لذي خسرناه بفقد الشيخ ابن باز

د. علي بن عبد الرحمن الحسون
جامعة الملك سعود
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
لا أحب الكتابة وما كنت لأكتب لولا أن ابنتي الحبيبة استثارت همتي بجملتين: الأولى قالت: (ونحن نتحدث عن موت الشيخ ابن باز في الأيام الأولى) يا ليت ما يجري كان حلماً. وهذا يصور تصويراً دقيقاً ما يعتلج داخل الأسر من مرارة فقد الشيخ رحمه الله تعالى.
العبارة الثانية: قالت بعد ذلك: يا أبي اكتب عن ابن باز.. فقلت: قد كفيت ذلك فقالت: إذا لم تكتب عن الشيخ ابن باز فعمن تكتب؟ رحمك الله يا ابن باز يا من دخلت في قلب كل محب للخير وحتى مريدي الشر لم يجرؤوا أن يعادوه بل قد يلجأون إليه عندما يحمى الوطيس ضدهم اعتذاراً وطلباً للتخفيف عليهم من وطأة الناس!.
أعود إلى الموضوع فأقول: إننا افتقدنا وخسرنا عالماً فذاً وطوداً شامخاً وجبلاً أشم وعلماً من أعلام الدعوة فقدنا عالماً من علماء الإسلام وبحراً من بحور العلم فهو رحمة الله تعالى من الأئمة القلائل المجتهدين في هذا الزمان فهو يعتبر بحق بقية السلف وخاتمة المحققين،


بل أنه هو الذي بعث من جديد مدرسة الأخذ بالدليل والخروج على التعصب المذهبي من الأخذ بالراجح حسب الدليل والتي أسسها ابن تيمية -رحمه الله تعالى- فكان من ثمرتها ما يجري حالياً في المملكة من الأخذ بالراجح بناء على الدليل حيث يأخذ بذلك الآن كافة أهل الفتوى كما أن القضاة أيضاً ينتهجون هذا المنهج.
ومع هذا كله فإنني لا أرى أن الخسارة التي خسرناها بفقد الشيخ هي العلم ذاته أعني العلم المجرد لأن العلماء في العالم الإسلامي كثر وطلاب العلم أكثر، كما أن العلم في بطون الكتب وأرفف المكتبات إضافة إلى أن المدرسة الفقهية التي انتهجها ما زالت تسير كما أن علمه وفتاويه في الغالب قد دونت وخرج كثير منها إذاً ما الذي فقدناه برحيل الشيخ؟!
أقول إننا افتقدنا علماً من نوع خاص أعني ذلك العلم الذي اتصف حامله بصفات خاصة يصعب توفرها في شخص واحد ومن فضل الله على شيخنا أن هذه الخصائص قد اجتمعت له فبارك الله في علمه ونفع به مما جعل وفاته تحدث خرقاً كبيراً في الأمة الإسلامية، وهذه الأمور التي اتصف بها الشيخ التي جعلت من علمه علماً ذا قيمة كبيرة والتي فقدناها فعلاً هي ما يلي:
أولها: الإخلاص والعمل:
أي العمل بما يعلم وما يُعلّم غيره مخلصاًَ النية لله تعالى في ذلك فهو رحمه الله تعالى من العلماء العاملين حيث أنه يتصف بالتقى


والورع والزهد والطاعة المتناهية لربه وعدم الركون إلى الدنيا بل لم يعرف عنه أنه طلب الدنيا لنفسه. والعلماء العاملون في هذا الزمان قليلون جداً حيث يكثر في هذا الزمان صنفان من الناس، إما علماء غير عاملين أو عاملون بغير علم شرعي. أما العلماء العاملون فقليلون وهم الذين قرر الله تعالى منهجهم بقوله: )فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ(. وبهذا نرى أن الشيخ اجتمعت له شروط قبول العمل وهي: الإخلاص والمتابعة والعمل.
وثانيها: القدرة الفائقة على الدعوة حيث كان رحمة الله عليه داعياً إلى الله على بصيرة حيث كان يعلم الناس الخير ويدعوهم إليه ويبصرهم به بل إنّ جل وقته كان لدعوة الناس وتعليمهم فكان يقضي جل نهاره وبعضاً من ليله في العلم والتعلم والدعوة حتى أنه لم يستطع أن يجد وقتاً لتدوين علمه وإخراجه للناس بسبب ما هو عليه من الشغل الشاغل في سبيل الدعوة بل أن ما أخرجه للناس من كتب ورسائل كانت غالباً فتاوى ورسائل للدعوة حيث كان لا يترك جهة ولا بلداً إلا أرسل إليهم وبين لهم الطريق المستقيم.
وثالثها: الصبر: فكان -رحمه الله تعالى- على جانب كبير من الصبر والمثابرة والجلد والحكمة والحلم فكان يتمثل قوله تعالى: )ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ(. ودرب الدعوة دائماً درب شائك تحفة المخاطر والمواقف الحرجة ولكنه -رحمه الله تعالى- كان لا يفرق في دعوته بين مريديه ومناوئيه


بل كان يتوكل على ربه في نشر دعوته ولا يخاف في الله لومة لائم ولذلك كان له أثر كبير في شتى أقطار العالم الإسلامي.
ورابعاً: التواضع: فقد كان -رحمه الله تعالى- على جانب كبير من الخلق الرفيع والتواضع الجم، دمث الأخلاق سهل الانقياد فيما لا يغضب الله تعالى، يتنزل لمخاطبه حسب نوعه ولا يرفع نفسه عنه، تأخذ المرأة والصغير والجاهل بيده إلى جانب من الجوانب فيذكرون حاجتهم فيقضيها لهم بكل صدر رحب، وقدوته من ذلك رسول الله e.
والمتحدث مع ابن باز -رحمه الله تعالى- يراه في فئة السهل الصعب فهو شخص عظيم في نفسه كبير في قيمته مرموق في منصبه، لكنك إذا طلبته وجدته مصغياً إليك مقدراً لك مهما كانت منزلتك... ويا ليت كثيراً من قومي يعلمون!.
وخامسها: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: وما أدراك ما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي عده بعض العلماء ركناً سادساً من أركان الإسلام. فكان -رحمه الله تعالى- في هذا المضمار صاحب الجواد السابق وخصوصاً في فرع النهي عن المنكر، ولا أظن أحداً يجهل جهوده في ذلك حيث كان سداً منيعاً ضد الباطل فلا يسمع صيحة هنا ولا هيعة هناك إلا امتطى جواده إليها ليرد الحق إلى نصابه.
فكان -رحمه الله تعالى- يقف لأهل المنكر في أي مكان كانوا وفي أي منزلة صاروا وسواء كان ذلك في الأسواق أو المؤسسات


العامة والخاصة أو الجرائد والمجلات أو الكتب أو غير ذلك. وكان -رحمه الله تعالى- لا يخاف في الله لومة لائم حيث كان ينهى عن المنكر سواء صدر من قريب أو بعيد ورفيع أو وضيع وصغير أو كبير ومما ساعده على ذلك عفته المتناهية عن الدنيا حيث كان لا يرجو أحداً ولا يخاف أحداً إلا الله، ولذلك كانت له هيبته لدى أهل المنكر. إضافة إلى أنه في هذا المجال لا يتعجل فلا يأخذ بقول المخبر ثم يصدر الحكم بل كان يتأكد بنفسه ويسأل أهل الاختصاص، ولذلك كانت صدور المسؤولين رحبة دائماً لما يقول رحمه الله تعالى.
وسادسها: المساندة المادية والمعنوية للمحتاجين من الأفراد والجماعات والمؤسسات الخيرية: فكان -رحمه الله تعالى- قد وهب نفسه وماله وجهه لذلك حيث كان يدفع من ماله الخاص ويسعى بجاهه إلى أهل الخير فنشأت بذلك قنوات ومرافق خيرية معتمدة اعتماداً كبيراً على جهود الشيخ وهي بلا شك من ستفقد الشيخ بعد رحيله وإني في هذه الأسطر أضم صوتي إلى الذين يقترحون أن تتولى هذه الأمور بعد الشيخ مؤسسة يتولاها أبناؤه والمقربون منه وتكون باسم الشيخ -رحمه الله تعالى- رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته.



ورحل العالم المخلص





بقلم: د. علي بن مرشد المرشد
الرئيس العام لتعليم النبات
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن والاه، أما بعد:
فإن الموت حقٌ كتبه الله على كل حي في هذه الحياة يقول سبحان وتعالى: )إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ(، والمسلم يتقبل هذه المصيبة بقبول حسن لإيمانه أن كل من دنت منيته وانتهت أيامه في هذه الحياة فلن يتأخر ساعة واحدة، كما قال الله -عز وجل- : )وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ(.
ولذا فإن حق الميت على عارفي فضله الدعاء له والبر به بعد موته وموت العلماء بخاصة له أثره في نفوس المسلمين وذلك لما عرف به العلماء من أعمال صالحة وخصال جليلة، وقد بيّن لنا البشير النذير e قيمة العالم وما يتركه رحيله عن هذه الدنيا من نقصان العلم بقوله عليه الصلاة والسلام: ((إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس ولكن بقبض العلماء)) الحديث.


وفضل العلماء كبير ومنزلتهم عند الله عالية يقول الله سبحانه وتعالى: ) يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ(، ويقول تعالى: )إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ(، ويقول رسوله e : ((العلماء ورثة الأنبياء)). وقد تأثر جميع المسلمين بوفاة سماحة والدنا فضيلة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز تغمده الله برحمته وأسكنه فسيح جناته، فهو من العلماء الأفذاذ الذين سخروا أوقاتهم لخدمة الإسلام والمسلمين، والدعوة إلى الله على بصيرة والعمل على إعلاء كلمة الله، وسجل سماحته حافل بجليل الأعمال وذلك من خلال ما تقلده رحمه الله من مناصب، وما قام به في حياته المديدة من أعمال تمثلت بالقضاء والفتيا، والتدريس، ورئاسة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ثم عمل في إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، ومن خلال ما قام به من جهود في الأعمال التي كان يشارك بها غيره من العلماء مثل هيئة كبار العلماء ورابطة العالم الإسلامي والمجلس الأعلى للمساجد وغير ذلك من الأعمال الجليلة التي يصعب تعدادها وكلها تصب في خدمة هذا الدين ونشره وإعلاء كلمة الله بالحكمة والموعظة الحسنة.
ولقد عرفت سماحته -رحمه الله- عن قرب أثناء عمله في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وكنت آنذاك أعمل بإدارة تعليم البنات بالمدينة، واستمعت إلى دروسه العلمية والمتمثلة في شرحه لصحيح البخاري وغيره من الدروس العلمية الكثيرة.


وكنت ممن استفاد منه في شرح صحيح البخاري، واستفدت من دروسه وما يرويه من تجاربه أثناء عمله وكان يتسم رحمه الله بلطف المعشر، محباً للعلماء وطلبة العلم يؤنسه وجودهم معه، فهو يأنس بأحبته وزائريه ويبش في وجوههم، وهذه أخلاق العلماء المعهودة والمعروفة عنهم، كان رحمه الله رجلاً فذاً من طراز العلماء الذي يذكر بسلفنا الصالح في سمتهم ومعشرهم وصدق أحاديثهم وحبهم للإطلاع وبعدهم عن المظاهر، ولم يثنه كبر سنه -رحمه الله- وتأثر صحته في أيامه الأخيرة عن شيء مما كان يقوم به من واجباته العلمية والعملية.
لقد كان سماحة الشيخ -رحمه الله- نسيج وحده ومن علماء الرعيل الأول الذين يندر وجود أمثالهم في هذا الزمن الحاضر فهو العالم المخلص الذي نذر وقته للنصح والإخلاص لله ورسوله ولولاة الأمر وعامة المسلمين يدعوهم إلى الخير بحكمة وبصيرة وعلم.
رحم الله سماحة الشيخ عبد العزيز وأسكنه فسيح جناته فقد عاش محمود السيرة سليم القلب عالماً محققاً محباً للعلم والعلماء مسخراً وقته من أجل إعلاء كلمة الله وخدمة الإسلام والمسلمين، -رحمه الله رحمة الأبرار- وأحسن عزاء أسرته ومحبيه وطلبته وعموم المسلمين، وجعل في ذريته الخير والبركة ليعيدوا سيرته ويتأسوا به وبأمثاله من سلف هذه الأمة وعلى رأسهم المصطفى e الذي أمرنا الله بالتأسي به بقوله سبحانه وتعالى: )لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ


حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ(.
إنه ولي ذلك والقادر عليه ونحمد الله على قضائه وقدره.. و )إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ(..
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
```


في وداع "الشيخ"





بقلم: د. غازي القصيبي
إذا قيل "الشيخ" عرف الناس الرجل المقصود...
جاءه اللقب من الجموع...
لم يحصل عليه من الجامعة...
ولم تُنعم به هيئة...
ولم يصدر بتحديده مرسوم...
كان -الشيخ- كبيراً...
وكان كبيراًًً جداً..
كان كبيراً بعلمه
وكان كبيراً جداً بتواضعه
وكان الشيخ كريماً..
وكان كريماً جداً..
كان كريماً بماله..
وكان كريماً جداً بنفسه..
وكان الشيخ طيباً.


وكان طيباً جداً...
كان طيباً.. لا يخدع أحداً...
وكان طيبا جداً.. لا يغضب من أحد خدعه...
كان بعض اجتهاداته موضع خلاف
أما نزاهته الفكرية كانت محل إجماع...
قولاً واحداً...
...ذات يوم...
قرع الباب بمنزلي في حي"الروضة" بالرياض... وفتحت زوجتي الباب وجاءت، مذهولة، تخبرني أنَّ -الشيخ- عند الباب يستأذن في الدخول...
وذهلت بدوري...
كان البعض -غفر الله لنا ولهم- قد دقوا بين الشيخ وبيني "عطر منشم"...
ونقلوا إليه ما نقلوا مشوهاً... ومحرفاً... وخارج سياقه...
وكان بيني وبين الشيخ عتاب لم يخل من حدة...
وتحمل الشيخ الحدة...
كما يتحمل الأب الصبور نزوات الابن المشاغب...
وهرعت... استقبل الشيخ...


رغم الحمى التي كانت -وقتها- زائرة ثقيلة... بلا حياء...
قال الشيخ أنه سمع بمرضي وجاء يعودني...
وتحدثنا طويلاً...
وقال عن عملي في وزارة الصحة ما يخجلني حتى بعد هذه
السنين أن أردده..
ودعا لي... وخرج...
وذهبت، ذات مساء، أزوره...
وكان يجيب على أسئلة الرجال والنساء...
كعادته بعد صلاة المغرب...
عبر هواتف أربعة لا تنقطع عن الرنين...
...ثم خلا لي وجهه...
وتحدثنا ما شاء الله أن نتحدث...
وقبل أن أخرج قلت متردداً:
يا سماحة الشيخّ
هل تسمح لي بإبداء نصيحة شخصية؟
وابتسم، وقال:
"... تفضل! تفضل!".
قلت:
هذه الفتاوى الفورية على الهاتف...


ألا يحسن أن تؤجل حتى تكتب وتدرس؟
وقال الشيخ:
"جزاك الله خيراً!
أنا لا أفتي إلا في المعلوم من الدين بالضرورة...
أو في الأمور البسيطة التي يحتاجها عامة الناس في اليوم...
أما ما يحتاج إلى بحث وتمحيص...
فليس مكانه الهاتف".
وشكرت له سعة صدره...
وخرجت...
ومرت الأيام.. والأعوام....
نلتقي بين الحين الطويل... والحين...
وكان... كل مرة...
يحييني تحية الوالد الشفوق...
رغم العطر المسموم...
الذي لم يكف تجار الوقيعة عن تسويقه...
وجاء احتلال الكويت...
وخاف من خاف...
وسعى للغنيمة من سعى...
وطمع في الزعامة من طمع...


وانتهز الفرص من انتهز...
وانتظر الناس "كلمة الشيخ"...
ووقف الشيخ...
وقال ما يعتقد أنه حق...
ولم يبال بردود الفعل العنيفة...
وبدأ الشيخ الضئيل عملاقاً في عباءته الصغيرة...
والزوابع تدور حوله...
مزمجرة... هادرة... شرسة...
كل زوبعة تحاول أن تجرف الشيخ معها...
وكان الشيخ الضئيل صامداً كالجبل الأشم...
جاءت الزوابع...
وذهبت...
وثارت العواصف...
وهدأت...
وبرنامج الشيخ لا يتغير...
الصلاة... والدروس في المسجد... وتلاميذه بلا عدد...
الدوام في المكتب... ومراجعون بلا حساب...
وضيوف الغداء... وضيوف العشاء...
والباب المفتوح أمام الجميع...


واللسان العف حتى مع المخالفين الذين لا يعرفون
عفة اللسان...
والهاتف لا ينقطع عن الرنين...
و"الشيخ" كل لحظة من لحظات الصحو معلماً... أو متعلماً...أو عابداً..
يحمل هموم المسلمين في كل مكان...
حتى لكاد ينوء بها جسمه الضئيل..
لا يقول إلا ما يعتقد أنه الحق...
ولا يرجو رضا أحد سوى الله...
ومات "الشيخ"...
ذهب بهدوء..
كما عاش ببساطة...
وترك الجموع الواجمة...
تصلي على جنازة الرجل الذي لم يتأخر يوماً عن
الصلاة على جنازة مسلم... معروفاً كان أو مغموراً...
رحم الله "الشيخ" الضئيل... العملاق..
عبد العزيز بن عبد الله بن باز...
وأسكنه بعد سجن الدنيا الضيق...


جنة عرضها السموات والأرض...
أحسبه -ولا أزكي على الله أحداً-
أحب لقاء الله...
وأرجو -وأستغفر الله أن أقول ما ليس لي به علم- أن الله أحب لقاءه...

```



رحم الله الشيخ



فهد الشريف
الشيخ عبد العزيز بن باز -يرحمه الله- يسكن أفئدة كثير من البشر، ليس فقط في المملكة بوصفهم من أبناء جلدته، ووطنه، بل ثمة آخرون من أقطار إسلامية، يحملون في ضمائرهم حباً جماً، وإحساساً صادقاً نحو الشيخ ابن باز، تغمده الله بواسع رحمته وأسكنه فسيح جناته.
وهذا اللقاء الحميم، والتعلق الروحي والشعور الصادق، لا يأتي من فراغ، وإنما هي دلائل لمكانة الشيخ في نفوس هذا العالم الإسلامي، وتأثيره البين على الأمة الإسلامية، فلا نعلم عن داعية إسلامي أو عالم إلا مكان اتجاهه نحو الشيخ ابن باز للتشاور معه فيما يشكل ويستعصي أمره.
وفي هذا البلد هناك أفئدة تحمل في سرائرها ما تعتز به تجاه العالم الشيخ عبد العزيز بن باز، وهذا يعود لتواضعه مع كل شخص يذهب إليه يسأله علماً نافعاً ينتفع به، وهذه المحبة الصادقة مظهر اجتماعي إسلامي ألفه المسلمون منذ نشأة الإسلام، وانبثق نوره في مهبط الوحي، وتاريخ المسلمين يكشف لنا حقائق هذا التآلف والتآخي بين


الأخوة في الإسلام.
وتاريخ الأئمة والصالحين والدعاة ورجالات الدرس الديني والشرعي يعطينا تصوراً واضحاً عن العلاقة المتينة بين العالم أو الداعية بين الإمام وبين ذويه سواء كانوا تلاميذ له، أو رفاقه أو من قيادة الدولة.
والنهج الإسلامي لم يتغير في هذا البلد الخير، فنشأته كانت تنطلق من هذه الثنائية المتلازمة بين الدولة والدين، وتاريخ نشأة الدولة السعودية الأولى منذ تأسيسها في عهد الإمام محمد بن سعود يدل على أنها كانت تسير وفق العقيدة السمحة ومعاضدة العلماء والدعاة.
وتعاون الإمام محمد بن سعود والشيخ محمد بن عبد الوهاب هو اللبنة الأولى والقاعدة الأساسية في بناء هذه الدولة العملاقة، وما استمرارها وازدهارها إلا لحفظها وتمسكها بهذه العقيدة وبالثوابت وبما وهبها الله من رجال أكفاء سخروا كل ما بوسعهم في الحفاظ على هذه الثوابت والدفاع عنها.
والشيخ عبد العزيز بن باز -يرحمه الله- فقدناه جسداً لكننا سنذكره وسيظل علمه خالداً ونتاجه الفكري زاداً يتزود به كل شباب الأمة الإسلامية.
سيذكرني قومي إذا جد جدهم




وفي الليلة الظلماء يُفتقد البدرُ





وجهوده عديدة لا يستطيع هذا المقال حصرها، ولعل حصوله على جائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام يُغني عن التفصيل في هذا القول، على أن سعيه الحثيث وقضائه في أمور المسلمين وحرصه على حل مشكلاتهم وتذليل العقبات التي تواجههم امتداد لرفعة شأن هذه الجهود، ولم تكن تلك الجهود فيما يخص أبناء هذا الوطن فقط، بل وقف مع قضايا المسلمين في أنحاء العالم بالدعم المستمر.
فرحم الله الشيخ عبد العزيز بن باز رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته.

```



عالم الأمة





لطف الله خوجه
مات عالم الأمة.. فما عسانا أن ننتظر في هذه الدنيا إلا الموت يأخذ عالمنا وجاهلنا، مات عالم الأمة.. ففقدت الأمة عزيزاً، مات عالم الأمة... فبكى كل مؤمن على وجه الأرض، بل كل رطب ويابس، وكل جماد وحيوان، بل السماوات والأرض ظلت باكية، مات عالم الأمة.. ففرح الشيطان وأتباع الشيطان، فقد ذهب سد منيع كان يحمي الناس من الشبهات ويحذرهم من الشهوات، مات الشيخ الجليل الوالد الكريم عبد العزيز بن باز، نُشهد الله على حبه، ونسأله أن يجمعنا به في جنته، مات بعد عمر مديد في طاعة ربه، يعلم الناس ويربيهم ويقوم بالحق ولا يخاف في الله لومة لائم، لم تغره الدنيا ولا مناصبها، عاش حياة الزاهدين، ملبسه ما تهيأ، مطعمه ما تيسر، مسكنه متواضع، فكان مثالاً صادقاً لما ينبغي أن يكون عليه العالم من الانعكاف عن الدنيا والتعالي عن زخرفها وتركها لأهلها والزهد في مباهجها، اجتمعت عليه الكلمة تلاقت القلوب على محبته، لأنه كان رحيما شفيقاً بالكبير والصغير بالقريب والبعيد بالحاكم والمحكوم، لم تؤثر عنه كلمات قاسية أو عبارات جارحة أو سب أو شتم حتى مع


مخالفيه، بل كان يدعو لهم ويحسن خطابهم بشيء لم يكن مخالفوه يجودون عليه بمثله، كان قمة في حسن الخلق وحسن العشرة وحسن الظن بالمسلمين، لا يتكبر ولا يتعالى بل يتواضع ويخفض جناحه للمؤمنين، والحقيقة أنا كنا نسمع ونقرأ عن علماء السلف الصالح وما كانوا عليه من علم وحسن خلق ومعشر وتقوى وورع وزهد وخوف لله تعالى وقيام بالحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فننظر في زماننا لنرى من مثلهم أحداً فلم نكن نجد تلك الخصال قد اجتمعت في أحد كاجتماعها في شيخنا الجليل -رحمه الله- وأمثاله، فهو نماذج السلف كان يعيش بيننا، كنا إذا رأيناه ذكرنا الله، وأولياء الله هم الذين إذا رأيتهم ذكرت الله، كنا إذا ذكرناه قلنا: الأمة بخير ما دام هذا العالم وأمثاله فيها، واليوم قد مات، فلا حول ولا قوة إلا بالله، نسأل الله أن يجبر مصابنا فيه.. إن من علامات الساعة رفع العلم وظهور الجهل، وذلك بقبض العلماء فقد قبض عالم الأمة.. فإنا لله وإنا إليه راجعون. كان الشيخ -رحمه الله- عالماً، لكنه لم يكن يتقرب بعلمه إلى الناس طلباً لدنيا أو منزلة، بل كان يتقرب إلى الله تعالى، فكم سئل عن مسألة فأوكل العلم فيها إلى الله وقال: (الله أعلم)، وكان أحياناً يقول (نبحث فيها) وهذه تربية لطلاب العلم أن لا يستنكفوا أن يقولوا مثل ما قال عالمهم إذا هم جهلوا الحكم في مسألة ما.. كان عالماً عاملاً، خرج بعلمه إلى الناس، لم يكتمه فأدى زكاته،


حتى طار الناس بفتاواه في كل العالم، فإذا قال ابن باز في مسألة قولاً ما فالقول ما قال، والنفس مطمئنة للأخذ بفتاواه، لأنه كان تقياً ورعاً صادقاً مع قضايا أمته، فقد كان من العلماء القليلين الذين حملوا قضايا الإسلام في كل بلاد المسلمين، كان يخاطب الكل الحكام والرؤساء والملوك في أمور المسلمين، يعظهم وينصحهم ويرشدهم إلى الصواب، كما كان يخاطب عامة المسلمين، كان يتألم لواقع المسلمين، فيبذل من وقته وماله وجهده في الذب عن المحرومين والمظلومين وقضايا الإسلام على كبر سنه ما لم يكن يقوم بمثله إلا قلة، كان هو أمثلة من العلماء محط آمال طلاب العلم وأهل الدين والخير في علم يتعلمونه إما دلالة على معروف أو إصلاح خطأ أو خلل، لم يكل ولم يمل من خدمة دين الله تعالى حتى في ليلة وفاته كان جالساً إلى الناس يجبيهم ويعلمهم... ذكر ذات مرة سيرة عالم صالح فصارت دموعه تتحدر على خده، كان رقيق القلب سريع الدمع خاشعاً، يبكر إلى الصلاة ويأخذ لها أحسن اللباس والزينة، يمشي إلى المسجد ويقطع الطريق بقدميه رغبة في تحصيل الثواب على الرغم من كبر سنه ورقة عظامه... كان متواضعاً لا يأنف أن يسمع ممن دونه في العلم، ويجلس له حتى يقضي كلامه، ليربي طلاب العلم على أدب الاستماع، فإذا كان عالم الأمة يسمع ممن دونه فأين الذين يأنف من الجلوس للذكر من هذا الأدب الرفيع من هذا العالم الجليل؟... كان الشيخ واسع الصدر كثير


التحمل هادئ النفس، أعطاه الله نفساً مطمئنة لا تجزع ولا تضجر، كان كذلك حكيماً في كل الأمور، حريصاً أن يجنب الأمة كل سوء وفرقة، لذا كان يتروى في مواقفه وأحكامه كثيراً وينظر في الأمور من كل الزوايا فلا يغلب جانباً إلا بقدر الضرورة، ويبذل في نصح الأمة بتوسط وعدل من غير تهور أو إحجام.. تحمل من أجل أمته، حتى صار وحده أمة في هذه الأمة، فما من مسألة إلا قالوا: اسألوا ابن باز، وما من مشكلة إلا قالوا: ما رأي ابن باز؟ وما من حدث إلا قالوا: أخبروا ابن باز،... فقد ذهب اليوم ابن باز، نسأل الله أن يعوض الأمة خيراً، وأن يبارك في البقية من العلماء.. كانوا يقولون: (موت العالم ثلمة في الإسلام) لأنه بموته يفقد الناس نوراً كان يهديهم بإذن الله، ولأن بموته يتخذ الناس رؤوساً جهالاً فيفتون بغير علم فيَضلوا ويُضلوا، ولأن بموته ينهدم جدار كان يقف سداً منيعاً يحفظ التوحيد والعقيدة والإيمان والأخلاق من هجمات المغرضين والمفسدين والمنافقين، ولأن بموته يفقد الناس عالماً أفنى سنين عمره في تعلم العلم والرسوخ فيه، والتعويض يحتاج إلى زمن.. ما أصيب المسلمون بمصيبة مثل موت رجل عالم صادق صالح كشيخنا الجليل -رحمه الله- ، وودّ كل مسلم لو فداه بنفسه وأهله وبنيه، لما مات عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- دخل الناس حزن عظيم وكرب كبير وودوا لو فدوه بأنفسهم، ولما مات عمر بن عبد العزيز أصاب الناس مثل ذلك.. إن الله حافظ دينه،


لكنه جعل أسباباً لذلك منها وأهمها وجود العالم الصالح العامل، فذهابه لا ريب مصيبة كبرى لو شعر الناس، أنّ الله ليدرأ الشر عن الأمة بوجود الصالحين العاملين الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر: )وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ(، فإذا ذهبوا فلم يبق آمر بالمعروف وناه عن المنكر أوشك الله أن يعمهم بعقاب من عنده، أفليس هذا شراً ومصيبة كبرى؟ فهؤلاء العلماء الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر كالدرع للأمة يمنع عنهم حلول سخط الجبار، وشيخنا -رحمه الله- كان منهم... إذا مات العالم لم يجد الناس من يبين لهم دينهم الذي فيه صلاحهم في الدنيا ونجاتهم في الآخرة، فيموج الناس بعضهم في بعض، ويظهر المتعالمون الجهال، فيلعبون بدين الله، ويضلون عباده، أليست هذه مصيبة كبرى؟، بلى إنها لمصيبة ليس لها مثيل، لكن كثيراً من الناس لا يشعرون لأنهم لا يعرفون قدر الأعلام، والسبب في ذلك أن عنايتهم بالدنيا أعظم من عنايتهم بالدين، ولذا فإن حزنهم على ذهاب أهل الدنيا أعظم من حزنهم على ذهاب أهل الدين إن الشيخ قد ذهب إلى ربه، وله المقام العظيم عنده بإذن الله، يخبرنا رسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه أن الأمة إذا اجتمعت على الشهادة لرجل بالخير كان كذلك عند الله، ففي الصحيحين أنه مر e بجنازة، فأثنوا عليها بخير، فقال e : ((وجبت))، ومر بأخرى فأثنى عليها بشر، فقال: ((وجبت))، فقال عمر:


يا رسول الله ما وجبت؟ فقال رسول الله e: ((هذا أثنيتم عليه خيراً وجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شراً وجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض))، فبعض السلف يرى جواز الشهادة لمعين بالجنة إذا اجتمع المؤمنون على الثناء عليه بالخير، استناداً لهذا الأثر (انظر شرح الطحاوية تحقيق الألباني ص 387)، ولا نعلم عن شيخنا إلا أن كل المؤمنين يشهدون له بالخير -رحمه الله- . ولذا فإن جنازته كانت مشهودة.. ذهب الشيخ وآجره على الله على ما قدم، ذهب كما ذهب غيره وقد جاء في الأثر في البخاري عن أنس: ((لا يأت زمان إلا والذي بعده أشر منه))، فالزمان كلما تقدم تعاظم الشر، إذا انضم إليه فَقْدُ عالم كبير، فنعوذ بالله من شر ما يأتي، ونسأله خير ما يأت.. اللهم ارحم شيخنا، وأعظم أجره، ونور قبره، واجمعنا به في جنتك، وقيض للأمة من أمثاله كثيراً، واحفظها من كيد الكائدين، اللهم توكلنا عليك في نصرة دينك وصلاح أحوالنا يا رب العالمين.

```



* الجزيرة: العدد 9741.

* الرياض: السبت 29 صفر 1420هـ، 15 مايو 1999م - العدد 11282.

* جريدة المدينة: الأربعاء 4 صفر 1420هـ

* الشقائق: العدد الحادي والعشرون.