذ فترة طويلة حيث جمعتني به المجالس العلمية عبر المؤتمرات الدورية التي تناقش قضايا


المسلمين أو من خلال الاتصالات واللقاءات الفردية التي أحرص عليها عند قدومي إلى هذه البلاد الطيبة واستفدت كثيراً من نصائحه وإرشاداته الدعوية ولقد وجدته بحراً من العلم المتدفق جمع بين العلم والواسع والبصيرة النافذة ولهذا تجد أن فتاواه متميزة وتجد القبول لدى السواد الأعظم من المسلمين كما تميز -رحمه الله- بالورع والزهد ومناصرة المستضعفين في كل مكان ومناشدته للمحسنين وأهل الخير وإسهامه بنفسه في الإنفاق لأجل نصرة وإعانة المسلمين الذين يتعرضون للحروب والمجاعات إلا أكبر شاهد على ما ذكرناه هذا غير ما كان يتصف به سماحته من دماثة الأخلاق وطيب المعشر وسعة الصدر وقد رأيته يجلس الساعات الطوال من غير كلٍّ وملل مع محدثيه الذين يطرقون بابه ليلاً ونهاراً سائلين عن حكم شرعي أو حاجة يسعون لقضائها وليس ذلك غريباً على الشيخ، فلقد عرف باهتمامه بقضايا وأمور المسلمين ولقد امتد هذا الاهتمام بالأفراد والجماعات التي تعمل في حقل الدعوة الإسلامية في العالم وكان لاهتمامه بجماعتنا أكبر الأثر في نشر عقيدة التوحيد بالسودان وكان كثيراً ما يوصى الإخوة السودانيين بضرورة العمل والتعاون مع جماعتنا لأنها تسير على نهج السلف الصالح في الدعوة إلى الله عز وجل، وكانت له عبارة مشهورة يرددها للسودانيين وهي قوله أهنئكم بجماعة أنصار السنة المحمدية ولقد كان سماحته مهتماً بأمر دعوتنا غاية الاهتمام وحينما حاول البعض التشكيك في منهجها العلمي والعملي قام هو وإخوانه بهيئة كبار


العلماء بالذب عنها وجددوا ثقتهم بالجماعة في الفتوى الصادرة برقم 16974 حيث جاء فيها: (لأنها جماعة إسلامية سنية تدعو إلى منهاج النبوة في التوحيد والتعبد والسلوك وتعقد الولاء والبراء على الكتاب والسنة) ولقد بادلناه حقيقةً حباً بحب وكنا نتابع أخباره وإصداراته أولاً بأول خاصة ما يقدمه من خلال إذاعة القرآن الكريم عبر برنامج نور على الدرب أو ما يقوم به من شروحات لأمهات الكتب، ولقد فجعنا بموته ولكن ما نقول إلا كما قال رسول الله e حينما توفى ابنه إبراهيم: ((إن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضى ربنا وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون)) [رواه البخاري].
ألا رحم الله شيخنا وتغمده برحمته وحشرنا وإياه في زمرة الأنبياء والصالحين إنه ولي ذلك والقدر عليه إنا لله وإنا إليه راجعون.

```




* الدعوة: العدد 1694 - 19 صفر 1420هـ، 3 يونيو 1999م.

* الجزيرة: الثلاثاء 10 صفر 1420هـ، 25 مايو 1999م - العدد 9735.

* الدعوة: العدد 1692 - 5 صفر 1420هـ، 20 مايو 1999م.

* الرياض: السبت 14 صفر 1420هـ، 29 مايو 1999م - العدد 11296.

* الرياض: الاثنين 9 صفر 1420هـ، 24 مايو 1999م - العدد 11291.