مسجد عمر رضي الله عنه وخلفه المسجد الأقصىيذكر جامع عمر الذي بني بجوار الكنيسة بفتح المسلمين، إلى جانب المسجد الأقصى الذي يحيي دائما ذكري إسراء ومعراج سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. ولسنوات طويلة اعتبر المسيحيون مكان الهيكل اليهودي خرابا لنفايات المدينة. ولكن عمر شارك بنفسه المسلمين في رفع النفايات من هذا المكان حيث شيد المسلمون مزارين لتوطيد الإسلام في ثالث أكثر المدن قدسية في العالم الإسلامي" 21.
"تحت الحكم الإسلامي عاش كل من المسلمين والمسيحيين واليهود في تسامح وسلام"
وبقدوم الحكم الإسلامي للقدس، أصبحت جنة آمنة حيث تعايش أصحاب الديانات الثلاث في ود وسلام.
كتب جون اسبوزيتو : "عندما فتحت الجيوش العربية القدس عام 638م، احتلت الأماكن الرئيسية التي يحج إليها المسيحيون، وترك المسيحيون الكنائس والبيوت باختيارهم دون قهر أو إجبار. وسمح لليهود بالعودة، وقد منعهم المسيحيون من العيش بالقدس، وخصوصا في مدينة سليمان وداود" 22.
عندما دخل الخليفة عمر القدس وقّع الاتفاق التالي مع حاكمها:
"بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين ايلياء (بيت المقدس) من الأمان، أعطاهم أمانا لأنفسهم وأموالهم وكنائسهم وصلبانهم وسقيمها وبريئها وسائر ساكنيها، أنه لا تسكن كنائسهم ولا تهدم ولا ينتقص منها ولا من خيرها، ولا من صليبهم ولا شيء من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم ولا يضار أحد منهم" 23.
باختصار، جلب المسلمون الحضارة للقدس وكل فلسطين، فبدلا من نظرة عدم الاحترام التي تواجدت تجاه الديانات الأخرى، وقتل أصحابها لمجرد اختلاف العقيدة، أتى الإسلام ليحكم بالعدل والتسامح والرحمة. فبعد فتح عمر لفلسطين، عاش فيها كل من المسلمين والمسيحيين واليهود في سلام وانسجام. ولم يحاول المسلمون استخدام القوة لتحويل الناس عن دينهم، وعندما رأى الناس حقيقة الدين الإسلامي، اعتنقوه بكل إرادتهم.
ساد السلام والتآلف فلسطين طوال فترة الحكم الإسلامي هناك. ولكن في نهاية القرن الحادي عشر أتت قوة خارجية لتحتل المنطقة، وسلبت تلك المنطقة المتحضرة من القدس بكل وحشية وبربرية، وبشكل لم يحدث من قبل ولم ير مثله. وكان أصحاب هذه البربرية هم الصليبيون .
وحشيية الصليبيّين
بينما كان أصحاب الأديان الثلاثة يعيشون معا بسلام في فلسطين، قرر مسيحيو أوروبا تنظيم حملة صليبية. وبناء على نداء البابا أوربان الثاني في 27 نوفمبر عام 1095م في مجلس كليرمونت، حُشد أكثر من 100.000 شخص من جميع أنحاء أوروبا لتحرير الأرض المقدسة واسترداد كنوز الشرق الأسطورية. وبعد رحلة طويلة ومرهقة، والكثير من المذابح على طول الطريق، وصل الصليبيون للقدس عام 1099م . وسقطت المدينة بعد حصار دام حوالي خمسة أسابيع، ودخلها الصليبيون وقاموا بأعمال وحشية قلّ أن شهد العالم مثيلا لها. وتعرض جميع المسلمين واليهود في المدينة للقتل والتنكيل.
في هذه المذبحة البشعة، تم القضاء على السلام والوئام الذي دام في فلسطين منذ عهد عمر بن الخطاب. وانتهك الصليبيون كل القيم الأخلاقية للمسيحية، دين الحب والرحمة، ونشروا الرعب باسم الدين.
عدل صلاح الدين الأيوبي
اتخذ الجيش الصليبي البربري من القدس عاصمة له، وأسست المملكة اللاتينية التي بدأت من فلسطين. وبالرغم من ذلك لم يدم وجود الصليبيين الذين جلبوا الوحشية معهم إلى فلسطين. فقد جمع صلاح الدين كل الممالك المسلمة تحت راية الجهاد، وهزم الصليبيين في معركة حطين عام 1187 . وبعد المعركة أسر قائدي الجيش الصليبي، أرنولد والملك جودفري، وأحضرا أمام صلاح الدين. وقام صلاح الدين بقتل أرنولد الذي اشتهر بمذابحه الفظيعة ضد المسلمين، ولكنه أطلق سراح الملك جودفري الذي لم يرتكب الجرائم نفسها. وعرفت فلسطين مرة أخرى المعنى الحقيقي للعدل.
بعد معركة حطين، وفي نفس تاريخ ليلة الإسراء والمعراج، دخل صلاح الدين القدس وحررها بعد 88 عاما من الاحتلال الصليبي. وكان الصليبيون قد قتلوا كل المسلمين في المدينة خلال هذه الأعوام، لذلك فقد خافوا أن يفعل بهم صلاح الدين الشيء نفسه. ولكن على العكس، لم يؤذ صلاح الدين أي مسيحي داخل المدينة. بل والأكثر من ذلك أنه أمر الكاثوليك بترك المدينة، وسمح للمسيحيين الأرثوذكس، الذين لا ينتمون للصليبيين بالبقاء في المدينة وممارسة شعائر دينهم بكامل حريتهم.
ومن كلمات جون اسبوزيتو : "كان الجيش المسلم شهما في نصره كما كان متماسكا في المعركة. فقد احترم المدنيين، ولم يمس الكنائس أو الأضرحة … وكان صلاح الدين صادقا في كلمته، رحيما تجاه المدنيين" 24.
وصفت كارن ارمسترونج الغزو الثاني للقدس بهذه الكلمات:
"في الثاني من أكتوبر عام 1187م ، دخل صلاح الدين وجيشه القدس فاتحين، وبقيت القدس بعد ذلك مدينة مسلمة لمدة 800 عام، ووفى صلاح الدين بعهده، وحكم المدينة طبقا لمبادئ الإسلام السامية . ولم ينتقم لمذبحة عام 1099م، تماما كما أمر القرآن "وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِالله وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ" (النحل : 127)









رد مع اقتباس


المفضلات