وقد انتهى القتل بمجرد انتهاء الحروب:
" وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ * الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ" (البقرة: 193-194)
فلم يكن هناك سلب ونهب ولم يقتل مسيحي واحد . وتعمد أن يخفض الفدية … ." وقد حزن وتأثر صلاح الدين من انفصال العائلات بعضها عن بعض بسبب الأسر، لذلك أطلق حرية العديد منهم، تماما كما أمر القرآن الكريم، وذلك بالرغم من معاناة أمناء صندوقه الصبورين. وبالمثل حزن أخوه العادل لحال السجناء الألف الذين طلبهم من صلاح الدين لقضاء احتياجاته الخاصة فأطلق سراحهم فورا. وقد ذهل كل الزعماء المسلمين برؤية أثرياء المسيحيين وهم يهربون بثرواتهم، وقد كان بإمكانهم افتداء كل السجناء. حتى البطريرك هيراكثيوس، دفع عشرة دنانير فدية شأنه شأن البقية. والأكثر من ذلك أنه زود بمرافق خاص لحراسة كنزه خلال رحلته إلى بلده" 25.

باختصار عامل صلاح الدين وجميع المسلمين، وهم في أوج انتصارهم، المسيحيين بالرحمة والعدل وبلا حدود، حتى أنهم اظهروا نحوهم رحمة أكثر من زعمائهم أنفسهم. وإلى جانب المسيحيين، عاش اليهود أيضا في سلام وأمن بعد فتح المسلمين للقدس. وقد عبر الشاعر اليهودي الأسباني المعروف يهودا الهاريزي عن مشاعره في أحد فقال:
"شاء الله بأن لا تبقي القدس بأيدي أبناء يسوع، وهكذا في عام 1190، استحث الله روح صلاح الدين، ذلك الرجل العاقل الشجاع الذي أتى في جيش مهول، وحاصر فلسطين وفتحها وأعلنها صريحة مدوية أنه سيستقبل ويقبل كل أبناء إبراهيم، من أي مكان يأتوا منه. وهكذا فقد أتينا من كل ركن في العالم لنعيش هنا. ونحن الآن نعيش في ظل السلام "26.
بعد القدس، استمر الصليبيون في همجيتهم والمسلمون في عدلهم في مدن فلسطين الأخرى. وفي عام 1194م ، أسر ريتشارد قلب الأسد، الذي صور كبطل عظيم في تاريخ بريطانيا، والذي نفذ حكم الإعدام في ثلاثة آلاف مسلم ومسلمة ومن بينهم أطفال بكل وضاعة وحقارة. ورغم رؤية المسلمين لهذه الوحشية، إلا أنهم لم يردوا بنفس الطريقة، فقد التزموا بقول الله تعالى:

" وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ" (المائدة : 2)

ولم يلجأوا أبدا للعنف ضد المدنيين الأبرياء، حتى في حالات الضرورة القصوى، بل وحتى ضد الجيوش الصليبية المنهزمة".



وذكرت همجية الصليبين وعدالة المسلمين كحقيقة تاريخية: الحكم الذي بني على تعاليم الإسلام مكن أصحاب الديانات المختلفة من التعايش معا. واستمرت هذه الحقيقة لمدة 700 عام بعد صلاح الدين، وخاصة خلال الحكم العثماني.

"أعدم الملك ريتشارد قلب الأسد، بلا رحمة 3000 مسلم من المدنيين، من بينهم العديد من النساء والأطفال".
حكم الإمبراطورية العثمانية العادل والمتسامح

في عام 1514م ، فتح السلطان سليم القدس والمناطق المحيطة بها، وبدأت 400 سنة من الحكم العثماني في فلسطين. وكما في الممالك العثمانية الأخرى، تمتعت فلسطين بالسلام والاستقرار وتسامح أصحاب الديانات المختلفة فيما بينها.

وقد أديرت الإمبراطورية العثمانية بما يسمى بـ"النظام القومي"، وكانت الميزة الأساسية لهذا النظام أنه سمح لذوي الديانات المختلفة التعايش معا طبقا لمعتقداتهم وبما لا يتعارض مع النظام القانوني. وقد وجد أهل الكتاب، المسيحيون واليهود، كل الأمان والحرية في الأراضي العثمانية.
والسبب الأكثر أهمية لذلك هو رغم أن الإمبراطورية العثمانية كانت دولة إسلامية حكمها المسلمون إلا أنهم لم يحاولوا إجبار المواطنين على اعتناق الإسلام. وكان هدف الدولة العثمانية توفير الأمن والأمان لغير المسلمين، وأن يشعروهم بالرضا والارتياح في ظل الحكم الإسلامي العادل.






"كانت الإمبراطورية العثمانية تمثل دولة الإسلام، ورغم ذلك منحت الحريات الدينية. وقد وجدت فسيفساء لثقافات متعددة مسالمة داخل الأراضي العثمانية. وكما نرى في هذه الصورة ، حكمت الدولة مواطنيها طبقا لتعاليم الإسلام، وساعدت الفقراء منهم بغض النظر عن دينهم".


"بالرغم من انتساب الكاثوليك والبروتستانت إلى الدين نفسه فقد حدثت عداوات كبيرة بينهما خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر. ومازالت هذه العداوات متواصلة إلى حد الآن، وأكثر الفئات تضررا من هذه النزاعات هم الأطفال الأبرياء"

في نفس الوقت كانت هناك دولة عظمى أخرى وكانت تعج بمشاهد الظلم والقسوة والتعصب. إنها مملكة أسبانيا التي لم تتحمل وجود المسلمين واليهود على أرضها وأوقعت في كلتا الجماعتين ظلما شديدا. وفي العديد من البلدان الأوربية الأخرى اضطهد اليهود فقط لأنهم يهود (على سبيل المثال فقد سجنوا في أحياء اليهود) وفي أحيان أخرى كانوا ضحايا مذابح جماعية "مدبرة"" . وحتى المسيحيون لم يتمكنوا من التعايش مع بعضهم البعض: فقد وقعت أوروبا في حمام من الدم في القرنين 16 و 17 نتيجة القتال بين الكاثوليك والبروتستانت. وقد حولت حرب الثلاثون عاما من 1618 إلى 1648م أوروبا إلى ساحة للقتال. وفي ألمانيا وحدها قتل ثلث السكان البالغ عددهم 15 مليون شخص.