أحكام مهمة :
1-تفضيل بعض الأبناء على بعض لا يجوز ، وإنما المشروع في عطية الأولاد هو التسوية بينهم في العطاء على السواء ، ولا يجوز التفضيل إلا لمسوغ شرعي ، كأن يكون أحدهم مقعداً لا يستطيع العمل ، أو كونه صاحب عائلة كبيرة ولا يكفي راتبه بالإنفاق عليهم ، أو كونه مشتغلاً بطلب العلم ، وتصرف العطية عن بعض الأولاد بسبب فسقه ومعاصيه ، أو عقوقه لوالديه ، أو بدعته ، أو لكونه يعصي الله فيما يأخذه من العطية والهبة . وهذا هو قول الإمام أحمد رحمه الله ، فإنه قال في تخصيص أحدهم بالوقف : لا بأس إذا كان لحاجة ، وأكرهه إذا كان على سبيل الأثرة ـ يعني الإيثار ـ ، والعطية في معناه . ويجوز التفضيل إذا سمح بقية الأخوة بذلك .
أو كان أحد الأبناء يقوم على خدمة والده أو والدته والقيام بشؤونه ، فيجوز إعطاؤه بقدر أجرة المثل ولا يزيد على ذلك ، حتى لا يقع في التفضيل .
يقول الشيخ عبدالله البسام :
إذا خص الوالد بعض أولاده دون بعض ، أو فضله دون البعض الآخر بلا مسوغ شرعي ، ثم مات الوالد قبل أن يرجع فيما خص به ، ولا بما زاد به بعضهم على بعض ، فهل تمضي العطية لمن أُعطيها ، والإثم على الوالد المُفَضِل بينهم ؟ أم يرجع الورثة على المُعْطَى ويكونون فيها سواء ؟ [ سيأتي بيان آخر للمسألة فيما بعد إن شاء الله ] . ذهب جمهور العلماء إلى القول الأول ، ومنهم الأئمة الأربعة . والرواية الأخرى عن الإمام أحمد أن العطية لا تثبت ، وللباقي الرجوع ، واختاره ابن عقيل ، والعكبري ، والشيخ تقي الدين ، وصاحب الفائق ، واختاره الشيخ عبدالله بن محمد بن عبدالوهاب ، وهو قول عروة بن الزبير ، وإسحاق . [ توضيح الأحكام 4/265 ] .قلت : والقول الثاني هو الصحيح وهو الذي اختاره شيخ الإسلام وغيره من العلماء المتأخرين ، لما فيه من الظلم والله تعالى نهى عن الظلم وحرمه على نفسه وعلى عباده ، فكيف تمضي العطية وهي ظلم ، بل العدل كل العدل أن توزع بين الأخوة والأخوات ، حتى لا يقع النزاع والخصومة بينهم ، ويفضي ذلك إلى القطيعة والكراهية والبغضاء ، بل قد يقتتلون من أجل ذلك الأمر ، وقد يؤدي بهم ذلك إلى كراهية والدهم ، فحفظاً للأواصر وصلة الرحم ، وإبراءً للذمة ، وخلاصاً لوالدهم من الإثم ، كان الصحيح في ذلك هو توزيع العطية بين الورثة حسب ما جاء في كتاب الله تعالى ، للذكر مثل حظ الأنثيين .
2- من أراد قسمة شيء من ماله بين أولاده فيجب عليه أن يقسمه بين الذكور والإناث مثل الميراث ، للذكر مثل حظ الأنثيين ، وقال بعض العلماء بل يقسمه بالتساوي في حياته ، أما بعد الممات فيكون القسم للذكر مثل حظ الأنثيين كما أمر الله به ، وهذا مقتضى العدل ، ولعل الصواب في ذلك القول الثاني والعلم عند الله تعالى ، وهو أن يقسمه بالتساوي ، لما دل عليه حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما بعدم التفريق بين الذكر والأنثى ، وهذا هو قول جمهور العلماء . والذي اختارته اللجنة الدائمة للذكر مثل حظ الأنثيين ، لقول عطار رحمه الله : ما كانوا يقسمونه إلا على كتاب الله تعالى . وهذا مذهب الحنابلة ومحمد بن الحسن من الحنفية ، وقالوا : أن المشروع في عطية الأولاد القسمة بينهم على قدر ميراثهم ، أي للذكر مثل حظ الأنثيين ، لأن الله سبحانه وتعالى قسم لهم في الإرث هكذا ، وهو خير الحاكمين ، وهو العدل المطلوب بين الأولاد في الهبات والعطايا ، فلو بقي هذا العطاء إلا ما بعد وفاة المعطي فإنه سيقسم وفق المواريث ، أي للذكر مثل حظ الأنثيين ، فالله أعدل الحاكمين ، وقد حكم بذلك بين الأولاد ، فكان من الواجب اتباع الكتاب والسنة في ذلك .
3-ولا يجب على الإنسان التسوية بين أقاربه ولا إعطاؤهم على قدر ميراثهم ، لأن الأصل إباحة الإنسان التصرف في ماله كيف شاء ، ولا يصح قياسهم على الأولاد ، وهذا هو القول الراجح . [ توضيح الأحكام 4/266 ] .
4-فإن كان في بطن الأم حملاً ، فإنه ينتظر حتى يوضع فيقسم له مع أخوته بالتساوي ، وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى مسألة شبيهة بهذه المسألة .
سؤال :
رجل له بنتان ، وله امرأة مطلقة وهي حامل ، وكتب لابنتيه ألفي دينار ، وأربع أملاك ، ثم بعد ذلك ولد للمطلقة ولد ذكر ، ولم يكتب له شيئاً ، ثم بعد ذلك توفي الوالد وخلف موجوداً خارجاً عما كتبه لبنتيه ، وقسم الموجود بينهم على حكم الفريضة الشرعية ، فهل يفسخ ما كتب للبنات أم لا ؟
فأجاب :
هذه المسألة فيها نزاع بين أهل العلم ، إن كان قد ملك البنات تمليكا تاما مقبوضا . فإما أن يكون كتب لهن في ذمته ألفي دينار من غير إقباض ، أو أعطاهن شيئاً ولم يقبضه لهن : فهذا العقد مفسوخ ، ويقسم الجميع بين الذكر والأنثيين . وأما مع حصول القبض : ففيه نزاع . وقد روي أن سعد بن عبادة قسم ماله بين أولاده ، فلما مات ولد له حمل ، فأمر أبو بكر وعمر أن يعطى الحمل نصيبه من الميراث ، فلهذا ينبغي أن يفعل بهذا كذلك ، وعلى البنات أن يتقين الله ويعطين الابن حقه ، وأما إذا وصى لهن بعد موته فهي غير لازمة باتفاق العلماء ، والصحيح من قولي العلماء أن هذا الذي خص بناته بالعطية دون حمله ، يجب عليه أن يرده بعد موته ، طاعة لله ولرسوله ، واتباعاً للعدل الذي أُمر به ، واقتداءً بأبي بكر وعمر رضي الله عنهما . [ مجموع الفتاوى 31/276 ] .
5- ولا تجوز الزيادة لأحد من الأبناء على أحد باسم صدقة أو هبة أو بيع بأقل من ثمن المثل ، إلا إذا سمح الآخرون ، وكانوا مرشدين ، ويسري سماح كل واحد في حقه دون حق غيره ، فلا ينوب أحد عن أحد في التنازل .
6- ويحرم كتابة بيع وشراء صوري لا حقيقة له ، لأحد الأبناء دون الآخرين ، لأنه من الظلم والجور ، والتعدي على حقوق الآخرين . أما إن كان البيع حقيقياً فلا بأس بذلك ، لأن الابن في ذلك مثل الغريب في البيع والشراء .
7- والأفضل أن يترك الوالد قسمة أمواله إلا ما بعد موته ، حتى تكون ميراثاً للأبناء والبنات من بعده ، توزع وفق الشرع المطهر ، ويخرج من تبعة القسمة الغير عادلة .
8- ومن أصر على توزيع ماله على بعض أبنائه دون بعض أو تفضيل بعضهم على بعض ، فهو آثم والعياذ بالله ، وعليه أن يتق الله تعالى في أولاده وأن يعدل بينهم ، كما يحب هو أين يكونوا في بره سواء ، ومن أخذ شيئاً من الأبناء مما لا يحل له ، فهو آثم لمشاركته في الإثم والعدوان ، وجور الوالد أو الوالد في العطية ليس مسوغاً شرعياً بقبولها ، قال تعالى : " وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان " ، ومن أخذ أكثر من إخوانه يجب عليه رد الزيادة ، أو قبولها إذا كان في رده إغضاباً لوالديه ، ومن ثم توزيعها بالتساوي مع اخوته ، براءة للذمة ، وإنصافاً لإخوانه ، ورأفة بالوالد أو الوالدة من عقوبة الحيف والجور في العطاء .






رد مع اقتباس


المفضلات