وقد آمنت هذه المعتقدات الدارونية الاجتماعية بضرورة الصراع وإراقة الدماء من أجل إنشاء مجتمع قوي، وما فعلوه وسببوه في القرن العشرين لا يخفي على أحد. فق قتلت أعداد لاحصر لها من الأبرياء، وجرح وعوق آخرون، وانهارت اقتصاديات وطنية، وأنفقت الأموال التي كان يجب أن تصرف على الصحة والأبحاث والتكنولوجيا والتربية والفن، على الأسلحة وتضميد الجراح التي سببتها، وإعادة بناء المدن المخربة. وأصبح واضحا بمرور الوقت أن ذلك الصراع والإرهاب لم يرق بالتطور الإنساني بل على العكس أدى إلى دماره.
بالتأكيد هناك تناقضات في العالم. كما في الطبيعة هناك نور وظلمة، ليل ونهار، حر وبرد ، لذا فهناك اختلافات في طرق وممارسة وتطبيق الأفكار المختلفة. ولكن التناقض في الأفكار لا يستوجب الصراع. بل على العكس، إذا ما قوبلت هذه التناقضات بالتسامح والسلام والتفاهم والحب والرحمة فإنه من الممكن إنجاز نتائج جيدة جدا. فكل شخص يقارن فكرته الخاصة بأفكار الآخرين ربما يطور فكرته أو يرى نقائصها فيعالجها. فهؤلاء الذين يدافعون عن الآراء المعارضة يتمكنون من تبادل الأفكار أثناء الحديث أو ينشغلون بالنقد البناء. لذا فإن الشخص المتواضع المتسامح المسالم المخلص الذي يتبع تعاليم القرآن الكريم هو فقط من يستطيع تطوير هذا التقارب والتفاهم.
من الطبيعي أن توجد الآراء المختلفة، لكنها لا يجب أن تكون سببا للنزاع والحروب بين الناس. فالاحترام والتسامح المتبادل يمكن أن يضمن الاتفاق والمشاركة بين الفئات المختلفة. وتوضح تعاليم القرآن الكريم للناس حياة السعادة والطمأنينة، فالصراع الجدلي لا يجلب إلا الشقاء الدائم والموت والدمار".
أن تقتل إنسانا أو تسيء إليه بسبب أفكاره المختلفة، أو لأنه يؤمن بدين مختلف أو حتى لأنه ينتمي إلى جنس مختلف، عمل قاس وغير مقبول. لهذا السبب وحده، نرى على مر التاريخ وفي جميع أنحاء العالم كيف أن أبناء نفس الأرض يتصارعون مع بعضهم البعض حتى الموت ويقتل كل منهم الآخر بلا رحمة. ونرى أناسا من بلدان وجنسيات مختلفة يذبحون، بمن فيهم النساء والأطفال ، بشكل عشوائي. إن الشخص الوحيد الذي يمكنه فعل ذلك هو الذي يخلو قلبه من أية إنسانية. فهو عنده مجرد حيوان مفكر. وهو الشخص الذي لا يراعي الله في أعماله أو حتى لا يعتقد في وجوده.
ويكشف لنا القرآن الكريم أفضل المواقف التي يمكن أن نتخذها نحو الأفكار المعارضة. ومن أبرز الأمثلة على ذلك الخلاف الذي حدث بين موسى وفرعون. وبالرغم من قسوة وعدوانية فرعون، فقد أرسل الله موسى يدعوه لدينه عز وجل، ووضح لموسى الأسلوب الذي يتعين اتباعه فقال تعالى:
"اِذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى" (طه : 43-44)
وقد أطاع موسى أوامر الله وشرح لفرعون الدين الحقيقي بصبر عظيم، وذلك لكي ينهي فرعون إنكاره لوجود الله وقسوته على الناس. وبالرغم من ذلك، اتخذ فرعون موقفا عدائيا نحو موسى الصبور النبيل وهدد بقتله هو ومن يتبعه. ولكن في النهاية خاب فرعون وخسر سعيه، فقد غرق واتباعه بينما انتصر موسى ومن معه.
وكما يوضح هذا المثال، انتصار رأي أو فكر من أجل التطور لا يأتي أبدا من خلال العداوة أو العدوان. ويعرض الخلاف بين موسى وفرعون درسا من دروس التاريخ العظيمة: فالمنتصر ليس من يتبع الصراع والظلم، ولكن المنتصر من يتبع طريق السلام والعدل. لذا فإن ممارسة المبادئ والأخلاقيات الرفيعة تظهر حسناتها في الدنيا والآخرة.
الدارونية والإرهاب
وكما رأينا حتى الآن، فإن الدارونية هي أصل كل معتقدات العنف التي تسببت في كوارث للبشرية في القرن العشرين، فالمفهوم الأساسي وراء هذه المعتقدات والأساليب هو "قتال من ليس منا". وهناك اعتقادات وآراء وفلسفات مختلفة في العالم. ومن الطبيعي جدا أن تتميز هذه الأفكار المتنوعة بمعارضة بعضها البعض. و يمكن أن تنظر هذه الاختلافات في الآراء إلى بعضها بإحدى طريقتين :[LIST=1][*]احترام وجود المعارضة ومحاولة تأسيس حوار معها. وتلك هي الطريقة الإنسانية. وتتوافق هذه الطريقة مع تعاليم ومبادئ القرآن الكريم. [*]قتال الآخرين ومحاولة الاستفادة من تدميرهم، بمعني آخر، التصرف مثل حيوان طائش. وتلجأ المادية إلى هذه الطريقة التي تعتمد على الإلحاد. [/LIST]فذلك الرعب الذي نسميه الإرهاب هو نتاج للطريقة الثانية.
وعندما نأخذ في الاعتبار ذلك الخلاف بين الطريقتين يمكن أن نرى مدى تأثير فكرة كون :"الإنسان حيوان مقاتل"، تلك الفكرة التي فرضتها الدارونية على الناس بشكل لا شعوري.
"قد يكون هناك خلاف بين الدول أو المجتمعات، ولكن الصراعات والحروب لا تحل المشاكل. ويعلمنا القرآن الكريم أنه يجب حل هذه الخلافات بالصبر المتبادل والتسامح والرحمة والتفاهم".
ربما لم تسمع تلك الجماعات ويسمع أولئك الأفراد الذين يلجئون للعنف والصراع عن الدارونية شيئا، ولكن في النهاية هم يتفقون تماما مع المبادئ الفلسفة الدارونية. وما يدفعهم للإيمان بصحة هذه الآراء هو تلك الشعارات التي تستند عليها الدارونية مثل "البقاء للأقوى " و "الأسماك الكبيرة تبتلع الصغيرة" و "الحرب هي الفضيلة" و "يتقدم الإنسان بشن الحروب". وعند إبعاد الدارونية نجد أن هذه الشعارات قد بقيت كلمات فارغة.
وفي الحقيقة، بإبعاد الدارونية، لن نجد أي فلسفة تؤيد الصراع. فالأديان الثلاثة المقدسة التي يعتنقها معظم سكان العالم وهي الإسلام والمسيحية واليهودية ترفض العنف وتحض على السلام والوئام وتحرم قتل الأبرياء أو تعريضهم للمعاناة والظلم والتعذيب. فالعنف والصراع والمفاهيم الشاذة والمنبوذة، تنتهك المبادئ الأخلاقية التي أرشد الله تعالى الإنسان إليها. وبالرغم من ذلك تظهر الدارونية الصراع والعنف والقتل على أنها مفاهيم
مبررة وصحيحة وطبيعية ولابد من وجودها.
"إن تعاليم القرآن الكريم ومبادئه وأخلاقياته هي السبيل الوحيد لضمان حياة اكثر استقرارا للأجيال القادمة"
لهذا السبب يرتكب البعض أعمال الإرهاب تحت اسم الدين مستخدما مفاهيم ورموز الإسلام أو المسيحية أو اليهودية، ولكننا على يقين بأن هؤلاء لا ينتمون إلى أي من تلك الأديان. بل هم دارونيون حقيقيون. فهم يختبئون تحت عباءة الدين، ولكنهم ليسوا مؤمنين حقيقيين حتى وإن ادعوا أنهم يخدمون الدين، ولكنهم في الحقيقة أعداء للدين والمؤمنين، وذلك لانهم يرتكبون جرائم يشدد الدين على تحريمها، بل ويسيئون للدين أمام الناس.
لهذا السبب، فإن جذور الإرهاب التي ابتلي بها عالمنا ليست في أي من الأديان المقدسة، ولكنها من الإلحاد والذي نسميه في وقتنا الحاضر: "الدارونية والمادية".
كل من يرغب في السلام والطمأنينة عليه إدراك خطر الدارونية
حل هذه المشكلة يعتمد بشكل أساسي على الحرب بوجه خاص ضد الأكاذيب والتخلص من تلك الأفكار. فعلى سبيل المثال قد يسعى الشخص بجد لتنظيف البيئة المحيطة به من خلال جمع النفايات في صناديق، ولكن ستظل رائحة صناديق النفايات كريهة. مما يعني أن الحلول ستكون قصيرة الأجل. ويكمن الحل الحقيقي في التنظيف الشامل لمصدر النفايات وإزالتها بالكامل. بمعني آخر، فهذا الأمر يشبه قضاء سنوات في تنظيف مزرعة من الأفاعي السامة، وتركها تهرب، ثم نتعجب من رؤيتنا لهذه الأفاعي تضر الناس من حولنا مرة أخرى. فالشيء المهم هو أن نقضي على تلك الأفاعي بالدرجة الأولى.
ولذلك، في الحرب على الإرهاب يتم البحث عن الإرهابيين واحدا تلو الآخر لمعاقبتهم، ولكن هذا الحل غير مؤثر و غير ناجح و غير دائم. و الطريق الوحيد لاستئصال الإرهاب كليا من على وجه الأرض هو أن نحدد المصادر الأساسية التي تصنع الإرهابيين والقضاء عليها. ومن ناحية أخرى، تعتبر المعتقدات الخاطئة والتربية السيئة التي تمارس في ضوئها مصدرا مهما من مصادر الإرهاب.
"إِنَّ الله يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي القُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ" (النحل : 90)
في وقتنا الحالي، تعتبر الداروينية مادة أساسية في المناهج التعليمية في أكثر بلدان العالم. وهي تدرس باعتبارها حقيقة علمية.
فالصغار لا يدركون أن الذي خلقهم هو الله، وهو من وهبهم الروح والحكمة والضمير. ولا يخبرهم أحد أنهم سيحاسبون يوم القيامة على أعمالهم ويعاقبون بجهنم أو يكافئون بالجنة والخلود. بل على العكس فهم يلقنون أنهم أحفاد مخلوقات كانت حيوانات، وأنها جاءت إلى الوجود عن طريق المصادفة العشوائية.
وفي ضوء هذا التلقين يعتبر هؤلاء الصغار أنفسهم مخلوقات ضالة غير ملتزمة أمام الله ويرون أن بقاءهم ونجاحهم في المستقبل لا يأتي إلا من خلال الصراع. وبعد هذه المرحلة، يصبح من السهل غسل دماغ هؤلاء البشر، والذين لقنوا تلك الأفكار بالفعل خلال دراستهم وتحويلهم لأعداء للإنسانية يملكون ما يكفي من القسوة لقتل الأطفال الأبرياء. ويسهل لأي عقيدة مضللة جذب مثل هؤلاء الصغار. بل ويمكن أن يقوموا بأفعال قاسية وعنيفة تحت تأثير هؤلاء الإرهابيين. فالفاشية والشيوعية والعنصرية هي جماعات إرهابية تواجدت منذ القرن التاسع عشر كنتاج لمثل هذا المنهج في التربية.
وتتمثل الخسارة الكبرى الثانية لمثل هذا النظام في التربية في البعد تماما عن الدين، فقد انحصر العلم بالدين بين غير المتعلمين. وهكذا أصبح المتعلم بعيدا تماما عن الدين بفعل الدارونية –المادية، وأصبح الدين شيئا مقترنا بغير المتعلمين. وذلك هو سبب تطور الأفكار الخاطئة المؤيدة للخرافات والتي سمحت لمن يناقضون الدين بالسيطرة بسهولة تحت اسم الدين.
إن أحداث الحادي عشر من سبتمبر الأخيرة هي أوضح مثال على ذلك. فلا يمكن لمن يخاف الله ويحبه ويتوقع حسابه على أعماله أن يرتكب مثل هذه الأعمال التي تترك خلفها آلاف الجثث لأبرياء وآلاف الجرحى واليتامى من الأطفال. فالمؤمن يعلم أنه سيحاسب أمام الله على كل ضرر ألحقه بإنسان وأن كل ذنب سيصبح مصدرا لعذابه في جهنم.
ونستنتج من هذا أن السبيل الأمثل للقضاء على الإرهاب هو إنهاء التربية الدارونية المادية، وتربية الصغار على مناهج مستندة على الاكتشافات العلمية الحقيقية وأن نغرس فيهم الخوف من الله والرغبة في التصرف بحكمة وتأن. وستكون ثمار مثل هذه التربية جماعة شعارها التسامح والسلام وبالتالي يكونون جديرين بالثقة.
"هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَ إِنَّ اللهَ بِكُمْ لَرَؤوفٌ رَحِيمٌ" (الحديد : 9)
انتهى
جزا الله الدكتور هارون يحيي خير الجزاء
جعله الله في ميزان حسناتك















"إِنَّ الله يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي القُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ" (النحل : 90)
رد مع اقتباس


المفضلات