بسم الله الرحمن الرحيم

مختـــــــارات


فكرة " حوار الأديان " سلاح من أسلحة تدمير الإسلام.

الجزء الثاني




بعد أن تابعنا في الفصل الأول نشأة فكرة حوار الأديان تاريخيا، ووقت ظهورها بشكل رسمي ودولي، والمراكز التابعة لها في العالم، والجهات التي ترعاها، والشخصيات النشطة في الدعاية لها، نأتي الآن لبحث الخلفية العقائدية والفكرية والثقافية والسياسية لهذه الفكرة، وننظر في أعماقها وأبعادها. أو بالأحرى لنقف على أهم الأفكار الجزئية التي تقوم عليها هذه الدعوة المشبوهة. وللعلم, فإنّ هذه الفكرة الخبيثة اتخذ لها الكفار وعملاؤهم شعارات جذابة ومغرية، ليسهل ترويجها داخل العالم الإسلامي. من مثل شعار: " الاتحاد ضد قوى الكفر والإلحاد", وشعار " التعايش السلمي بين الأديان", وشعار " التسامح الديني", وشعار " السلام العالمي" و"الإخاء الإنساني", إلى غير ذلك من شعارات التمويه والتضليل, ليصطادوا بها السذج والمغفلين من أبناء هذه الأمة المستهدفة. وإذا أردنا أن ننظر فيما وراء هذه الشعارات من أفكار، فإننا سنجد ما يلي:


أولا : يقولون لابد من مواجهة قوى الكفر والإلحاد المتمثلة في التيارات المادية الملحدة, " كتيار الفكر الشيوعي الملحد " المتجسد في الاتّحاد السوفيتي قبل انهياره. ولهذا فإنّ التعايش بين الأديان والحوار فيما بينها ضرورة ملحّة, لأن الإلحاد يهدد الأديان السماوية, ويهدد منجزاتها الحضارية. وبناء على هذا الادعاء عقدوا المؤتمرات المكثفة في نواح شتى من العالم, وحرصوا على أن يشترك فيها كل من كان ينتمي إلى عقيدة من العقائد المختلفة الموجودة في العالم, " كالهندوسية, والبوذية, والسّيخية, وغيرها من العقائد الوثنية, إلى جانب الإسلام, والنصرانية, واليهودية, كما حصل ذلك في المؤتمر العالمي " للدين والسلام " في اليابان, وفي ندوة بيروت, في لبنان عام 1970 م"(1).

وتبعا لهذا النداء الماكر إلى اتّحاد الأديان ضد قوى الإلحاد, قام المؤتمرون بوضع توصيات يطالبون فيها بإنجاز مشاريع تجسّد هذا الاتحاد عمليا. فنادوا بإنشاء مجلس عالمي للأديان, وببناء مركب ضخم للأديان, حيث يكون فيه مسجد, وكنيسة, ومعبد. وكذلك طالبوا بطباعة الكتب السماوية الثلاثة في غلاف واحد. أي الجمع بين القرآن والإنجيل والتوراة, وجعلهم في كتاب واحد, تحت غلاف واحد, حيث تجسد على هذا الغلاف الرموز الدينية الثلاث، الهلال والصليب ونجمة داود. وهكذا نفهم من خلال هذه الدعوة الخبيثة أنهم يسعون إلى إلغاء تميز الإسلام وتفوقه على باقي الملل والنحل المنحرفة .


ثانيا : قامت هذه الدعوة بالمناداة إلى جمع القواسم المشتركة بين الأديان الثلاثة, وهذه القواسم حسب زعمهم تشمل العقيدة والأخلاق, والقيم، والثقافة. وكان الغرض من هذه الدعوة هو خلق دين جديد ملفق يعتنقه المسلمون بدلا عن دين الإسلام، حيث تتغير فيه المصطلحات القديمة بمصطلحات جديدة، لها معان وأبعاد أخرى غير المتعارف عليها في الإسلام، كمعنى الإيمان والكفر، والشرك والإلحاد. ومن ثم تلغى عوامل التفرقة بين أتباع الأديان الثلاثة. وبالتالي تنطفئ شعلة العقيدة الإسلامية في نفوس أبنائها، وتمحى أثارها من الحياة وتصبح مجرد عقيدة روحية، لا علاقة لها بالسياسة وحياة المجتمع، مثلها مثل عقيدة النصارى وغيرهم من الملل الوثنية. وبهذا الشكل يتم القضاء نهائيا على تطلعات الإسلام لقيادة العالم مرة أخرى كما كان الحال عليه قبل سقوط الخلافة الإسلامية, وتتفرد الحضارة الرأسمالية العلمانية لقيادته بنظامها العالمي الجديد.

ولتحقيق هذا الهدف، كان لا بد من تشكيل عقلية المسلم الحالي تشكيلة جديدة، وصياغة شخصيته صياغة توافق طموحات الغرب الكافر. بحيث تزال عنه المناعة الثقافية التي يقاوم بها أي دخيل، وينتهي الحال به إلى الجمود والخمول والقعود عن واجب حمل رسالة الإسلام, وتبليغه إلى العالم عن طريق الجهاد, تنفيذا لقوله عز وجل { هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ } }التوبة :9/33{. بل الأمر لا يقف عند حد القعود عن حمل رسالة الإسلام، وإنما يتعداه إلى إفساد المشاعر وقتل الحميّة الإسلامية في نفوس المسلمين، وإفساد ذوقهم الإسلامي. فيصبح المسلم لا يتأفف من الكفر ولا يبغضه، ولا يبغض أهله, ولا تشمئز نفسه من رؤية المنكر، ولا تأمره بالنهي عنه، ولا تحدثه بالأمر المعروف، بل لا يأبه به إطلاقا. وهكذا تزاح كل العقبات من أمام الغرب الكافر ليهيمن على العالم الإسلامي بشكل دائم.


ثالثا : يزعمون أن الحق نسبي, ويقولون إن الحقيقة المطلقة لا تكمن في دين بذاته ولا في مذهب من المذاهب الفكرية والفلسفية. وعليه لا يمكن لأحد أن يدعي فيما يعتقده هو، أنه الحق المطلق. لأنّ في هذا الادّعاء تسفيها للآخر ورفضا له. وهذا في حد ذاته خطر يهدد البشرية. حيث إنّ مثل هذا الادّعاء يولد الكره والبغضاء والنزاعات. وقد تتفاقم وتتراكم هذه النزاعات والخلافات لتنتهي بالصراعات الدموية, كما حدث ذلك في العصور الوسطى.


وكلامهم هذا يعني أنه لا يوجد في الدنيا شيء اسمه حقيقة مطلقة, بل كل ما فيها نسب من الحقائق موزعة بين الأديان والمذاهب الفكرية والفلسفات الإلحادية. وبالتالي فإن الإسلام ليس هو الدين الحق كما يزعم أتباعه, ولا يجوز لهم بحال من الأحوال أن يدّعوا ذلك، أو يقولوا إن الحقيقة المطلقة هي ملك أيديهم. وعليه لا بد من إعادة صياغة مناهج التعليم، وتنقيتها من النصوص التي تتحدث عن الحق والباطل كقوله تعالى:

{ وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَاً لَّمِنَ الظَّالِمِينَ (145) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (146) الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ }البقرة :2/145-147

وقوله { وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ }المائدة :5/48.

وقوله { قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ }التوبة :9/29 .


رابعا : يقولون : إنّ أنبياء ورسل الديانات المختلفة, دعوا كلهم إلى الإسلام, وهم في النهاية كلهم مسلمون. فلماذا إذاً هذا التمايز بين الأديان, أو تفويض دين على آخر؟. واحتجّوا على ذلك بما ورد في كتاب المسلمين, أي القرآن الكريم, كقوله تعالى على لسان سيدنا نوح عليه السلام :

{ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ }يونس : 10/72

وقوله على لسان سيدنا إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام { رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ }البقرة :2/128

وكقوله تعالى على لسان سيدنا موسى عليه السلام { وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ }يونس :10/84

وقوله على لسان الحواريين أتباع سيدنا عيسى عليه السلام { فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللّهِ آمَنَّا بِاللّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ }آل عمران :3/52

إلى غير ذلك من الآيات التي ورد فيها ذكر لفظتي إسلام ومسلمين. وهذا الاحتجاج باطل، وفيه تلاعب بمعاني الألفاظ والمصطلحات, وإفراغ لها من مدلولاتها اللغوية والاصطلاحية. إذ كلمة " مسلمون " الواردة في الآيات تعني " منقادون " ولا تعني أنهم اعتنقوا دينا واحدا, ألا وهو دين الإسلام الذي أنزله الله على خاتم الأنبياء سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم , لأن الإسلام لم يكن معروفا لديهم, ولم يخاطبوا به, وإنما كان لكل قوم منهم رسول خاص بهم, يدعوهم إلى شريعة خاصة, قال تعالى :

{ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً }المائدة :5/48

فالمعنى إذا لكلمة " مسلمون " الواردة في هذه الآيات التي احتجوا بها تعني " الانقياد " لله عز وجل, ولا تعني غير ذلك. " ولكن بعد نزول القرآن على سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم عمد الوحي إلى بعض الألفاظ العربية, فنقل معناها من الوضع اللغوي, إلى المعنى الشرعي, بينته النصوص الشرعية, من قرآن وسنة. ومن هذه الألفاظ المنقولة من المعنى اللغوي إلى الاصطلاح الشرعي كلمة " الإسلام " التي كانت تعني في اللغة " الانقياد " فصارت تعني شرعا, الدّين الذي أنزله الله على رسوله محمد صلى الله عليه وآله وسلم , وأمر الناس كافة باتّباعه, قال عز وجل مخاطبا الناس جميعا, وإلى يوم القيامة :

{ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ }آل عمران :3/85. "(2)

وقوله { الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً }المائدة :5/3 .

" وبعد هذا النقل الشرعي لمعنى كلمة " الإسلام " صارت الألفاظ المشتقة منها, كالفعل واسم الفاعل " أسلم, مسلم ", إذا أطلقت دون قرينة دلت على المعنى الشرعي فقط, وإن أريد بها المعنى اللغوي الوضعي, احتاجت إلى قرينة تصرفها عن معناها الشرعي, كقوله تعالى :

{ مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}آل عمران:3/67.

فهذه الآية لا تعني أن سيدنا إبراهيم عليه السلام كان على الدّين الذي أنزله الله على سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم , وإنما تعني أن سيدنا إبراهيم كان منقادا لله فيما أنزله عليه, ولم يكن على الدّين الذي حرّفه اليهود والنصارى,"(3) وزعموا أنه من عند الله, افتراء عليه سبحانه وتعالى, وعلى أنبيائه, عليهم جميعا صلوات ربي وسلامه.


يتبع بقية الجزء الثاني