المبحث الرابع توافق (الولاء والبراء) مع سماحة الإسلام:

بعد أن بيّنّا أدلّة عقيدة (الولاء والبراء) ، وعلاقتهما بأصل الإيمان ، فإنه لا يبقى هناك شك في أنها إحدى أُسُس الدين الإسلامي العظام . وهذا يعني أنّها لا بُدّ أن تصطبغ بصبغة الإسلام الكبرى ، وهي الوسطيّةُ والسماحة والرحمة .

فقد قال الله تعالى عن نبيّه صلى الله عليه وسلم : { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ } [الأنبياء 107] .

وقال تعالى : { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا } ( [البقرة 143] .

وقال تعالى : { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } [الحج 078] .

وقال تعالى : { يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ } [البقرة 185] .

فالمعادلة السهلة ، والنتيجة القطعيّة : أن (الولاء والبراء) ما دام أنه من الإسلام ، فهو وَسطٌ وسَمْحٌ ورحمة . لا يشك في هذه النتيجة مسلم ، ولا غير مسلم إذا كان منصفاً .

ومع ذلك فلا بُدّ من بيان عدم تعارض معتقد (الولاء والبراء) مع مبادئ الوسطيّة والسماحة والرحمة ، وذلك يظهر من خلال النقاط الآتية التي لا تزيد على أن تكون أمثلة لعدم تعارض (الولاء والبراء) مع سماحة الإسلام :

أوّلاً : لا يُجبر أحدٌ من الكفار الأصليِّين على الدخول في الإسلام .

قال الله تعالى : { لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ } [البقرة 256] .

ثانياً : أنّ لأهل الذمّة التنقّل في أي البلاد حيث شاؤوا ، بلا استثناء ، إلا الحرم . ولهم سكنى أي بلد شاؤوا من بلاد الإسلام أو غيرها ، حاشا جزيرة العرب .

وهذا كُلّه محلّ إجماع (1) ، إلا المرور بالحرم ففيه خلافٌ ، الراجح فيه عدم الجواز (2) .

ثالثاً : حفظ العهد الذي بيننا وبين الكفار ، إذا وَفَّوْا هُمْ بعهدهم وذمّتهم .

قال الله تعالى : { إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ } [التوبة 004] .

« وعن أبي رافع رضي الله عنه (وكان قبطيًّا) ، قال : بعثتني قريشٌ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أُلقيَ في قلبي الإسلام ، فقلت : يا رسول الله ، إني والله لا أرجع إليهم أبداً ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إني لا أخيس بالعهد ، ولا أحبس البُرُد . ولكن ارجع ، فإن كان في نفسك الذي في نفسك الآن ، فارجع)) . قال : فذهبتُ ، ثم أتيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فأسلمتُ » (3) .

يقول ابن حزم في (مراتب الإجماع) : (( واتفقوا أن الوفاء بالعهود التي نصَّ القرآنُ على جوازها ووجوبها ، وذُكرت بصفاتها وأسمائها ، وذُكرت في السنة كذلك ، وأجمعت الأمّة على وجوبها أو جوازها ، فإن الوفاء بها فرضٌ ، وإعطاؤها جائز )) (4) .

رابعاً : حرمة دماء أهل الذمّة والمعاهدين ، إذا وَفَّوْا بذمتهم وعهدهم .

قال صلى الله عليه وسلم : « من قَتَل معاهَدًا لم يرَحْ رائحةَ الجنة ، وإن ريحها يوجد من مسيرة أربعين عاماً » (5) .

وقال صلى الله عليه وسلم : « أيُّما رجلٍ أمِنَ رجلاً على دمه ثم قتله ، فأنا من القاتل بريء ، وإن كان المقتولُ كافراً » (6) .

خامساً : الوصيّة بأهل الذمّة ، وصيانة أعراضهم وأموالهم ، وحفظ كرامتهم .

قال صلى الله عليه وسلم : « إنكم ستفحتون أرضاً يُذكر فيها القيراط ، فاستوصوا بأهلها خيراً ، فإنّ لهم ذِمّةً ورحماً » (7) .

وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : (( أُوصي الخليفة من بعدي بذمّة الله وذمّة رسوله صلى الله عليه وسلم : أن يُوَفَّى لهم بعهدهم ، وأن يُقاتَل مِنْ ورائهم ، وأن لا يكلَّفُوا فوق طاقتهم)) (8) .

وقد ذكر ابن حزم شروط أهل الذمّة ، ثم نقل الاتفاق أنهم إذا فعلوا ذلك (( فقد حَرُمت دماءُ كُلِّ من وَفَّى بذلك ، ومالُه ، وأهلُه ، وظُلْمُهُ )) (9) .

سادساً : أن اختلاف الدين لا يُلْغي حقَّ ذوي القربى .

قال الله تعالى : { وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا } ( [لقمان 015] .

« وعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما ، قالت : قَدِمتْ عليَّ أُمّي ، وهي مُشركة ، في عهد قريش إذْ عاهدهم . فاسْتَفْتَيْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ، فقلتُ : يا رسول الله ، قدمت عليّ أُمّي وهي راغبة ، أفأَصِلُ أُمي ؟ قال : صِلِي أُمَّك » (10) .

سابعاً : أن البرّ والإحسان والعَدْلَ حقٌّ لكل مْنْ لم يقاتل المسلمين أو يُظاهر على قتالهم ، بل حتى المقاتل يجوز بِرُّهُ والإحسان إليه إذا لم يقوِّه ذلك على قتال المسلمين وأذاهم .

قال الله تعالى : { لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ }{ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ } [الممتحنة 008-009] .

وأمّا العَدْل فهو فرضٌ واجب لكل أحد ، حتى من نُبغضه بحقّ ، ممن عادانا وقاتلنا من الكفار .

يقول الله تعالى في ذلك : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } [المائدة 008] .

وقال تعالى : { وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ } [البقرة 190] .

ولذلك لا يجوز لنا أن نخون من خاننا ؛ لأن الخيانة والغدر ليسا من العدل .
قال صلى الله عليه وسلم : « أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك ، ولا تَخُنْ من خانك » (11) .

ولذلك فقد حذّر النبيّ صلى الله عليه وسلم من دُعاء المظلوم ولو كان كافراً ، فقال صلى الله عليه وسلم : « اتقوا دعوة المظلوم ، وإن كان كافراً ، فإنه ليس دونها حجاب » (12) .

وبذلك يؤكد الإسلام على فرض العدل مع غير المسلمين ، بأقوى تأكيد ، والعَدْلُ رأس كُلّ فضيلة .

فبهذه الأخلاق والآداب يُعامل المسلمون غيرَ المسلمين ، وهذه الأخلاقُ والآداب من دين الإسلام ، يأمرهم بها كتابُ ربهم وسُنَّةُ نبيّهم صلى الله عليه وسلم . وما دامت من دين الله تعالى ، فلا يمكن أن تتعارض مع حكم آخر من دين الله تعالى أيضاً ، وهو (الولاء والبراء) .

ولا شك أن بعضَ جهلة المسلمين (فضلاً عمّن سواهم) ظنّوا أن بين تلك الآداب و(الولاء والبراء) تعارضاً ، وأنه لا يُمكن أن يجمع المسلم بينهما . فمال بعضهم إلى التفريط في (الولاء والبراء) غلوّاً في تطبيق تلك الآداب ، ومال ببعضهم الآخر إلى الإفراط في تلك الآداب غلوًّا في (الولاء والبراء) . ودين الله وسط ، بين الغالي والجافي .

وبيان عدم تعارض تلك الآداب مع (الولاء والبراء) : أن تلك الآداب إذا أردنا أن تكون شرعيّةً محبوبةً لله تعالى ، فيجب أن نلتزم بها : طاعةً لأمر الله تعالى وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم ، مع بُغض الكفار لكفرهم ، ومع عدم نُصرة غير المسلمين على المسلمين ؛ فنحن نلتزم بتلك الآداب لا حُبًّا للكفار ، ولكن إقامةً للعدل والإحسان الذي أُمرنا به .

وقد عقد الإمام القرافي فصلاً لبيان الفرق بين الأمر بعدم موالاة الكفار والأمر ببر أهل الذمة منهم والإحسان إليهم ، قال فيه ( رحمه الله ) : " وإذا كان عقد الذمة بهذه المثابة تعيَّن علينا أن نبرهم بكل أمر لا يكون ظاهره يدل على مودات القلوب ، ولا تعظيم شعائر الكفر ، فمتى أدى إلى أحد هذين امتنع ، وصار من قبيل ما نُهي نهى في الآية وغيرها" (13) ، ثم فصل كلامه بذكر بعض الأمثلة . ويلحظ أن القرافي أطلق في مواطن أنّ المحرَّم هو الوُدُّ الباطن ، وإن كان سياق كلامه يدل على مقصوده . وهذا أوانُ تحرير هذه المسألة ، وهو من مُكمِّلات بيان سماحة معتقد الولاء والبراء .

ذلك أن الحُبَّ القلبي لغير المسلمين ليس شيئًا واحداً ، فمنه ما ينقض (الولاء والبراء) من أساسه ، ويَكْفُرُ صاحبُه بمجرّده . ومنه ما يَنْقُصُ من (الولاء والبراء) ولا يَنْقُضُهُ ، فيكون معصيةً تَنْقُصُ الإيمانَ ولا تنفيه . ومنه مالا يؤثر في كمال الإيمان وفي معتقد (الولاء والبراء) ، لكونه مباحاً من المباحات .

أمّا الحبّ القلبيُّ الذي يَنْقُضُ (الولاء والبراء) وينفي أساسَ الإيمان : فهو حُبُّ الكافر لكُفْره .

وأمّا الحبُّ القلبي الذي لا يصل إلى حدّ النَقْض ، لكنه يُنْقِصُ الإيمانَ ، ويدل على ضعفٍ في معتقد (الولاء والبراء) ، فهو : محبّة الشخص (كافراً أو مسلماً) لِفسْقِه أو لمعصيةٍ يقترفها . فهذا إثمٌ ولا شك ، ولكنه لا يصل إلى درجة الكفر لكونه لا ينافي أصل الإيمان ؛ إذْ لايزال في المسلمين من يحبّ المعاصي ويقترفها ، ولم يكفّرهم أحدٌ من أهل السنة . وهذا الحبّ قد يكون كبيرة من كبائر الذنوب ، وقد لا يكون كذلك ، بحسب حال المحبوب ومعصيته ، فمن أحبّ محبوباً لارتكابه الكبائر ، فهذا الحب كبيرة ، ومن أحبّه لصغيرة يرتكبها ، فلا يزيد إثمه على إثم من ارتكبها . وهذا التقرير واضح الالتئام ، بيِّنُ المأخذ ، بحمد الله تعالى .

وأمّا الحبّ المباح فهو الحب الطبيعي ، وهو الخارج عمَا سبق . كحبّ الوالد لولده الكافر ، أو الوَلَدِ لوالديه الكافرين ، أو الرجل لزوجه الكتابيّة ، أو المرْءِ لمن أحسنَ إليه وأعانه من الكفار . فهذا الحُبّ مباح ، ما دام لم يؤثر في بُغْضه لكفر الكافرين ، وفسق الفاسقين ، ومعصية العاصين . أمّا إذا أثّر في بُغْضه ، فإنه يعود إلى أحد القسمين السابقين ، بما فيهما من تفصيل

والدليل على أن الحُبّ الطبيعي للكافر قد لا يؤثّر في كمال الإيمان ، لكونه مباحاً ، بالشرط الآنف ذكره : قولُه تعالى عن نبيّه صلى الله عليه وسلم في وصف حاله مع عمِّه أبي طالب الذي مات على الكفر : { إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ } [القصص 056] (14) . فأثبت اللهُ تعالى على نبيّه صلى الله عليه وسلم محبَّةَ عمّه الكافر ، ولم يَعْتَبْ عليه هذه المحبّة ، ولا لامَهُ عليها ؛ فدلّ ذلك على عدم مخالفتها لكمال الإيمان ، وأنَّى تخالفه وقد وقعت من أكمل الناس إيماناً صلى الله عليه وسلم ؟!




(1) انظر : مراتب الإجماع لابن حزم (122) ، وانظر أحكام أهل الذمة لابن القيم (1 / 175- 191)
(2) انظر : أحكام أهل الذمة لابن القيم (1 / 188 - 191) .
(3) أخرجه الإمام أحمد (رقم 23857) ، وأبو داود (رقم 2752) ، والنسائي في الكبرى (رقم 8621) ، وابن حبان في صحيحه (رقم 4877) . وإسناده صحيح .
(4) مراتب الإجماع لابن حزم (123) .
(5) أخرجه البخاري (رقم 3166) .
(6) أخرجه الإمام أحمد (رقم 21946 ، 21947 ، 21948) ، والبخاري في التاريخ الكبير (3 / 322 - 323) ، والنسائي في الكبرى (رقم 8739- 8740) ، وابن ماجة (رقم 2688) ، وابن حبان في صحيحه (رقم 5982) ، والحاكم وصححه (4 / 353) ، من حديث عَمرو بن الحمق رضي الله عنه . والحديث صحيح
(7) أخرجه مسلم (رقم 2543) .
(8) أخرجه البخاري (رقم 1392) .
(9) مراتب الإجماع (116) .
(10) أخرجه البخاري (رقم 2620 ، 3183 ، 5978 ، 5979) ، ومسلم (رقم 1003) (11) أخرجه أبو داود (رقم 3529) ، والترمذي وحَسّنه (رقم 1264) ، والحاكم وصححه (2 / 46) وإسناده لا ينزل عن درجة الحسن . وله شواهد: انظر : سنن أبي داود (رقم 3528) ، ومسند الإمام أحمد (رقم 15424) .
(12) أخرجه الإمام أحمد (رقم 12549) ، وابن معين في تاريخه (رقم 5281) ، والضياء في المختارة (7 / 293-294 رقم 2748 - 2749) ، وفي إسناده رجل فيه جهالة . لكن للحديث شواهد : فانظر : السلسلة الصحيحة للألباني (رقم 767) ، ومسند الإمام أحمد (رقم 8795) . ويشهد له قصةٌ في صحيح البخاري (رقم 439 ، 3835) ، وانظر تعليق الحافظ ابن حجر على هذا الحديث في فتح الباري (1 / 535) .
(13) الفروق للقرافي (3 / 15-16) .
(14) قال الطبري في تفسيره (18 / 282) : (( إنك يا محمد لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ هدايته وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ أن يهديه من خَلْقه ، بتوفيقه للإيمان بالله وبرسوله . ولو قيل : معناه : إنك لا تهدي من أحببته ؛ لقرابته منك ، ولكن الله يهدي من يشاء = كان مذهباً )) .