العلماء لا يموتون

د. سعيد بن مسفر القحطاني
الموت الحسي المعهود والذي توقف بسببه حركة الإنسان بخروج روحه سنة جارية وأمر مقضي كتبه الله على جميع البشر حتى على أشرف خلقه وأكرم رسله محمد e، قال سبحانه وتعالى: )وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ * كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ( وقال له -عز وجل-: )إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ(، وهذه السنة الربانية الجارية تجري حتى على جميع الكائنات الحية الأخرى من الحيوان والنبات.
وغير أن هناك فئة من الناس وإن ماتت حسياً وجرى عليها ما يجري على غيرها من البشر إلا أنها تبقى حية حياة معنوية في قلوب الناس وفي ضمير الزمن بآثارها العظيمة وأعمالها المجيدة هذه الفئة هم العلماء الربانيون الذين ورثوا ميراث الأنبياء ثم تمثلوه وتمسكوا به في حياتهم وبلغوه إلى الأمة بأمانة وإخلاص وصدق وتجرد.
ومن هؤلاء العلماء في عصرنا الحاضر سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز -رحمه الله- الذي فجعت الأمة بموته قبل أيام وترك رحيله فراغاً كبيراً في حياة المسلمين داخل المملكة وخارجها

وأحدثت وفاته شرخاً عظيما في كيانها لا يسعنا أمامها إلا أن نبتهل إلى الله بأن يجبرنا في مصيبتنا وأن يخلف علينا وعلى أمة الإسلام منه الخير.
لكن الشيء الذي يعزينا ويعيد الأمل إلى نفوسنا أنه وإن غاب عنا سماحته بجسده الطاهر وطلعته البهية ونبرات صوته العذبة فإن آثاره وعلومه وفتاواه وتقريراته حية معنا نراجعها ونعود إليها في كل المسائل التي تحدث في حياة الأمة، وهذا ما يجعلنا نقول بأن العلماء لا يموتون بل هم أحياء بعلو همهم وآثارهم. فهذا الإمام أحمد والشافعي وأبو حنيفة ومالك والثوري وابن تيمية وابن القيم ومحمد بن عبد الوهاب وغيرهم من أعلام هذه الأمة ممن مات بجسده وفارق الحياة ببدنه ولكنه لا يزال حياً يقوم بدوره في هداية الأمة ودلالتها على طريق النجاة بما خلفه من العلم النافع وما أصدق الشاعر حين يقول:
الناس صنفان موتى في حياتهم




وآخرون ببطن الأرض أحياء


فما أكثر من يعيش على ظهر الأرض ممن يحيا حياة البهائم والحشرات وهو في عداد الأموات لغيابه عن الغاية التي خلقه الله لها ولعدم إدراكه للهدف الذي يعيش من أجله حيث لم يدرك من الحياة إلا ما أدركته البهائم من التنافس على الرغيف والاستغراق في شهوات البطون والفروج فهؤلاء وإن كانوا أحياء في نظر الناس إلا أنهم أموات في الحقيقة وسيزداد موتهم حين تلفظهم الحياة وينساهم التاريخ يوم

يغادرون الحياة بأبدانهم.
وصدق الله -عز وجل- : )وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ(.
وما يمكن أن نستفيده من حادثة وفاة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز -رحمه الله- هو العظة والاعتبار والاستعداد للحياة الأخرى ومعرفة قدر هذه الدنيا وأن الإنسان مهما عاش فيها فإنه لا بد من تركها والرحيل عنها إلى الدار الآخرة وهناك سيتم التعامل معه على ضوء تعامله هنا فمن أحسن هنا وجد إحسانه هناك ومن أساء هنا وجد إساءته في انتظاره )لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى(.
وفرْق بين من يموت وقد ملأ الدنيا هدى وخيراً ودعوة وصلاحاً وبين من يموت وقد عاث في الأرض فساداً وأهلك الحرث والنسل.. وإنا لنرجو لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله- أحسن المآل بناء على ما قدمه لدينه وعقيدته من أعمال جليلة وخدمات عظيمة نحسبه كذلك والله حسيبه ولا نزكي على الله أحداً ،وإنه ليصدق عليه تلك الأبيات التي قالها بعض الشعراء في رثاء أحد العلماء.
هكذا البدر تخفي نوره الحفر




ويفقد العلم لا عين ولا أثر





خبت مصابيح كنا نستضئ بها




وطوحت للغيب الأنجم الزهر



واستحكمت غربة الإسلام وانكسفت




شمس العلوم التي يهدى بها البشر



تحزم الصالحون المقتدى بهمو




وقام منهم مقام المبدأ الخبر



والناس في سكرة من خمر جهلهم




والصحو في عسكر الأموات لو شعروا



فكن أخي عابراً لا عامراً فلقد




رأيت مصرع من شادوا من عمروا



استنزلوا بعد عز عن معاقلهم




كأنهم ما نهوا فيها ولا أمروا



ونح على العلم نوح الثاكلات وقل




والهف نفسي على أهل له قبروا



الثابتين على الإيمان جهد همو




والصادقين فما مادوا وما فتروا



الصادعين بأمر الله لو سخطوا




أهل البسيطة ما نالوا ولو كثروا




والسالكين على نهج الرسول على




ما قررت محكم الآيات والسور



والمعرضين عن الدنيا وزخرفها




والآمرين بخير بعد ما ائتمروا



لم يجعلوا سلما للمال علمهم




بل نزهوه فلم يعلق به وضر



أشخاص هم تحت أطياف الثرى وهمو




كأنهم بين أهل العلم قد نشروا



هذي المكارم لا تزويق أبنية




ولا الشغوف التي تكسى بها الجدر




وكنت أباً للمكرمات

سهم بن ضاوي الدعجاني - الرياض
بداية أستأذن الدكتور أحمد بن عثمان التويجري عضو مجلس الشورى والشاعر المعروف في عنواني هذا الذي اقتبسته من "رسالة شوق" بعثها إلى سماحة والدنا عبد العزيز بن عبد الله بن باز الذي وافاه الأجل صباح يوم الخميس الماضي.
عندما ودعه قائلاً:
وكنت أباً للمكرمات فمن لها




وقد بت عنا اليوم يحجبك الستر


صدقت أيها الشاعر.. إنَّ سماحة الوالد رحمه الله كان أباً للمكرمات حياً وميتاً.. فقد ساهم في إحياء الأمة بعلمه وفتاويه وطلابه المنتشرين في شتى بقاع المعمورة من خريجي الجامعة الإسلامية وحلقات دروسه الممتدة طيلة عمره المبارك.
أيها القارئ الكريم.. إليك بعضاً من تلك المكرمات:
المكرمة الأولى: إنَّ الله سبحانه وتعالى هيأ له طريقاً إلى طلب العلم وحلق الذكر منذ صغره ونعومة أظفاره ورزقه الحرص والتفاني في

طلب العلم حتى بز أقرانه أيام الطلب ثم فاق أنداده وتجاوزهم عندها اكتمل نضجه العلمي حتى تسلم قمة الفتيا الشرعية في بلاد الحرمين حيث نال ثقة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز رعاه الله عندما أسند إليه منصب مفتي عام المملكة العربية السعودية.
الثانية: حرصه على اتباع الحق حتى عرف بين الناس أن شيخه الدليل من القرآن والسنة، لذلك نجد أن فتاواه اتسمت بروح الاجتهاد والبعد عن التمذهب والتقليد مما يسر له القبول لدى كثير من البلدان الإسلامية والأقليات في البلدان الأجنبية وأعظم دليل على ذلك مشهد التفاعل مع نبأ وفاته من مختلف بقاع الأرض.
الثالثة: تفاعله مع قضايا أمته العربية والإسلامية فما تحل بنا نكبة أو تقع أزمة إلا ويصدر عنه رسالة تحمل عزاء أو دعوة للتبرع أو نداء للعون، حتى ارتبط اسمه رحمه الله بنكبات أمتنا الإسلامية مواساة ودعوة لنصرة الحق وأهله مهما بعدوا ونأت بهم الديار.
الرابعة: كرمه الذي فاق الوصف ولا أدل على ذلك من الجموع التي يغض بها منزله في الرياض أو الطائف من مختلف الجنسيات الإسلامية حيث يجدون كرم الضيافة وحسن الإقامة في كنفه رحمه الله، ومن صور كرمه التي ما زال الناس يذكرونها ويجلونها.. عندما فاز بجائزة الملك فيصل العالمية في مجال خدمة الإسلام، فقد تبرع بها وزعها على الجهات المستحقة أثناء إلقائه لكلمته في حفل الجائزة

بحضور خادم الحرمين الشريفين رعاه الله.
الخامسة: حبه لشفاعة الخير لأي مخلوق كان، فقد ارتبط اسمه رحمه الله بالشفاعة الحسنة، فقد قيل عنه: إنك إذا وصلت إليه فستفوز بشفاعته أياً كان موضوعك، فطلبك مجاب بخطاب ممهور بختمه -رحمه الله- ، وقل لي -بالله عليك- من يرد شفاعة الشيخ!! والقصص في هذا كثيرة لا تحصى كعدد محبيه رحمه الله.
السادسة: قلة مؤلفاته: نعم قلة مؤلفاته مكرمة أخرى في حياته، فهو -رحمه الله- لم يؤلف إلا النزر اليسير من الكتب العلمية المتعلقة بضروريات الأمة، لكنه صرف وقته وجهده في تدريس طلبة العلم وتعهدهم بالتربية والتقويم حتى تخرج من تحت يديه مئات من طلبة العلم الجادين الذين هم بمثابة المراجع العلمية المتخصصة التي يتصفحها الناس صباح مساء ومن أبرزهم سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ الذي قرأ على سماحته -رحمه الله- "الفرائض" في عام 1377هـ وعام 1380هـ، والذي ألبسه خادم الحرمين الشريفين ثقته الغالية عندما عينه مؤخراً مفتياً عاماً للمملكة العربية السعودية خلفاً للشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله.
السابعة: تفرده بأسلوب مميز في تقديم النصيحة للآخر يجمع بين الصراحة واللين حيث عرف عنه هدوء النبرة أثناء النصح والإرشاد للغير مما أكسبه حب الناس جميعاً على مختلف أمزجتهم وأهوائهم

ورغباتهم.
الثامنة: نصرته لسنة الرسول e وتتبعه للهدي النبوي لباساً وحديثاً ومعاملة مع الناس، فقد عرف عنه شدة الاتباع والاقتداء بالنبي e حتى وصفه البعض بأنه "جبل السنة".
التاسعة: نبذه للخلاف والفرقة بين عامة المسلمين وخاصتهم وتركيزه الدائم في أحاديثه ورسائله الإعلامية على وحدة الصف بين المسلمين على مختلف مشاربهم وأوطانهم للارتقاء بهم إلى مفهوم الأمة والجماعة، ويشهد له بذلك رسائله العلمية الرصينة التي شاعت بين المسلمين، فهو - بحق - رجل الجماعة.
العاشرة: لقد شغل وقته بالخير والطاعة والدعوة إلى الله والإحسان إلى خلقه بل وخدمتهم بقضاء حاجاتهم المختلفة حتى أنه في سيارته تقرأ عليه بعض المعاملات وقد أكد الكثيرون بأنه لم يأخذ في حياته إجازة قط بل ذكر عنه -رحمه الله- إنه إذا خرج أثناء الدوام لعمل ما فإنه يحرص على العودة إلى مكتبه في رئاسة الإفتاء وإن لم يبق على نهاية الدوام إلا دقائق معدودة، حرصاً منه رحمه الله على بذل وقته في خدمة الإسلام والمسلمين وحفظاً للأمانة الملقاة على عاتقه، وهذا دليل همة عالية لو قسمت على الأمة الإسلامية لكفتها.. أخيراً وليس آخراً..




رحلت وفي أعماقنا نكبة




وألف حنين لا يكفكفه صبر


رحلت وفي أعماقنا ألف لوعة




وألف مصاب إذ مصائبنا كثر


رحمك الله يا أبا عبد الله وجزاك الله عن الأمة والإسلام خير الجزاء وأنزلك منازل النبيين والصديقين والشهداء.