وداعـاً أيها الوالـد

بقلم الدكتور: سعود بن حسن مختار
الله أكبر.. كل الدنيا ضاقت في وجهي على سعتها.. تمنيت لو أن محدثي كان كاذباً أو مخطئاً.
مات. نعم مات!! مات الوالد الحنون والشيخ العالم الإمام عبد العزيز بن باز.
لقد أمسكت القلم والدموع تخط خدي، هذا الرجل الذي يحلوللأجيال التي جاءت بعده أن تناديه بلقب الوالد.. نعم كان والداً بحنانه بسعة صدره، بتواضعه.
عرفته قبل حوالي عشرين سنة يوم كنت أشم عبق علمه وشذى أخلاقه يوم كان يجلس في الجهة الغربية من الصحن أمام الكعبة المشرفة وكنت شاباً في الثانوية، وكان -رحمه الله- في حماس الشباب، وجلدهم مع أنه كان صائماً وفي رمضان وهو في السبعين من عمره فهو من مواليد 1330هـ، كان يأتينا كل يوم الساعة الخامسة بعد العصر فيسأله هذا ويرد على هذا، وقد يأتيه المحرم يستفتيه على عجل عن مناسك العمرة فيقطع درسه ويجيب عليه، ولربما أتاه بعض

الأعراب من البادية فكان خلقه معهم يذكرنا بخلق النبي عليه الصلاة والسلام.
جاء مرة رجل من هؤلاء يصيح بأعلى صوته أين ابن باز، أين ابن باز؟ فسمعه الشيخ وهو يتدثر عباءته القديمة وبكل تواضع رد عليه قائلاً: أنا ابن باز، نعم.. ماذا تريد؟ فيدنو منه الأعرابي ويعطيه مبلغاً من المال ويخبره أنها كفارة يمين ويؤكد عليه بشدة أن يصرفها في وجهها والشيخ مرخياً رأسه وهو يبتسم ويأخذ منه المال ويضعه في جيبه.
كان -رحمه الله- نموذجاً للبساطة والتواضع وكنا لربما أتيناه في مسجده في الطائف حيث كنا نصطاف هناك في الإجازة فنفاجأ أن الإمام الذي يصلي به شخص عامي بل وقد يقرأ من المصحف مع أن الشيخ يحفظ القرآن بسنده إلى النبي e ما هذا التواضع؟ ما هذه البساطة؟ إنها من رجل كان -رحمه الله- البقية الباقية لعلماء الجيل الأول من السلف الصالح.
أتيت مرة للفتوى فأخذني بعد أن تعرف عليّ إلى طعام الغداء وجعلني بجواره فالله يشهد أن لسانه ما فتر وهو على الطعام يقول الحمد لله وكلما وضع لقمة في فيه فبلعها حمد الله دون تكلف بل يكاد يجري ذلك مع نفسه وبعد أن تناول لقيمات من السقط -الأكلة التي كان يحبها- تكلم بعض الجالسين عن انحرافات بعض

العلماء في بعض الدول وهو يسمع ويتألم لذلك، فلما فرغ المتكلم أخذ يدعو لهذا العالم ويطلب من الجالسين الدعاء له أن يهدي الله قلبه.
لم يكن -رحمه الله- من النوع الذي ينعزل عن الناس أو يبتعد عنهم بل كان مجلسه وبيته مفتوحين للقاصي والداني والبعيد والقريب فيعرفه كل فئات المجتمع وكل أجناس البشر.
ولقد ذهبت إلى بعض المناطق النائية في أفريقيا وآسيا وبمجرد أن يعرف أهلها أني من هذه البلاد يكون سؤالهم الأول عن ابن باز!! وكم فوجئت في بعض المخيمات الطبية بطلبات من بعض الفقراء أو طلاب العلم أن أحمل منهم رسائلهم وطلباتهم إلى الوالد -رحمه الله- .
حججت مرة أنا وبعض الزملاء وفي أثناء النفرة من عرفات كان الباص الذي يقل الشيخ بجوارنا لمدة ساعات طويلة، وكانت يداه مرتفعتين طوال وقت النفرة وهو يدعو بخشوع وخضوع يؤثر فينا أكثر من ألف موعظة والناس في الباص يتحادثون ويشربون وهو لا يحرك ساكناً يداه مرفوعتان إلى السماء.
وفي موقف آخر صادفته في الصفا يدعو ومعي زوجي وأولادي ولا يعلم إلا الله كم كان تأثير ذلك على نفوسهم جميعاً.. إنه -رحمه الله- بدون مبالغة ولا تقديس ولا إطراء كان من الذين إذا رآهم الرجل ذكر الله.




سماحة العلّامة وذكراه الخالدة

د/ سعيد بن علي بن وهف القحطاني
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:
فقد كنت أسمع بسماحة العلامة الحبر إمام أهل السنة والجماعة في النصف الثاني من القرن الرابع عشر والربع الأول من القرن الخامس عشر من الهجرة النبوية عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله تعالى، فكان في نفسي عظيماً قبل أن أراه، وعندما قدر الله -عز وجل- لي أن انتقل إلى مدينة الرياض في عام 1399هـ قابلته فرأيته أعظم مما قيل فيه بكثير لا أحصيه، فقد وجدته إماماً في الحديث، إماماً في الأنساب، إماماً في الافتاء والدعوة إلى الله على بصيرة، إماماً في الكرم والجود، والزهد في الدنيا، والتواضع، وحسن الخلق، والعطف على الفقراء والمساكين، والورع، والتقوى، والصبر، والتثبت وعدم العجلة في الأمور، ووجدته إماماً في الحكمة فهو يضع الأمور مواضعها، وهذا في الحقيقة من توفيق الله له وإعانته وتسديده فما أكرمه سبحانه وما ألطفه بالعلماء المخلصين.
وقد استفدت من هذا العلامة كثيراً ولله الحمد، فقد كان يأمر بالدعوة إلى الله على بصيرة بالأسلوب الحسن، وتعلمنا منه عدم

الخروج على أئمة المسلمين، ويأمرنا بالدعاء لهم بالتوفيق والإعانة والتسديد، ويطبق ذلك على نفسه فيدعو لولاة الأمر في كل مناسبة، والله لا أحصي دعاءه لهم بالتوفيق وإصلاح البطانة والإعانة والتسديد لكل خير، سواء كان ذلك في دروسه، أو محاضراته، أو توجيهاته. وكان خاشعاً في دروسه ومحاضراته فوالله لا أحصي عدد المرات التي بكى فيها من خشية الله تعالى، ومن ذلك أنه أذيع عنه في إذاعة لندن في عام 1400هـ، تقريباً أنه يكفر المعاصي فبلغه هذا الخبر وهو يلقي محاضرة في الجامع الكبير (جامع الإمام تركي بن عبد الله رحمه الله) فاستنكر هذا الخبر وردّه وتبرأ من هذا القول وبكى وتلا قوله تعالى: )سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ(.
وكان يأمرنا كثيراً في دروسه ومحاضراته واجتماعه بنا بطلب العلم النافع، والعناية بكتاب الله والسنة المطهرة، والعلم بما فيها ابتغاء وجه الله تعالى ويحثنا على الدعوة إلى الله في كل مجمع مع العناية بما ينفع الناس ويحذرنا من التعرض للأمور التي تؤثر على سير الدعوة يذكرنا بأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح. وكان رحمه الله صبوراً ثابتاً على كل خير، من ذلك كثرة أعماله التي لا يقوم بها أمة من الناس سواء كان ذلك في الدوام الرسمي أو في أعمال المسلمين في مكتب البيت ونفع الناس، أو الدروس العلمية التي منّ الله عليه بها، ومن أطول هذه الدروس درس يوم الخميس في الجامع الكبير، فقد يمتد الدرس إلى أربع ساعات والشيخ ثابت على كرسيه، ووالله ما رأيته

يوماً في الدرس ناعساً منذ تسعة عشر عاماً، حتى في الأيام التي مرض فيها قبل موته بشهرين بل منتبهاً مستمعاً جلداً.
وسماحة الشيخ يزيد طلابه وتزيد دروسه كلما زاد عمره ويزيد كذلك نشاطه ورغبته في الخير، وهذا من فضل الله، وكل يشهد بذلك من طلابه ومن يحضر معه ويشاهده.
وعندما بلغني الخبر بوفاته رحمه الله وقع بعد ذلك في نفسي قول أيوب السختياني رحمه الله:
((إني أخبر بموت الرجل من أهل السنة فكأنما أفقد بعض أعضائي)) وقوله رحمه الله: ((إن الذين يتمنون موت أهل السنة يريدون أن يطفئوا نور الله والله متم نوره ولو كره الكافرون)) وقد أحسن القائل:
اصبر لكل مصيبة وتجلّد




واعلم بأن المرء غير مخلّد


فإذا ذكرت مصيبة تسلو بها




فاذكر مصابك بالنبي محمد


والحقيقة أن الشيخ لم يمت حقيقة، فكم علّم من البشر، وكم تخرج على يديه من العلماء، وكم نفع الله به المسلمين في جميع أقطار الأرض، وكم نصح لله ورسوله، وكتابه وأئمة المسلمين وعامتهم، وكم دفع الله به من الشرور، وكم أعان على نوائب الخير، وكم من علم نشره، ومسجد بناه، وكم من بيت للأرامل اشتراه فسبّله عليهم،

وكم من داعية عيّنة ثم أرسله إلى بلاده داعياً ومعلماً، وكم من صدقة للفقراء والمساكين تصدق بها سراً وجهراً، وكم من شفاعة حسنة شفعها، وكم من دين للغارمين قضاه، وكم من سنة أُميتت أحياها، وكم من بدعة ظهرت فقمعها.. وهذا بعض ما عرفته عن سماحة شيخنا منذ عشرين عاماً وما خفي عليّ أعظم مما ظهر لي، فهنيئاً له بهذه الأعمال المباركة، وهنيئاً له بما سيلحقه من أعمال جليلة لا تحصى إن شاء الله تعالى، لقول النبي e: ((من دل على خير فله مثل أجر فاعله)) [رواه مسلم]، ولقوله e: ((من سن في الإسلام سنة حسنة فعمل بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها ولا ينقص من أجورهم شيء)) [رواه مسلم في صحيحه].
وقد جاء في الحديث الحسن الذي رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه: ((وأن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإنَّ الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً إنما ورّثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر)).
فالشيخ لم يمت، فعلمه منشور، وتلاميذه موجودين، وكتبه مسطورة، وفتاواه مشهورة، وذكره سيبقى إن شاء الله إلى يوم القيامة، وعمله إن شاء الله لا ينقطع إلى يوم الدين.

فنسأل الله أن يرفع درجاته في الفردوس الأعلى من الجنة وأن يحشرنا وإياه في زمرة النبي e مع الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين..
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين..

* الجزيرة: الثلاثاء10 صفر 1420هـ، 25 مايو 1999م - العدد 9735.