تأثر النازيون بالدارونية هي الحقيقة التي قبلها كل المؤرخين والخبراء تقريبا. بين بيتر كرسب، مؤلف كتاب "صعود الفاشية"، هذه الحقيقة كالتالي :
"في بداية نشرها سخر الناس من نظرية دارون التي تدعي أن أصل الإنسان قرد، ولكنها انتشرت وقبلت بعد ذلك. وقد حرف النازيون نظرية دارون واستعملوها لتبرير الحروب العرقية" 35.
يصف المؤرخ هيكمان تأثير الدارونية على هتلر كالتالي:
"كان هتلر شديد الإيمان بالتطور . ومهما كان غامضا ومعقدا ومختلا عقليا، إلا أنه كان متأكدا من أهمية مفهوم الصراع، وقد عرض بوضوح عددا من أفكاره التطورية في كتابه "كفاحي"، خاصة تلك التي تؤكد الصراع والبقاء للأصلح وإبادة الضعيف ليصبح المجتمع أفضل" 36.
"النازية ، وهي مزيج من الدارونية الاجتماعية والوثنية الجديدة، قتلت الملايين ونشرت الرعب في قلوب الآخرين"
"تسببت الحرب العالمية الثانية في قتل 55 مليون إنسان، وجرح ملايين آخرين، وشردت أعداد كثيرة أخرى. وتسببت في دمار المدن وانهيار الاقتصاد ".
هتلر، الذي ظهر بهذه الآراء، قاد العالم إلى عنف لم يسبق له مثيل في أي مكان. وقد تعرضت العديد من المجموعات العرقية والسياسية، وخاصة اليهود، للقسوة والمذابح البشعة في معسكرات الاعتقال النازية. وقد قضت الحرب العالمية الثانية والتي بدأت بالغزو النازي على حياة 55 مليون شخص. وكان مفهوم الدارونية "الصراع من أجل البقاء" هو السبب وراء تلك المأساة الكبرى في تاريخ الإنسانية.
التحالف الدموي: الدارونية والشيوعية
إذا كانت الفاشية هي الجناح الأيمن للدارونية الاجتماعية، فإن الشيوعية قد مثلت الجناح الأيسر لها . وقد كان الشيوعيون دائما من أعنف المدافعين عن النظرية الدارونية.
ترجع العلاقة في الأصل إلى مؤسسي هذه المذاهب. فقد قرأ كل من ماركس وانجليس كتاب "أصل الأجناس" لدارون عندما ظهر مباشرة، واندهشوا من فكرة المادية الجدلية. وتوضح المراسلات بين ماركس وانجليس رأيهما في نظرية دارون على أنها "تحتوي أساس الشيوعية في التاريخ الطبيعي". وفي كتابه "جدل الطبيعة" الذي كتبه نتيجة تأثره بدارون، كان انجيلس كثير الإعجاب به. وحاول أن يضيف مساهمته الخاصة إلى النظرية في فصل "دور العمال في التحول من قرد إلى إنسان" .
الشيوعيون الروس الذين اتبعوا خطوات ماركس وانجليس، مثل بليخانوف ولينين وتروتسكي وستالين، اتفقوا كلهم مع نظرية دارون للتطور. بليخانوف ، الذي اعتبر مؤسس الشيوعية الروسية، اعتبر الماركسية مثل "الدارونية في تطبيقها لعلم الاجتماع" 37.
قال تروتسكي "اكتشاف دارون هو أهم نصر للجدل في موضوع الأصل" 38.
وقد كان لتعاليم دارون الدور الرئيسي في تشكيل كوادر الشيوعية. فعلى سبيل المثال، يلاحظ المؤرخون حقيقة أن ستالين كان شابا متدينا، ولكنه أصبح ملحدا بعد قراءته كتب دارون.
ماو تسيتونغ، مؤسس الحركة الشيوعية في الصين، والذي قتل الملايين من الناس، صرح علنا قائلا: "تأسست الاشتراكية الصينية على نظرية دارون للتطور" 39.
"زعماء الشيوعية، الذين بنوا أفكار المجتمع الانساني استنادا على الدارونية، سيسقطون من ذاكرة التاريخ لما سببوه من ألم شديد بسياساتهم القاسية ".
جيمس رييف، المؤرخ بجامعة هارفارد، يناقش في بحثه "الصين ودارون" بالتفصيل تأثير الدارونية على ماو والشيوعيين الصينيين.
باختصار، هناك صلة وطيدة بين نظرية التطور والشيوعية. تدعي النظرية بأن خلق الحياة والأحياء كان نتيجة الصدفة، وتدعم ما يسمى بالمساندة العلمية للإلحاد. والشيوعية عقيدة ملحدة، ولهذا السبب فهي ترتبط بشكل قوي بالدارونية. وعلاوة على ذلك تقترح نظرية التطور أن التطور في الطبيعة يعزى إلى الصراع "الصراع من أجل البقاء"، بل وتدعم مفهوم الجدل الذي يمثل أساس الشيوعية.
إذا نظرنا في مفهوم الشيوعية "الصراع الجدلي" والذي قتل بسببه 120 مليون إنسان خلال القرن العشرين على أنه ماكينة قتل، عندها فقط يمكن أن نجيد فهم أبعاد الكارثة الدارونية التي حلت بالعالم.
"طبقت الشيوعية الفكرة الدارونية للصراع على صراع الطبقات، وهكذا قبلت القتل وإراقة الدماء كطرق شرعية للسيطرة"
الصراع الجدلي لم يطوّر المجتمعات بل دمرها
وكما رأينا سابقا، فإن الدارونية تفترض أن الصراع بين الكائنات هو سبب تطورها وهذا ما أكسبها ما يسمي بالانتشار العلمي لفلسفة المادية الجدلية.
كما يمكن أن يفهم من اسمها، المادية الجدلية ترتكز على فكرة الصراع. وقد أذاع كارل ماركس مؤسس هذه الفلسفة تلك الفكرة :"إن لم يكن هناك صراع ومعارضة، ظل كل شيء كما هو". وقال أيضا: "القوة المولدة لكل مجتمع قديم تحمل معها مجتمعا جديدا" 40.
وبقوله هذا فإنه يدعو الناس للعنف والحرب وإراقة الدماء من أجل التطور.
كان لينين أول من طبق نظرية ماركس في المجال السياسي. وقد كان لينين يؤيد فكرة مفادها أنه: "يحدث التقدم كنتيجة لصراع الأضداد" ويدعي أن الناس ذوي الأفكار المختلفة يجب أن يكونوا في صراع دائم. وقد ذكر لينين مرارا أن هذا الصراع يتطلب إراقة دماء، أي الإرهاب. وقبل الثورة البلشيفية بأحد عشر عاما، نشر لينين مقالا بعنوان "حرب العصابات" في البروليتاري عام 1906، وهي توضح الطرق الإرهابية التي تبناها:
" تلك الظاهرة التي نهتم فيها بالكفاح المسلح، قادتها الجماعات الصغيرة. حيث ينتمي البعض منها إلى المنظمات الثورية، والبعض الآخر (وهو يمثل الأغلبية في بعض أنحاء روسيا) لا ينتمي إلى أي منظمة ثورية. ويتبع الكفاح المسلح هدفين مختلفين، يجب أخذهما في الاعتبار: يهدف هذا الكفاح بالدرجة الأولى إلى اغتيال الأفراد والزعماء ورجال الشرطة والجيش. وفي المرتبة الثانية، يهدف إلى مصادرة الأموال النقدية من كل من الحكومة والأفراد. حيث تذهب تلك الأموال المصادرة إلى خزينة الحزب وتخصص للتسليح والإعداد للتمرد وتدريب الأفراد الذين يقومون به" 41.
في القرن العشرين، كانت هناك واحدة من أشهر المعتقدات التي قبلت بها الشيوعية، وهي الفاشية. المهم في الموضوع، أنه برغم إعلان الفاشية معارضتها للشيوعية، إلا أنها آمنت تماما مثل الشيوعية بمفهوم الصراع. آمن الشيوعيون بضرورة الصراع الطبقي، وببساطة غير الفاشيون مجال الصراع حيث ركزوا على الصراع بين الأجناس والدول. ويعتبر المؤرخ الألماني هينريتش تريتشك، واحد من أهم مصادر الأفكار النازية ومن أبرز العنصريين، فقد كتب يقول: "لا يمكن أن تزدهر الأمم بدون صراع قوي، تماما مثل نظرية الصراع من أجل البقاء لدارون" 42.
وقال هتلر أيضا معتمدا على مفاهيم دارون للصراع:
"في كل معالم الطبيعة صراع هائل بين القوة والضعف ونصر أبدي للقوي على الضعيف. وكان من الممكن انهيار الطبيعة كلها لو لم يكن الأمر كذلك، فمن يحيا يجب أن يقاتل. ومن لا يرغب في القتال في هذا العالم، حيث الصراع هو قانون الحياة، ليس له الحق في الوجود" 43












رد مع اقتباس


المفضلات