من دلائل النبوة

آخـــر الـــمـــشـــاركــــات


مـواقـع شـقــيـقـة
شبكة الفرقان الإسلامية شبكة سبيل الإسلام شبكة كلمة سواء الدعوية منتديات حراس العقيدة
البشارة الإسلامية منتديات طريق الإيمان منتدى التوحيد مكتبة المهتدون
موقع الشيخ احمد ديدات تليفزيون الحقيقة شبكة برسوميات شبكة المسيح كلمة الله
غرفة الحوار الإسلامي المسيحي مكافح الشبهات شبكة الحقيقة الإسلامية موقع بشارة المسيح
شبكة البهائية فى الميزان شبكة الأحمدية فى الميزان مركز براهين شبكة ضد الإلحاد

يرجى عدم تناول موضوعات سياسية حتى لا تتعرض العضوية للحظر

 

       

         

 

    

 

 

    

 

من دلائل النبوة

النتائج 1 إلى 8 من 8

الموضوع: من دلائل النبوة

العرض المتطور

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Feb 2010
    المشاركات
    451
    الدين
    الإسلام
    آخر نشاط
    26-06-2013
    على الساعة
    04:00 AM

    افتراضي

    جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، فيقول: كان النبي يقوم يوم الجمعة إلى شجرة أو نخلة، فقالت امرأة من الأنصار: يا رسول الله، ألا نجعل لك منبراً؟ قال: ((إن شئتم)). فجعلوا له منبراً.
    فلما كان يوم الجمعة خرج إلى المنبر، فصاحت النخلة صياح الصبي، ثم نزل النبي ، فضمها إليه، تئن أنين الصبي الذي يُسكَّن، قال جابر: كانت تبكي على ما كانت تسمع من الذكر عندها.
    قال ابن حجر: "إن حنين الجذع وانشقاق القمر نُقل كلٌ منهما نقلاً مستفيضاً، يفيد القطع عند من يطَّلع على طرق ذلك من أئمة الحديث ".
    قال البيهقي: "قصة حنين الجذع من الأمور الظاهرة التي حملها الخلف عن السلف , ورواية الأخبار الخاصة فيها كالتكلف". أي لشهرتها وذيوع أمرها.
    قال الشافعي: ما أعطى الله نبياً ما أعطى محمداً , فقال له عمرو بن سواد: أعطى عيسى إحياء الموتى! قال: أعطى محمداً حنينَ الجِذعِ حتى سمع صوته , فهذا أكبر من ذلك".
    قال ابن كثير: "وإنما قال: فهذا أكبر منه؛ لأن الجذع ليس محلاً للحياة، ومع هذا حصل له شعور ووجد لما تحوّل عنه إلى المنبر، فأَنَّ وحنَّ حنين العِشار [أي الناقة الحامل]، حتى نزل إليه رسول الله ، فاحتضنه.. ".

    تكثير الطعام والشراب والوضوء ببركة النبي


    وإن من المعجزات الخارقة لعادات البشر التي تشهد بالنبوة للأنبياء ما يجعله الله على أيديهم من البركة التي ينتفع بها الناس.
    قال الله على لسان نبيه المسيح: قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبياً وجعلني مباركاً أين ما كنت ‎وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حياً (مريم: 30-31).
    ونبينا أيضاً كان نبياً مباركاً، وكان ما ساقه الله من البركة على يديه دليلاً ساطعاً وبرهاناً دامغاً على نبوته ورسالته.
    وقد كثُرت في ذلك الأخبارُ وتكاثرت وهي تتحدث عما كتب الله من تكثير القليل ببركة نبيه، وحملتها إلينا الأسانيد الصحاح التي بلغتْ بها مَبلغَ التواتر، قال النووي: "وقد تظاهرت أحاديثُ آحادٍ بمثل هذا، حتى زاد مجموعها على التواتر، وحصل العلمُ القطعيُ بالمعنى الذي اشتركت فيه هذه الآحاد، وهو انخراق العادة بما أتى به من تكثيرِ الطعامِ القليلِ الكثرةَ الظاهرة، ونبعِ الماء وتكثيرِه، وتسبيحِ الطعام، وحنينِ الجِذْعِ وغيرِه ... ".
    ومن هذه الأخبار الكثيرة التي تواتر معناها ما رواه لنا جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حيث قال: تُوفي أبي وعليه دينٌ، فعرضتُ على غرمائه في الدَّين أن يأخذوا التمر بما عليه، فأبوا، ولم يروا أن فيه وفاءً.
    يقول جابر: فأتيتُ النبي فذكرتُ ذلك له، فقال: ((إذا جَدَدتَه فوضعتَه في المِرْبد آذنتَ رسول الله ))، أي طلب منه إذا جمع التمر في مكانه أن يخبر النبي .
    قال جابر: فجاء رسول الله ومعه أبو بكر وعمر، فجلس على المِربَد، ودعا بالبركة، ثم قال : ((ادعُ غُرَماءَك فأوفِهم))، قال جابر: فما تركتُ أحداً له على أبي دَيْنٌ إلا قضيتُه، وفَضَل ثلاثةَ عشر وسْقاً ...
    فوافيتُ مع رسول الله المغرِب، فذكرتُ ذلك له، فضحك، وقال: ((ائت أبا بكر وعمر فأخبرهُما))، فقالا: لقد علمنا إذ صنعَ رسول الله ما صنعَ أنْ سيكون ذلك. أي أن أبا بكر وعمرَ توقعا أن يقضي التمرُ - مع قِلّته - الدَّين ، وذلك ليَقِينهما ببركة النبي .
    قال ابن حجر: " وفيه عَلم ظاهر من أعلام النبوة، لتكثيرِ القليل إلى أن حصل به وفاء الكثير، وفَضَل منه".
    وأعجب منه رآه جابر في يوم آخر، وذلك يوم الخندق، فقد رأى بالنبي جوعاً شديداً، يقول: فانكفأْتُ إلى امرأتي، فقلتُ لها: هل عندك شيء؟ فإني رأيت برسول الله خَمَصَاً شديداً، قال: فأخرجَت لي جِراباً فيه صاعٌ من شعير، ولنا بهيمةٌ داجنٌ، فذبحتُها ...
    ثم ولّيتُ إلى رسول الله ، فقالت امرأةُ جابر: لا تفضحني برسول الله ومن معه.
    لقد خشيتْ أن يدعو جمْعاً لا يكفيه الطعام، فتفضح بين النساء بعجزها عن إطعامهم.
    يقول جابر: فجئتُه فسارَرْتُه، فقلتُ: يا رسول الله، إنا قد ذبحنا بهيمة لنا، وطحنتُ صاعاً من شعير كان عندنا، فتعال أنت في نفرٍ معك.
    يقول جابر: فصاح رسول الله وقال: ((يا أهل الخندق، إن جابراً قد صنع لكم سُوراً، فحيَّ هلاً بكم)).
    وقال رسول الله لجابر: ((لا تُنزلِنَّ بُرمَتكم، ولا تخبِزُنَّ عجينَتَكم حتى أجيء)).
    قال جابر: فجئت وجاء رسول الله يَقْدُمُ الناسَ حتى جئتُ امرأتي، فقالت: بكَ وبكَ.
    لقد لامته وقرّعته على دعوةِ العدد الكبير إلى طعامهم القليل، إذ ظنت أنه أهمل طلبتها.
    يقول جابر: فقلتُ: قد فعلتُ الذي قلتِ لي.
    قال جابر: فأخرجتُ له عجينتنا، فبصق فيها وبارك، ثم عمَد إلى بُرْمَتِنا، فبصق فيها وبارك، ثم قال لامرأتي: ((ادعي خابزةً فلتخبز معَكِ، واقدحي من بُرْمتِكم ولا تُنـزِلوها)).
    قال جابر: وهم ألفٌ، فأقسم بالله، لأكلوا حتى تركوه .. وإن بُرْمَتنا لتغِطُّ كما هي، وإن عجينتنا لتُخبَز كما هو.
    لقد أطعم النبي ألف رجل من طعام لا يكاد يكفي البضعَ من الرجال، يقول النووي: "حديث طعام جابر فيه أنواع من فوائد وجُمَل من القواعد: منها: الدليلُ الظاهر والعلم الباهر من أعلام نبوةِ رسول الله ... وقد تضمن هذا الحديث عَلَمَينِ من أعلام النبوة: أحدُهُما: تكثيرُ الطعام القليل، والثاني: عِلمُه بأن هذا الطعام القليل الذي يكفي في العادة خمسةَ أنفسٍ أو نحوَهم سيَكْثُر، فيكفي ألفاً وزيادة، فدعا له ألفاً [أي من أصحابه] قبل أن يصل إليه، وقد عُلم أنه [أي طعامُ جابر] صاعُ شعير وبهيمة".
    وأعجب منه وأعظم في البركة ما قصّه علينا عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما حين قال: كنا مع النبي ثلاثين ومائة، فقال النبي : ((هل مع أحدٍ منكم طعام؟)) فإذا مع رجل صاعٌ من طعام أو نحوُه، فعُجِن، ثم جاء رجلٌ مشرك مُشعَانٌ طويلٌ بغنم يسوقها، فقال النبي : ((بيعاً أم عطية؟ أو قال: هِبة؟)) فقال: لا، بل بيع، فاشترى منه شاةً، فصُنِعَت.
    وأمر النبي بسواد البطن [أي الكبد] أن يُشوى، وأيْمُ الله ما في الثلاثين والمائة إلا قد حَزّ له رسول الله r حُزَّة من سواد بطنها، إن كان شاهداً أعطاه إياه، وإن كان غائباً خبّأ له، فجعل منها قصعتين، فأكلوا أجمعون، وشبعنا، فَفَضَلت القصعتان، فحملناه على البعير.
    قال النووي: " وفي هذا الحديث معجزتان ظاهرتان لرسول الله : إحداهما: تكثيرُ سوادِ البطن حتى وسِع هذا العدد، والأخرى تكثير الصاع ولحم الشاة حتى أشبعهم أجمعين ، وفَضَلَت منه فَضْلةً حملوها لعدم حاجة أحد إليها".
    وأدرك أبو هريرة ما عليه النبي من البركة، فطمع أن ينال حظه منها، فأتى النبي بتمرات فقال: يا رسول الله، ادع الله لي فيهن بالبركة، قال: فصَفّهن بين يديه، ثم دعا، فقال لي: ((اجعلهن في مِزْود [وعاء]، وأدخل يدك ولا تَنثُرْه)) قال: فحملت منه كذا وكذا وسْقاً في سبيل الله، ونأكل ونطعِم، وكان لا يفارق حقوي [أي معْقِدَ الإزار].
    فلما قُتل عثمان رضي الله عنه انقطع المِزود عن حقويّ، فسقط.
    لقد بقي يأكل من الجراب زُهاء خمس وعشرين سنة، كل ذلك ببركة النبي ، ليكونَ شاهداً آخرَ على نبوة النبي .
    ولهذا ولغيره لما أورد القاضي عياض أحاديثَ بركات النبي من تكثير الطعام وبركة الدعاء قال: "وقد اجتمع على معنى حديثِ هذا الفصلِ بضعةَ عشر من الصحابة، رواه عنهم أضعافُهم من التابعين، ثم من لا ينعدُّ بَعدَهم، وأكثرها في قصصٍ مشهورة ومجامعٍ مشهودة، ولا يمكن التحدّث عنها إلا بالحق، ولا يسكت الحاضرُ لها على ما أُنكِر منها".
    وهكذا فإنه يرى هذه الأخبار منقولةً بطريق أشبه التواتر، فقد شهد كلَّ واحدة منها الكثيرون من الصحابة وغيرِهم، فلم يعارِض أحدٌ رواتَها، وهم يروون هذه الأخبار لشهرتها وصدقها.
    ويخرج سلَمةَ بنِ الأكوع مع رسول الله في غزوة فيصيبهم جَهدٌ، حتى همّوا بنحر بعض إبِلِهِم، يقول سلمة: فأمر نبي الله ، فجمعنا مزاوِدَنا، فبسطنا له نِطَعاً، فاجتمع زاد القوم على النِطَع.
    قال سلمة: فتطاولتُ لأَحزِرَه كم هو؟ فحَزرْتُه كرَبضة العنْز ، ونحن أربعَ عشرةَ مائة، قال: فأكلنا حتى شبعنا جميعاً، ثم حشونا جُرُبَنا، فقال نبي الله : ((فهل من وضوء؟)) قال: فجاء رجلٌ بإدَاوةٍ له، فيها نُطفَة [أي القليل من الماء]، فأفرغها في قَدَح، فتوضأْنا كلُنا.
    قال النووي: " وفي هذا الحديث: معجزتان ظاهرتان لرسول الله ، وهما: تكثيرُ الطعام، وتكثير الماء هذه الكثرةَ الظاهرة، قال المازِرِي: في تحقيق المعجزة في هذا، أنه كلما أُكِل منه جزءٌ أو شُرِب جزء، خلق الله تعالى جزءاً آخر يخلُفُه ".
    ومن أخبار بركاته المتكاثرة المتواترة في معناها، ما يرويه أبو هريرة ، فلنستمع إليه وهو يقول: كنا مع النبي في مسير، قال: فنفِدَت أزواد القوم، حتى هَمّوا بنحر بعضِ حمائلهم. فقال عمر: يا رسول الله، لو جمعتَ ما بقي من أزواد القـوم، فدعوتَ اللهَ عليها.
    قال أبو هريرة: ففعل .. فدعا عليها، حتى ملأ القومُ أزْوِدَتهم. فقال عند ذلك: ((أشهد أن لا إله إلا الله ، وأني رسول الله، لا يلقى الله بهما عبدٌ غيرَ شاك فيهِما، إلا دخل الجنة)).
    لقد بارك الله فيما تبقى من أزوادهم، فكَثُر قليلُ طعامهم ببركة النبي ، قال النووي: "وفي هذا الحديث عَلم من أعلام النبوة الظاهرة، وما أكثرَ نظائره التي يزيد مجموعها على شرط التواتر، ويحصل العلم القطعي، وقد جمعها العلماء، وصنفوا فيها كتباً مشهورة".
    وفي دليل آخر من دلائل نبوته يروي الشيخان في الصحيحين أن أبا طلحة دخل ذات يوم على زوجه أمِ سُلَيم، فقال لها: لقد سمعتُ صوتَ رسول الله ضعيفاً أعرف فيه الجوع، فهل عندك من شيء؟ قالت: نعم.
    قال أنس: فأخرجتْ [أي أمَّه أُم سُليم] أقراصاً من شعير، ثم أخرجت خماراً لها، فلفّتِ الخبز ببعضه، ثم دسّته تحت يدي، ولاثتني ببعضه [أي لفتني ببعضه]، ثم أرسلتني إلى رسول الله .
    فذهبتُ به، فوجدتُ رسول الله في المسجد ومعه الناس، فقُمتُ عليهم، فقال لي رسول الله : آرسلكَ أبو طلحة [أي: هل أرسلكَ أبو طلحة]؟ فقلت: نعم. قال: بطعام؟ فقلت: نعم. فقال رسول الله لمن معه: قوموا.
    قال أنس: فانطلق وانطلقتُ بين أيديهم، حتى جئت أبا طلحة فأخبرتُه، فقال أبو طلحة: يا أم سُليم، قد جاء رسول الله بالناس، وليس عندنا ما نطعِمُهم. فقالت: الله ورسولُه أعلم.
    فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسولَ الله ، فأقبل رسولُ الله وأبو طلحةَ معه، فقال رسول الله : هلُمي يا أم سُليم، ما عندك؟
    فأتت بذلك الخبز، فأمر به رسول الله ففُتَّ، وعَصرت أُمُّ سليمٍ عُكَّةً [قربةً فيها سمنٌ] فأَدَمَتْه [أي جعلتْه إداماً]، ثم قال رسول الله فيه ما شاء الله أن يقول [أي من دعاء الله بالبركة].
    ثم قال عليه الصلاة والسلام: ((ائذن لعشرةٍ))، فأذن لهم، فأكلوا حتى شبعوا، ثم خرجوا، ثم قال: ((ائذن لعشرة)). فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا .. [وهكذا] فأكل القوم كلُّهم وشبعوا، والقوم سبعون أو ثمانون رجلاً.
    قال النووي: "قوله : (( آرسلك أبو طلحة؟)) وقوله: ((ألطعامٍ؟)) هذان عَلَمان من أعلام النبوة [أي لإخباره بما غاب عنه], وذهابُه بهم علَم ثالثٌ [أي لعلمه بحصول البركة] , وتكثيرُ الطعام عَلَم رابع ".
    وهذه القصة وأمثالُها حضرها الجمع من الصحابة، ولا يمكن الكذب في مثل هذه الأخبار لكثرةِ شهودها وظهورِ خبرها بين الناس.
    قال النووي: " إذا روى الصحابي مثل هذا الأمر العجيب, وأحال على حضوره فيه مع سائر الصحابة, وهم يسمعون روايته ودعواه, أو بلَغهم ذلك ولا ينكرون عليه, كان ذلك تصديقاً له يوجب العلم بصحة ما قال".
    وذات مرة كان النبي وأصحابه في سفر ، فاشتكى إليه الناس من العطش، فنزل، فدعا اثنين من أصحابه، فقال: ((اذهبا فابتغيا الماء))، فانطلقا، فتَلقيا امرأةً بين مزادتين من ماء، على بعير لها .. فاستنزلوها عن بعيرها، ودعا النبي بإناء، ففرَّغَ فيه من أفواهِ المزادتين، وأوْكأ أفواهَهما .. ونُودي في الناس: اسقوا واستقوا، فسقى من شاء، واستقى من شاء.
    وأما المرأةُ صاحبةُ المزادتين، فكانت قائمةً تنظر إلى ما يُفعل بمائها، وأيم الله لقد أقلع عنها، وإنه ليُخيَّل إلينا أنها أشدُ مِلأَة منها حين ابتدأ فيها.
    وأراد النبي تطييب خاطرها، فقال: ((اجمعوا لها من بين عجوة ودقِيقَة وسَويقَة)) حتى جمعوا لها طعاماً، فجعلوها في ثوب، وحملوها على بعيرها، ووضعوا الثوب بين يديها، وقـال لها : ((تعلمين ما رَزِئْنا من مائِكِ شيئاً [أي لم نُنقِص منه شيئاً]، ولكن الله هو الذي أسقانا)).
    فأتت المرأة أهلها وقد احتبست عنهم، قالوا: ما حبسك يا فلانة؟ قالت: العجبُ، لقيني رجلان، فذهبا بي إلى هذا الذي يقال له: الصابئ، ففعل كذا وكذا، فواللهِ إنه لأسحر الناس من بين هذه وهذه، [أي السماء والأرض] أو إنه لرسولُ الله حقاً. ثم دعت قومها للإسلام، فأسلموا.
    لقد استدلت المرأة على صدق النبي ونبوته بما رأته من دليل باهر ومعجزة عظيمة حصلت ببركة النبي ، وكيف لا تعجب وقد شرب القوم من مائها القليل، فكفاهم رغم كثرتهم، من غيرِ أن يَنقُص شيء من مائها.
    قال ابن حجر: " وقد اشتمل ذلك على عَلمٍ عظيمٍ من أعلام النبوة ... وظاهره أن جميع ما أخذوه من الماء مما زاده الله تعالى وأوجده, وأنه لم يختلط فيه شيء من مائها في الحقيقة وإن كان في الظاهر مختلِطًا, وهذا أبدعُ وأغربُ في المعجزة .. ويُحتمل أن يكون المراد: ما نَقصْنَا من مِقدار مائِك شيئاً ".
    وخرج النبي وأصحابه في سفر آخر فقال: ((إنكم إنْ لا تدركوا الماء غداً تعطشوا)) ... ثم سار وسرنا هُنَيهةً، ثم نزل، فقال: ((أمعكم ماء؟)) قال أبو قتادة: قلتُ: نعم، معي ميضأة فيها شيء من ماء.
    فقال : ((ائتني بها))، فأتيته بها، فقال: ((مَسُّوا منها، مَسُّوا منها))، فتوضأ القوم، وبقيتْ جُرعة، فقال : ((ازدهر بها [أي احتفظ بها] يا أبا قتادة، فإنه سيكونُ لها نبأ))...
    يقول أبو قتادة: فلما اشتدت الظهيرة خرج لهم رسول الله ، فقالوا: يا رسول الله، هلكنا عطشاً، تقطعت الأعناق، فقال: ((لا هُلْكَ عليكم)). ثم قال: ((يا أبا قتادة ائت بالميضأة))، فأتيتُ بها، فقال: ((اِحلِل لي غُمري)) يعني قدَحَه، فحَللتُه، فأتيتُ به، فجعل يصبُ فيه، ويسقي الناس، فازدحم الناس عليه.
    فقال رسول الله : ((يا أيها الناس أحسِنوا الملَأْ، فكُلكم سيصدُر عن رِيّ))، فشرب القوم حتى لم يبق غيري وغيرَ رسولِ الله ، فصب لي، فقال: ((اشرب يا أبا قتادة)). قلت: أنت يا رسول الله. قـال: ((إن ساقيَ القومِ آخرُهم))، فشربتُ وشرِب بعدي، وبقي في الميضأة نحوٌ مما كان فيها، وهم يومَئذ ثلاثُ مائة.
    قال النووي: "وفي حديث أبي قتادة هذا معجزاتٌ ظاهراتٌ لرسول الله إحداها: إخباره بأن الميضأة سيكونُ لها نبأ، وكان كذلك. الثانيةُ: تكثيرُ الماء القليل. الثالثةُ: قوله : ((كلكم سيَرْوى)), وكان كذلك".
    وقد كان لأهل الصُّفة أضياف الإسلام نصيب من بركة النبي ، فقد أمر أبا هريرة أن يدعوهم، فحضروا جميعاً، ثم قال له النبي : ((يا أبا هِر)) قال: قلت: لبيك يا رسول الله، قال: ((خذ فأعطهم)).
    قال: فأخذت القدح، فجعلت أعطيه الرجل، فيشربُ حتى يَرْوى، ثم يردُّ علَيّ القدح، فأعطيه الرجلَ، فيشربُ حتى يَرْوى، ثم يرد عليّ القدح، فيشربُ حتى يروى، ثم يردّ عليّ القدح، حتى انتهيت إلى النبي وقد رَويَ القومُ كلُهم.
    فأخذ القدح ، فوضعه على يده، فنظر إليّ فتبسّم، فقال: ((أبا هِرّ)) قلت: لبيك يا رسول الله، قال: ((بقيتُ أنا وأنت))، قلتُ: صدقتَ يا رسول الله، قال: ((اقعد فاشرب))، فقَعَدتُ فشربتُ، فقال: ((اشرب)) فشرِبتُ، فما زال يقول: ((اشرب)) حتى قلت: لا والذي بعثك بالحق، ما أجد له مسْلَكاً، قال: ((فأرني)) فأعطيته القدح، فحمِد الله وسمّى، وشرِب الفَضْلة.
    قال ابن حجر: "ووقع في حديث أبي هريرة الماضي في علامات النبوة أنهم كانوا سبعين، وليس المرادُ حصرَهم في هذا العدد، وإنما هي عِدَّةُ من كان موجوداً حين القصة المذكورة ... وفيه معجزة عظيمة، وقد تقدم لها نظائر في علامات النبوة من تكثير الطعام والشراب ببركته ".
    ويحكي لنا سمُرة آية أخرى كثَّر الله فيها الطعام على يديه ، فيقول: كنا مع النبي، إذ أُتي بقصعة فيها ثريد، فأكلَ وأكل القوم: فلم يزل يتداولونها إلى قريب من الظهر: يأكل كل قوم ثم يقومون، ويجيء قوم فيتعاقبوه، فقال رجل لسمُرة: هل كانت تُمَدُّ بطعام؟ قال: (أما من الأرض فلا، إلا أن تكون كانت تُمَد من السماء).
    قال المباركفوري: " لا تكون كثرةُ الطعام فيها إلا من عالم العَلاء بنزول البركة فيها من السماء".
    وهذا دُكَين ٍالخثعمي أتى النبي يسأله الطعام في رهط من قومه ، وهم أربعونَ وأربعُ مائة. فقال النبي  لعمرَ بن الخطاب: ((قم فأعطهم)).
    قال: يا رسـولَ الله، ما عندي إلا ما يَقيظُني والصبيةَ. قال: ((قم فأعطِهم)) ، قال عمر: يا رسولَ الله سمعاً وطاعة.
    قال دُكَين: فقام عمر، وقمنا معه، فصعد بنا إلى غرفةٍ له، فأخرج المفتاح من حُجزَتـِه، ففتح الباب، فإذا بالغرفة شبيه الفصيل الرابض.
    قال: شأنكم، فأخذ كل رجل منا حاجَته ما شاء الله. قال دُكين: ثم التفتُّ، وإني لمن آخرهم، وكأنا لم نرْزَأْ منه تمرة. أي لم ينقص التمر شيئاً.
    وهكذا نرى تكرار هذه الأخبار التي شهدها جموع الصحابة، فهي أصدقُ الأخبار وأوثقُها، وهي بمنزلة المتواتر المقطوع بصحته وحجيته لتكرر أفرادها.
    قال النووي عن أمثال هذه المعجزات: " تواترت على المعنى كتواتُرِ جودِ حاتِمِ طيئ وحِلمِ الأحنفِ بنِ قيس, فإنه لا ينقل في ذلك قصةٌ بعينِها متواترة, ولكن تكاثرت أفرادُها بالآحاد, حتى أفاد مجموعُها تواترَ الكرمِ والحِلْم [أي لحاتم والأحنف], وكذلك تواترُ انخراقِ العادةِ للنبي بغيرِ القرآن".
    ومن هذه الأخبار ما جاء في حديث مسلم عن جابر أن النبي كان في سفر مع أصحابه، فقال: ((يا جابر ناد بوَضوء))، فقلت: ألا وَضوء؟ ألا وَضوء؟ ألا وَضوء؟
    ولما لم يردَّ أحد قلتُ يا رسول الله، ما وجدتُ في الركبِ من قطْرة، وكان رجل من الأنصار يبرِّد لرسول الله الماء في أشْجابٍ له.
    قال جابر: فقال لي: ((انطلق إلى فلان ابن فلان الأنصاري، فانظر هل في أشجابه من شيء؟)) فانطلقتُ إليه، فنظرت فيها، فلم أجد فيها إلا قطرة، لو أني أُفرِغُه لشرِبه يابِسه [أي يابسُ السِقاء لقلة مائه]، فأتيت رسول الله فقلت: يا رسول الله، إني لم أجد فيها إلا قطرة...
    قال: ((اذهب، فأتني به))، فأتيته به، فأخذه بيده، فجعل يتكلم بشيء لا أدري ما هو ويغمزه بيديه، ثم أعطانيه فقال: ((يا جابر نادِ بجفْنَة)) [وهي إناء كبير] ... فأُتيتُ بها تُحمل، فوضعتُها بين يديه، فقال رسول الله بيده [أي وضعها] في الجفنَة هكذا، فبسطها، وفرق بين أصابعه، ثم وضعها في قعر الجفنة.
    وقال: ((خذ يا جابر، فصُب عليَّ [أي قطرة الماء التي وجدتها عند الأنصاري]، وقل: باسم الله))، فصببتُ عليه، وقلت: باسم الله.
    فرأيت الماء يفور من بين أصابع رسول الله ، ثم فارت الجفنة [بالماء]، ودارت حتى امتلأت فقال: ((يا جابر، ناد من كان له حاجةٌ بماء)) قال: فأتى الناس، فاستقوا حتى رووا.
    فقلتُ: هل بقي أحدٌ له حاجة؟ فرفع رسول الله يده من الجفنة وهي ملأَى.
    قال الـمُزني: "نبع الماء من بين أصابعه أبلغ في المعجزة من نبعَةِ الماء من الحجر حيث ضربه موسى عليه السلام بالعصا، فتفجرت منه المياه، لأن خروج الماء من الحجارة معهود، بخلاف خروجه من بين اللحم والدم ".
    وصدق القائل:
    وإن كان موسى أنبع الما من العصا فمن كفه قد أصبح الماء يطفح
    وقال القرطبي: "هذه المعجزة تكررت من النبي مرات عديدة في مشاهد عظيمة، وجموع كثيرة، بلغتنا بطرقٍ صحيحة من رواية أنس، وعبد الله بن مسعود، وجابر، وعمران بن حصين، وغيرهم ممن يحصل بمجموع أخبارهم العلم القطعي المستفاد من التواتر المعنوي، وبهذا الطريق حصل لنا العلم بأكثر معجزاته الدالة على صدق رسالاته".
    وفي موقف آخر يرويه البخاري في صحيحه نزل النبي بالناس يوم الحديبية بأقصاها على ثَمَد قليلِ الماء يتبرَّضُه الناس تبرُضاً، فلم يلبث الناس حتى نزحوه، وشُكي إلى رسول الله العطشُ، فانتزع سهماً من كِنانته، ثم أمرهـم أن يجعلوه فيه، فوالله ما زال يجيش لهم بالرَّي، حتى صدروا عنه.
    قال ابن حجر: " وفي هذا الفصل معجزاتٌ ظاهرة , وفيه بركةُ سلاحه وما ينسب إليه, وقد وقع نبعُ الماء من بين أصابعه في عِدة مواطن ".
    ولما أتى معاذ بن جبل عين تبوك مع رسول الله ، رأى قلة مائها فوصفها، فقال: والعين مثل الشِراك تَبِضُّ بشيء من ماء، فجعل الصحابة يغرفون بأيديهم من العين قليلاً قليلاً حتى اجتمع لهم شيء من مائها.
    قال معاذ: وغسل رسول الله فيه يديه ووجهه، ثم أعاده فيها، فجرت العين بماء منهمر - أو قال: غزير - حتى استقى الناس.
    فقال له عليه الصلاة والسلام: ((يوشك يا معاذ - إن طالت بك حياة - أن ترى ما ها هنا قد ملئ جناناً)).
    وفي هذا الخبر دليلان من دلائل النبوة: أولهما: تفجر العين ببركة دعاء النبي ، والآخر: إخبار النبي بما نراه اليوم من وفرة المياه واتساع الرقعة الخضراء في منطقة تبوك.
    وبعض بركة النبي استمر دهراً طويلاً بعد وفاته ، ومن ذلك ما ترويه عائشة رضي الله عنها بقولها: توفي رسول الله وما في بيتي من شيء يأكله ذو كبد إلا شطرُ شعيرٍ في رفٍّ لي، فأكلتُ منه حتى طال عليَّ، فكِلْتُه ففني.
    ومثل هذا الخبر يحكيه جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، وفيه أن رجلاً أتى النبي يستطعمه، فأطعمه شطر وسق شعير، فما زال الرجل يأكل منه وامرأته وضيفَهما حتى كاله، فأتى النبيَّ ، فقال عليه الصلاة والسلام: لو لم تكِلْه لأكلتم منه، ولقام لكم.
    وروى مسلم أيضاً مثلَ هذا الخبر في قصة أم مالك، وكانت تهدي سمناً للنبي في عُكّة لها، فيأتيها بَنوها، فيسألون الأُدْم [أي ما يؤتدَم به الخبز، وهو ما يسمى في أيامنا إداماً]، وليس عندهم شيء، فتعمد إلى الذي كانت تهدي فيه للنبي ، فتجد فيه سمناً، فما زال يقيم لها أُدْمَ بيتِها حتى عصرَته، فأتت النبي فقال: ((عصرتيها؟)) قالت: نعم قال: ((لو تركتيها ما زال قائماً)).
    قال النووي: " قوله : ((لو تركتيها ما زال قائماً)) أي موجوداً حاضراً" .
    ثم بيّنَ رحمه الله سبب فناء سمنِ العُكّة والشعير حين عُصِرت أو كِيل ، فقال: "الحكمة في ذلك أن عصرَها وكَيْلَه مضادةٌ للتسليم والتوكل على رزق الله تعالى, ويتضمن التدبيرَ, والأخذَ بالحول والقوة, وتكلُفَ الإحاطةِ بأسرار حِكم الله تعالى وفضله , فعوقب فاعِلُه بزواله". أي كأنه خرج من التسليم لقدرة الله وعظيمِ فِعله، إلى الطمع في معرفة سبب أرضي ومادي له، فانقطع لذلك.
    وكما ظهرت بركة النبي في الطعام والشراب؛ فإنها ظهرت في تكثيره لماء الوضوء حين احتاج الصحابة إليه، يقول أنس : (رأيتُ رسول الله وحانت صلاةُ العصر، فالتمس الناسُ الوَضُوءَ، فلم يجدوه، فأُتي رسولُ الله بوَضوءٍ، فوضع رسولُ الله في ذلك الإناءِ يدَه، وأمر الناس أن يتوضؤوا منه، قال أنس: فرأيتُ الماء ينبع من تحت أصابعه، حتى توضؤوا من عندِ آخرهم).
    وفي رواية لأحمد من حديث ابن مسعود أنه قال: ((فرأيتُ الماءَ يتفجرُ من بين أصابع النبي ثم قال: ((حي على الوَضُوء، والبركةُ من الله)).
    قال جابر: كنا ألفاً وخمسَ مائة.
    قال الطيبي: "وإنما طلب فَضْلةً من الماء كيلا يُظَنَّ أنه مُوجِد الماء، فإن الإيجاد إليه سبحانه، وإليه أشار بقوله: ((والبركةُ من الله)) أي أن هذا الذي رأيتم من زيادة الماء أيضاً ليس مني، إنما هو بركةٌ من الله تعالى وفضل". إنه دليلٌ آخرُ من دلائل نبوته .
    ويروي الشيخان عن أنسِ بنِ مالكٍ شاهداً آخر من شواهد نبوته ودلائل رسالته، فيقول: كان النبي وأصحابه بالزَوراء، والزَوراء موضع في المدينة.
    قال أنس: فدعا بقدحٍ فيه ماء، فوضع كفّه فيه، فجعل ينبُع من بين أصابعه، فتوضأ جميع أصحابه، قال قتادة: كم كانوا يا أبا حمزة؟ فقال أنس: كانوا زُهاء الثلاثِ مائة.
    قال القاضي عياض: "هذه القصة رواها الثقاتُ من العدد الكثير عن الجم الغفير، عن الكافّة متصلةً بالصحابة، وكان ذلك في مواطن اجتماع الكثير منهم في المحافل ومَجمَع العساكر، ولم يرد عن أحد منهم إنكارٌ على راوي ذلك، فهذا النوع ملحق بالقطعي من معجزاته".
    وفي يوم الحديبية عطش الناس ولم يجدوا ماء للوضوء والشراب إلا قليلاً بين يدي النبي في رَكْوة، فتوضأ، فتسابقوا إلى الماء لقِلَّته، فقال: ((مالكم؟)) قالوا: ليس عندنا ماء نتوضأُ ولا نشربُ إلا ما بين يديك.
    فوضع يده في الركوة، فجعل الماء يثورُ بين أصابعه كأمثال العيون، فشربنا وتوضأنا.
    فسأل سالم راوي الحديث جابراً: كم كنتم؟ فقال مستنكراً: لو كنا مائة ألف لكفانا، كنا خمسَ عشرةَ مائة [أي ألفاً وخمسَ مائة].
    قال القرطبي: "قضية نبع الماء من بين أصابعه تكررت منه في عدة مواطن في مشاهدَ عظيمة، ووردت من طرق كثيرة يفيد مجموعُها العلمَ القطعيَ المستفادَ من التواتر المعنوي".
    وفي موضع آخر يخبرنا أنس أن النبي دعا ذات يوم بماء، فأُتي بقدح رَحراحٍ [أي متسعِ الفم]، فجعل القوم يتوضؤون.
    ويذكر لنا أنس عدد من كفاهم هذا الماء، فيقول: (فحزِرت ما بين الستين إلى الثمانين، قال أنس: فجعلت أنظرُ إلى الماء، يَنبُعُ من بين أصابعه).
    قال النووي: "وأكثر العلماء أن معناه: أن الماءَ كان يخرج من نفسِ أصابعه , وينبُع من ذاتها. قالوا: وهو أعظم في المعجزة من نبعه من حجرٍ ... يُحتَمل أن الله كثّرَ الماء في ذاته, فصار يفور من بين أصابعه، لا من نفسِها, وكلاهما معجزةٌ ظاهرة, وآية باهرة ".
    وروى الحاكم عن قيس بن النعمان قال: لما انطلق النبي وأبو بكر في الهجرة مستخْفيين من مكة؛ مرا بعبد يرعى غنماً، فاستسقَياه من اللبن، فقال: ما عندي شاة تُحلب غير أن ههنا عَناقاً حَملت أول الشتاء، وقد أخدجَت [أي أسقطت ولم تكمل حملها]، وما بقي لها لبن.
    فقال : ((ادعُ بها))، فدعا بها، فاعتقلها النبي ، ومسح ضَرعها، ودعا حتى أنزلت (اللَبن) قال: فحلب ، فسقى أبا بكر، ثم حلب، فسقى الراعي، ثم حلب فشرب.
    فقـال الراعي: بالله من أنت؟ والله ما رأيتُ مثلَك قط؟ قال: ((أوَ تُراكَ تكتُم عليَّ حتى أخبرْك؟)) قال: نعم. قال: ((فإني محمد رسول الله)) فقال: أنتَ الذي تزعم قريش أنه صابئ؟ قال: إنهم ليقولون ذلك.
    قال: فأشهدُ أنك نبي، وأشهد أن ما جئتَ به حق، إنه لا يفعلُ ما فعلتَ إلا نبي، وأنا متبعُك. قال: ((إنك لا تستطيع ذلك اليوم. فإذا بلغك أني قد ظهرتُ فأْتِنا)).
    وروى الإمام أحمد في مسنده مثلَه عن ابن مسعود قال: كنت أرعى غنماً لعقبة بن أبي مُعيط، فمر بي رسول الله ، وأبو بكر فقال: ((يا غلام هل من لبن؟)) قال: قلت: نعم، ولكني مؤتمن. قال: ((فهل من شاة لم ينزُ عليها الفحل؟)) فأتيته بشاة فمسح ضروعها، فنزل لبنٌ، فحلبه في إناء، فشرب وسقى أبا بكر، ثم قال للضرع: ((اقلِص))، فقلَص.
    قال ابن مسعود: ثم أتيته بعد هذا، فقلت: يا رسول الله، علمني من هذا القول. قال: فمسح رأسي، وقال: ((يرحمك الله، فإنك غُليم مُعلَّم).
    قال أبو المحاسن الحنفي: "سأله شاة لم يصبها فحل، ليريه في ذلك آيةً معجزة تقوم له بها الحجة عليه وعلى غيره، وفي ذلك منفعة لصاحب الشاة بتلبين ضرعها، فلم يكن له في اللبن حق، لأن الله تعالى جعله في ضرعها حينئذ ... فلذلك شربه وسقاه أبا بكر".
    ومن دلائل نبوته وأخبار بركته ما يذكره بُريدة ، وهو يحكي خبر عِتاق سلمان من سيده اليهودي، حيث شرط اليهودي لعتاقه أن يغرس نخلاً، فيعملَ سلمان فيها حتى يَطْعَم النخلُ.
    قال بُريدة: فغرس رسول الله النخل إلا نخلةً واحدةً غرسها عمر، فحملتِ النخل من عامها، ولم تحمل النخلة [أي التي زرعها عمر] فقال رسول الله : ((ما شأن هذه؟)) قال عمر: أنا غرستُها يا رسولَ الله. فنزعها رسول الله ثم غرسها، فحملت من عامها.
    والمعلوم عند الزُّراع أن النخل لا يثمر إلا بعد غرسه بمدة طويلة، وحملُ النخل في سنة غِراسه معجزة ظاهرة للنبي ودليل باهر من دلائل نبوته، إذ تم ذلك ببركة الله لهذا النبي العظيم.
    وهكذا فهذه الأخبار المتكاثرة تشهد ببَركة النبي ، وهذه البَركة ليست موروثاً يحمله الأحفاد عن الأجداد ، ولا علماً يتلقاه المرء بالكد والاجتهاد، إنه عطيةُ الله وبركتُه يؤتيها من شاء، فلِمَ أعطاها محمداً r إنْ لم يكن لنبوتِه ورسالتِه؟

    شفاء المرضى بنفْثِه وريقه

    لما أرسل الله نبيَّه وكلمته المسيحَ عليه السلام، آتاه من الآيات ما يقيم به الحجة على بني إسرائيل، ومن ذلك إبراء الله الأكمه والأبرص على يديه وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيراً بإذني وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني (المائدة: 110)، فكان برهاناً ساطعاً ودليلاً قاطعاً عند قومه على نبوته.
    وكذلك أيد الله خاتم أنبيائه وعظيم رسله بمثل هذا الدليل والبرهان ، حين شفى على يديه بعضاً من أصحابه.
    من ذلك أنه قال يوم خيبر: ((لأعطين هذه الراية رجلاً يفتح الله على يديه، يحبُ اللهَ ورسولَه، ويحبُه اللهُ ورسولُه))، قال: فبات الناس يدوكون [أي يتحدثون] ليلتهم أيهم يعطاها، قال: فلما أصبح الناس غَدوا على رسول الله كلهم يرجوا أن يُعطاها.
    فقال عليه الصلاة والسلام: ((أين عليُ بنُ أبي طالب؟)) فقالوا: هو يا رسول الله يشتكي عينيه، فقال: ((فأرسلوا إليه))، فأُتي به ، فبصق رسول الله في عينيه، ودعا له فبرأ، حتى كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية.
    وفي رواية لابن ماجه أنه تفل في عينيه وقال: ((اللهم أذهب عنه الحر والبرد)). قال علي: فما وجدتُ حراً ولا برداً بعد يومِئذ ، وكان أصحابه ربما رأوه يلبس ثياب الصيف في الشتاء، وثياب الشتاء في الصيف.
    قال الشوكاني: "فيه معجزة ظاهرة للنبي ".
    وقبل أن يغادر النبي أرض خيبر حقق آية أخرى تدل على نبوته ورسالته، فقد شفى الله بنفثه ساق سلمة بن الأكوع الذي أصيب في الغزوة، يقول يزيد بن أبي عُبيد: رأيت أثرَ ضربةٍ في ساق سلمة، فقلت: يا أبا مسلم، ما هذه الضربة؟ فقال: هذه ضربة أصابتني يوم خيبر، فقال الناس: أُصيب سلمة، فأتيت النبي ، فنفث فيه ثلاث نَفَثات، فما اشتكيتُها حتى الساعة.
    إن الجموع التي رأت ساق سلمة مضرجة بدمائها، ثم رأوه لا يشتكي منها ألماً ولا وجعاً ببركة ريق النبي ونفثه عليها، إن هذه الجموع لا يسعها أمام هذه المعجزة الباهرة إلا أن تشهد للنبي بالنبوة والرسالة، إذ مثل هذا لا يقدر عليه بشر، إنه دليل من دلائل نبوته .
    ويرسل النبي عبدَ الله بن عتيك ورجالاً من الأنصار لردع سلّامِ بنِ أبي الحُقَيق، وبينما هو راجع في الطريق وقع، فانكسرت ساقه، فعصبها بعمامة.
    ولنستمع إليه وهو يقص علينا الخبر، فيقول: فانتهيت إلى النبي ، فقال: ((ابسط رجلك))، فبسطت رجلي، فمسحها، فكأنها لم أشتكِها قطّ.
    لقد تكرر ذلك منه مراراً وعلى مرأى من الصحابة الكرام، يقول بريدة : إن رسول الله تفل في رجل عمرو بن معاذ حين قُطِعت رجله فبرأ. فهل كان هذا فناً من فنون الطب أم معجزة وبرهاناً من براهين نبوته ؟
    ويروي الإمام أحمدُ عن أمُ جُندُب أنها رأت رسول الله يرمي جمرة العقبة .. فأتته امرأة خثعمية بابْن لها فقالت: يا رسول الله، إن ابني هذا ذاهب العقل، فادع الله له. قال لها: ((ائتيني بماء)).
    فأتته بماء في تَورٍ من حجارة، فتفل فيه، وغسل وجهه، ثم دعا فيه، ثم قال: ((اذهبي، فاغسليه به، واستشفي الله عز وجل)).
    قالت أم جُندب: فقلت لها: هَبِي لي منه قليلاً لابني هذا، فأخذت منه قليلاً بأصابعي، فمسحتُ بها شِقَّة ابني، فكان من أبر الناس.
    فسألتُ المرأة بعد: ما فعل ابنها؟ قالت: برِئ أحسن بَرء.
    وفي الحديث معجزة عظيمة له ، بل معجزتان: إحداهما شفاء ابن الخثعمية ببركة مجّة النبي في الماء الذي غسلته أمه فيه، والأخرى: هداية ابن أم جندب بمسح أمه وجهَه ببعض هذا الماء.
    وتحدِّثُ أم جميل ابنها محمدَ بن حاطب عن خبر حدث له إبّان طفولته، فقد أقبلت به إلى النبي ، وقد انكفأت قدر تغلي على ذراعه، تقول أم جميل: فأتيتُ بك النبي فقلت: بأبي وأمي يا رسول الله، هذا محمد بن حاطب، فتفل في فيك، ومسح على رأسك، ودعا لك، وجعل يتفُل على يديك ويقول: ((أذهب البأس رب الناس، واشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقماً)) فقالت: فما قمتُ بك من عنده حتى برِأَت يدك.
    وهكذا فإن الله الشافي قدر الشفاء لكثيرين ، وجعل نفثه وريقه سبباً في ذلك ، ليكون برهاناً آخر من براهين نبوته.

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Feb 2010
    المشاركات
    451
    الدين
    الإسلام
    آخر نشاط
    26-06-2013
    على الساعة
    04:00 AM

    افتراضي

    دلالة القرآن الكريم على نبوته



    ان أعظم دلائل النبوة القرآنُ الكريم، كتاب الله الذي أعجز الأولين والآخرين.
    يقول رسول الله : ((ما من الأنبياء من نبي، إلا قد أُعطي من الآيات، ما مثلٌه آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أُوتيتُ وحياً أَوحى اللهُ إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة)).
    قال ابن حجر في معنى قوله: ((إنما كان الذي أوتيتُ وحياً )): "أي أن معجزتي التي تَحدّيتُ بها، الوحيُ الذي أُنزِل عليّ، وهو القرآن".
    ثم لفت - رحمه الله - النظر إلى أنه ليس المراد من الحديث حصرَ معجزاته في معجزة القرآن الكريم فقال: "بل المراد أنه المعجزة العظمى التي اختصّ بها دون غيره ".
    وقال ابن كثير في معنى الحديث: " معناه أن معجزة كل نبي انقرضت بموته، وهذا القرآن حجة باقية على الآباد، لا تنقضي عجائبه، ولا يخلَق عن كثرة الرد، ولا يشبع منه العلماء، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى من غيره أضله الله".
    وقال ابن القيم في سياق حديثه عن معجزات الأنبياء: "وأعظمها معجزةً كتابٌ باقٍ غضٌ طريّ لم يتغيّر, ولم يتبدّل منه شيء، بل كأنه منزّل الآن، وهو القرآن العظيم، وما أخبر به يقع كل وقتٍ على الوجه الذي أخبر به".
    هذه المعجزة العظيمة تحدى الله بها الأولين والآخرين، ودعاهم للإتيان بمثله حين زعموا أن القرآن من كلامه ، فقال تعالى: ]أم يقولون تقَوَّله بل لا يؤمنون فليأتوا بحديثٍ مثله إن كانوا صاٰدقين[)الطور: 33-34).
    فلما أعجز المشركين أن يأتوا بمثله، تحداهم القرآن أن يأتوا بعشر سور مثله مفتريات من عندهم، قال تعالى: ]أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سورٍ مثله مفترياتٍ وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صـادقين[ (هود: 13).
    قال ابن كثير: "بين تعالى إعجاز القرآن، وأنه لا يستطيع أحدٌ أن يأتي بمثله، ولا بعشر سور من مثله، ولا بسورة من مثله؛ لأن كلام الرب تعالى لا يشبه كلام المخلوقين، كما أن صفاته لا تشبه صفات المحدثات، وذاته لا يشبهها شيء ".
    فلما عجزوا عن الإتيان بعشر سور تحداهم القرآن أن يأتوا بسورة واحدة، قال تعالى: ]وإن كنتم في ريبٍ مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورةٍ من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صـادقين[ (البقرة: 23).
    قال الطبري: " ومن حجة محمدٍ على صدقه، وبرهانه على حقيقة نبوته، وأن ما جاء به من عندي [أي من عند الله] ؛ عجز جميعكم وجميع من تستعينون به من أعوانكم وأنصاركم، عن أن تأتوا بسورة من مثله. وإذا عجزتم عن ذلك ـ وأنتم أهل البراعة في الفصاحة والبلاغة ـ فقد علمتم أن غيركم عما عجزتم عنه من ذلك أعجز".
    ويبلغ التحدي القرآني غايته حين يخبر القرآن أن عجز المشركين عن محاكاة القرآن والإتيان بمثله عجز دائم لا انقطاع له، فيقول: ]فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا[ (البقرة: 24).
    قال القرطبي: " قوله: ] ولن تفعلوا [ إثارةٌ لهممهم، وتحريكٌ لنفوسهم؛ ليكون عجزهم بعد ذلك أبدع، وهذا من الغيوب التي أخبر بها القرآن قبل وقوعها".
    وحين أراد مسيلمة معارضة القرآن فضحه الله وأخزاه، فكان قوله محلاً لسخرية العقلاء وإعراض البلغاء، فقد قال: "يا ضفدع، نقي كما تنقين ، لا الماء تدركين ، ولا الشراب تمنعين".
    وقال أيضاً معارضاً القرآن: " ألم تر كيف فعل ربك بالحبلى، أخرج من بطنها نسمة تسعى ، من بين شراشيف وحشى ".
    وأما النضر بن الحارث فصيح قريش وبليغها، فأتى بالمضحك من القول حين قال: "والزارعات زرعاً. والحاصدات حصداً. والطاحنات طحناً. والعاجنات عجناً. والخابزات خبزاً ....".
    وعندما أراد الأديب ابن المقفع معارضة القرآن كل وعجز، وقال: أشهد أن هذا لا يعارض، وما هو من كلام البشر.
    ومثله صنع يحيى الغزال بليغ الأندلس وفصيحها.
    وصدق الله العظيم: ]قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هـذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعضٍ ظهيراً[ (الإسراء: 88).
    قال ابن سعدي: "وكيف يقدر المخلوق من تراب، أن يكون كلامه ككلام رب الأرباب؟ .. هذا ليس في الإمكان، ولا في قدرة الإنسان، وكل من له أدنى ذوقٍ ومعرفةٍ بأنواع الكلام، إذا وزن هذا القرآن العظيم بغيره من كلام البلغاء، ظهر له الفرق العظيم".

    لقد اعترف أعداء القرآن بعظمة القرآن، وذلت رقابهم لما سمعوه من محكم آياته، فهاهو الوليد بن المغيرة سيد قريش، يسمع النبي وهو يقرأ قوله تعالى: ]إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتآء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون[ (النحل:90).

    فيقول قولته المشهورة: "والله إنَّ لقولِه الذي يقولُ لحلاوة، وإنّ عليه لطلاوة، وإنه لمثمرٌ أعلاه، مغدِقٌ أسفلُه، وإنه ليعلو وما يُعلا، وإنه ليَحطِم ما تحته".

    ولما جاء عتبة بن ربيعة إلى النبي ؛ قرأ عليه النبي أوائل سورة فصلت، فرجع إلى قريش قائلاً: إني واللهِ قد سمعت قولاً ما سمعتُ بمثلِه قط، والله ما هو بالشعر ولا السحر ولا الكهانة، يا معشر قريش: أطيعوني واجعلوها بي، خلّوا بين هذا الرجل وبينَ ما هو فيه، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعتُ نبأ".

    وفي العصر الحديث أيضاً شهد المنصفون من المستشرقين بعظمة القرآن، وسجلت كلماتُهم بحقه المزيدَ من الإعجاب والدَهش.

    ومنه قول المستشرق فون هامر في مقدَمة ترجمته للقرآن، فقد قال: "القرآن ليس دستورَ الإسلام فحسب، وإنما هو ذِروة البيانِ العربي، وأسلوبُ القرآن المدهش يشهد على أن القرآنَ هو وحيٌ من الله، وأن محمداً قد نشر سلطانَه بإعجاز الخطاب، فالكلمةُ [أي القرآنُ] لم يكن من الممكن أن تكونَ ثمرةَ قريحةٍ بشرية".

    ويقول فيليب حتي في كتابه "الإسلام منهج حياة": "إن الأسلوب القرآني مختلف عن غيره، إنه لا يقبل المقارنة بأسلوب آخر، ولا يمكن أن يقلد، وهذا في أساسه هو إعجاز القرآن .. فمن جميع المعجزات كان القرآن المعجزة الكبرى".

    وأما جورج حنا فيقول في كتابه "قصة الإنسان": "إذا كان المسلمون يعتبرون أن صوابية القرآن هي نتيجة محتومة لكون القرآن منزلاً ولا يحتمل التخطئة، فالمسيحيون يعترفون أيضاً بهذه الصوابية، بقطع النظر عن كونه منزلاً أو موضوعاً، ويرجعون إليه للاستشهاد بلغته الصحيحة كلما استعصى عليهم أمر من أمور اللغة".

    ويقول الفيلسوف الفرنسي هنري سيرويا في كتابه "فلسفة الفكر الإسلامي" : "القرآن من الله بأسلوب سام ورفيع لا يدانيه أسلوب البشر".

    وأما المستشرق بلاشير فلم يألُ جهداً في الطعن في القرآن ومعاداته في كتابه "القرآن الكريم"، لكن الحقيقة غلبته، فقال: "إن القرآن ليس معجزة بمحتواه وتعليمه فقط، إنه أيضاً يمكنه أن يكون قبل أي شيء آخر تحفة أدبية رائعة ؛ تسمو على جميع ما أقرته الإنسانية وبجلته من التحف".

    وبهرت جزالة القرآن وروعة أساليبه المستشرق الأديب غوته، فسجل في ديوانه "الديوان الشرقي للشاعر الغربي" هذه الشهادة للقرآن: "القرآن ليس كلام البشر، فإذا أنكرنا كونه من الله، فمعناه أننا اعتبرنا محمداً هو الإله ".

    وتحدث بعض المستشرقين عن الانقلاب العظيم الذي أحدثه القرآن في القيم الاجتماعية والأخلاقية للعرب، وكيف صنع منهم ومن الأمم الأخرى التي دخلت في الإسلام أمة الحضارة والريادة طوال قرون، فيقول المفكر الفرنسي مارسيل بوازار في كتابه "إنسانية الإسلام": "إن القرآن لم يُقدّر قط لإصلاح أخلاق عرب الجاهلية، إنه على العكس يحمل الشريعة الخالدة والكاملة والمطابقة للحقائق البشرية والحاجات الاجتماعية في كل الأزمنة".

    ويقول ولد يورانت في "قصة الحضارة" عن القرآن: "وقد كان له أكبر الفضل في رفع مستوى المسلمين الأخلاقي والثقافي، وهو الذي أقام فيهم قواعد النظام الاجتماعي والوحدة الاجتماعية، وحرضهم على اتباع القواعد الصحيحة، وحرر وبعث في نفوس الأذلاء الكرامة والعزة، وأوجد بين المسلمين درجة من الاعتدال والبعد عن الشهوات لم يوجد لها نظير في أية بقعة من بقاع العالم يسكنها الرجل الأبيض".

    وتقول المستشرقة الإيطالية لورافيشيا فاغليري في كتابها "دفاع عن الإسلام": "إن انتشار الإسلام السريع لم يتم لا عن طريق القوة ولا بجهود المبشرين الموصولة، إن الذي أدى إلى ذلك الانتشار كون الكتاب الذي قدمه المسلمون للشعوب المغلوبة - مع تخييرها بين قبوله ورفضه - كتاب الله، كلمة الحق، أعظم معجزة كان في ميسور محمد أن يقدمها إلى المترددين في هذه الأرض".

    ومما أذهل العلماء إعجاز القرآن العلمي، وما حواه من معارف توصلت إليها البشرية قريباً بفضل التقنية العلمية الحديثة، فسجل هؤلاء العلماء شهادات منصفة بحق القرآن العظيم.

    ونبدأ بالبروفسور يوشيودي كوزان مدير مرصد طوكيو، إذ يقول: " إن هذا القرآن يصف الكون من أعلى نقطة في الوجود، فكل شيء أمامه مكشوف، إن الذي قال هذا القرآن، [أي الله] يرى كل شيء في هذا الكون، فليس هناك شيء قد خفي عليه ".

    وأما البرفسور شرويدر عالم البحار الألماني فيقول في ندوة علماء البحار التي نظمتها جامعة الملك عبد العزيز بجدة: "ما قيل بالفعل منذ عديد من القرون في القرآن الكريم هو حقيقة ما يكتشفه العلماء اليوم، أعتقد أنه من المهم بالنسبة لندوة لهذه أن تبلغ هذا إلى العلماء من جميع الأمم".

    ويقول البرفسور درجا برساد راو أستاذ علم جولوجيا البحار في جامعة الملك عبد العزيز، فيقول تعليقاً على إخبار الله في القرآن عن ظلمات البحار وأمواجها الداخلية، فقال: "ومن الصعب أن نفترض أن هذا النوع من المعرفة كان موجوداً في ذلك الوقت منذ 1400سنة ، ولكن بعض الأشياء تتناول فكرة عامة، ولكن وصف هذه الأشياء بتفصيل كبير أمر صعب جداً، ولذلك فمن المؤكد أن هذا ليس علماً بشرياً بسيطاً، لا يستطيع الإنسان العادي أن يشرح هذه الظواهر بذلك القدر من التفصيل، ولذلك فقد فكرت في قوة خارقة للطبيعة خارج الإنسان، لقد جاءت المعلومات من مصدر خارق للطبيعة".

    وفي مؤتمر القاهرة (1986م) حول الإعجاز العلمي قدم البرفسور الأمريكي بالمار بحثاً ختمه بقوله: "أنا لا أعلم المستوى الثقافي الذي كان عليه الناس في زمن محمد ولا أدري في أي مستوى علمي كانوا، فإذا كان الأمر كما نعرف عن أحوال الأولين والمستوى العلمي المتواضع والذي ليس فيه هذه الإمكانيات، فلا شك أن هذا العلم الذي نقرؤه الآن في القرآن هو نور من العلم الإلهي قد أوحي به إلى محمد ".

    ونختم جولتنا مع إعجاز القرآن العلمي بالحديث عن حديث القرآن عن تطور الجنين وتخلقه، وننقل شهادة البروفيسور مارشال جونسون رئيس قسم التشريح ومدير معهد دانيال بجامعة توماس جيفرسون بفلادلفيا بالولايات المتحدة الأمريكية، فقد أذهله ما ذكره القرآن عن تطور الجنين، فقال: "إنني كعالم أستطيع فقط أن أتعامل مع أشياء أستطيع أن أراها بالتحديد، أستطيع أن أفهم علم الأجنة وتطور علم الأحياء، أستطيع أن أفهم الكلمات التي تترجم لي من القرآن .. إنني لا أرى شيئاً لا أرى سبباً لا أرى دليلاً على حقيقة تفند مفهوم هذا الفرد محمد الذي لا بد وأنه يتلقى هذه المعلومات من مكان ما، ولذلك إنني لا أرى شيئاً يتضارب مع مفهوم أن التدخل الإلهي كان مشمولاً فيما كان باستطاعته أن يبلغه".

    ويضيف البرفسور كيث ل مور مؤلف الكتاب الشهير الذي يعتبر مرجعاً معتمداً في كليات الطب العالمية (The Developing Human) "أطوار خلق الإنسان"، فيقول عما سمعه من إعجاز قرآني في علم الأجنة: "يتضح لي أن هذه الأدلة حتماً جاءت لمحمد من عند الله، لأن كل هذه المعلومات لم تكشف إلا حديثاً وبعد قرون عدة، وهذا يثبت لي أن محمداً رسول الله".

    وصدق الله وهو يقول: ]ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي إلى صراط العزيز الحميد[ (سبأ: 6).




    شهادات الكتب السابقة وأتباعها بالنبي


    إن وجود البشارة بالنبي في كتب الأنبياء من أهم ما أكدت عليه النصوص القرآنية والنبوية، التي أخبرت أنه ما من نبي إلا وذكّر أمته بأمر هذا النبي، وأخذ عليهم في ذلك الميثاق: لئن بعث محمد ليؤمنن به، قال تعالى: } وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين { (آل عمران: 81).

    قال علي : (ما بعث الله نبياً آدم فمن دونه؛ إلا أخذ عليه الميثاق: لئن بعث محمد e وهو حي؛ ليؤمنن به ولينصرنه وليتبعنه).

    وأهل الكتاب يعرفون رسول الله معرفتهم بأبنائهم، لكثرة ما حدثهم الأنبياء والكتب عنه } الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقاً منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون {(الأنعام: 20).

    وقد أكد القرآن الكريم على وجود البشارة بنبينا في كتب اليهود والنصارى، فقال ذاكراً بعض صفاته فيها: }الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم {(الأعراف: 157).

    ورغم ما تعرضت له كتب اليهود والنصارى من التحريف؛ فإنه لم يختف من ثنايا سطورها شهادات صادقة تشهد بالنبوة لنبينا .

    منها ما جاء في سفر النبي إشعيا، وهو من أسفار التوراة التي يؤمن بها اليهود والنصارى اليوم، وفيه يتوعد النبي إشعيا بني إسرائيل الذين يحرفون كتاب الله ولا يلتزمون شريعته، يتوعدهم بالنبي صاحب السفر المختوم، النبيِ الذي لا يعرف القراءة، فيقول في الإصحاح التاسع والعشرين: " أو يُدفع الكتاب لمن لا يعرف الكتابة ويقال له: اقرأ هذا، فيقول: لا أعرف القراءة" (إشعيا 29/10-13).

    وهذا النص يسجل اللحظة العظيمة التي ستشهد نزول الوحي على النبي ، ففي صحيح البخاري عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت:.. جاءه الحق، وهو في غار حراء، فجاءه الملَك، فقال: اقرأ، فقال: ((ما أنا بقارئ، فأخذني، فغطني حتى بلغ مني الجَهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ.

    فأخذني، فغطني الثانية حتى بلغ مني الجَهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ.

    فأخذني، فغطني الثالثة، ثم أرسلني فقال: } اقرأ باسم ربك الذي خلق # خلق الإنسان من علق # اقرأ وربك الأكرم{ )) (العلق:1-3).

    فرسولنا هو النبي الأمي الذي لا يعرف القراءة، والذي دُفع إليه السفر المختوم، فقال: لا أعرف القراءة، فجعل الله سِفره وحياً ينطقه بشفتيه، ويتلوه من بعده المؤمنون إلى قيام الساعة.

    ونزل النبي من على غار حراء خائفاً فزعاً، وذهب إلى ورقة بن نوفل - وكان من علماء أهل الكتاب - فقص عليه الخبر، فعرف ورقة نبوة النبي بما قرأ في سِفر النبي إشعيا، فقال: هذا الناموس الذي أنزل على موسى، ليتني فيها جذعاً، ليتني أكون حياً إذ يخرجك قومك .. لم يأت رجل بما جئت به إلا أوذي، وإنْ يُدركني يومُك حياً أنصرك نصراً مؤزراً.

    وأما معرفته بإخراج قريش للنبي ومعاداته، فقد عرفه ورقة من سفر إشعيا أيضاً حيث جاءتْ فيه البشارة بالنبي الذي يبعث في بلاد وعرة من أرض العرب، يقول السفر التوراتي في الإصحاح الحادي والعشرين: "وحي من جهة بلاد العرب، في الوعر في بلاد العرب تبيتين، يا قوافل الددانيين هاتوا ماء لملاقاة العطشان، يا سكان أرض تيماء وافوا الهارب بخبزه، فإنهم من السيوف قد هربوا " (إشعيا 21/ 13 - 14)، فالنص التوراتي يتحدث إلى قبائل الددانيين في أرض تيماء ، لينجدوا النبي الذي خرج مع أصحابه هرباً من وجه السيوف، ويشير إلى مكان بعثته الوعر من بلاد العرب، وهي صفة مكة المكرمة، مكان مولِدِه وبعثته .

    فشهادة ورقة - وهو من علماء أهل الكتاب - دليل ساطع على نبوة النبي ، وهذه الشهادة موثقة معتبرة، فقد استخرجها من كتب أهل الكتاب، مما تبقى بها من آثار الأنبياء وأنوار الوحي ] ويقول الذين كفروا لست مرسلاً قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب [ (الرعد: 43).

    وممن شهد لنبينا بالرسالة من أهل الكتاب النجاشي ملك الحبشة؛ فإنه آمن بالرسول لما دخل عليه جعفر بن أبي طالب فقال له: إن الله بعث فينا رسوله، وهو الرسول الذي بشّر به عيسى بن مريم: } ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد { (الصف: 6) فأمرنا أن نعبد الله، ولا نشرك به شيئاً، ونقيم الصلاة، ونؤتي الزكاة، وأمرنا بالمعروف ونهانا عن المنكر.

    فقال النجاشي لجعفر: ما يقول صاحبك في ابن مريم؟ قال: يقول فيه قولَ الله، هو روح الله وكلمته، أخرجه من البتول العذراء التي لم يقربها بشر.

    قال: فتناول النجاشي عوداً من الأرض فقال: يا معشر القسيسين والرهبان، ما يزيد ما يقول هؤلاء على ما تقولون في ابن مريم ما يزن هذه، مرحباً بكم وبمن جئتم من عنده، فأنا أشهد أنه رسول الله، والذي بشّر به عيسى ابن مريم، ولولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتى أحمل نعليه.

    لقد أسلم - رحمه الله - بما آتاه الله من معرفة بالكتب قبل الإسلام ، ورأى فيها دليلاً صادقاً من دلائل نبوته ، فلما مات رحمه الله؛ نعاه النبي إلى أصحابه في اليوم الذي مات فيه، وصلى عليه صلاة الغائب، وقال: ((مات اليوم رجل صالح، فقوموا، فصلوا على أخيكم أصْحمة)).رحمه الله ، فقد كان إسلامه دليلاً من دلائل نبوة النبي .

    تقول عائشة رضي الله عنها: (لما مات النجاشي كنا نتحدث أنه لا يزال يرى على قبره نور).

    وممن عرف هذا الحق ملكُ الروم هرقل، ويروي لنا أبو سفيان بن حرب خبره، فقد كان بالشام حين أرسل النبي كتابه إلى هرقل الذي علم بوجود قافلة لقريش يتاجرون بالشام، وذلك في زمن هدنة الحديبية.

    فأرسل إليهم، فجاؤوا إليه بإيلياء، فدعاهم في مجلسه وحوله عظماء الروم، ثم دعاهم ودعا بترجمانه فقال: أيكم أقرب نسباً بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ فقال أبو سفيان: فقلتُ (أي أبو سفيان، وكان على الكفر حينذاك): أنا أقربهم نسباً.

    فقال: أدنوه مني، وقربوا أصحابه، فاجعلوهم عند ظهره، ثم قال لترجمانه: قل لهم: إني سائل هذا عن هذا الرجل، فإن كَذَبَني فكذِّبوه.

    يقول أبو سفيان: "فوالله لولا الحياء من أن يأثروا علي كذباً لكذبت عنه.

    ثم كان أول ما سألني عنه أن قال: كيف نسبه فيكم؟ قلتُ: هو فينا ذو نسب.

    قال: فهل قال هذا القولً منكم أحد قط قبله؟ قلت: لا.

    قال: فهل كان من آبائه من ملك؟ قلت: لا.

    قال: فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ فقلت: بل ضعفاؤهم.

    قال: أيزيدون أم ينقصون؟ قلت: بل يزيدون.

    قال: فهل يرتد أحد منهم سخطةً لدينه بعد أن يدخل فيه؟ قلت: لا.

    قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا.

    قال: فهل يغدر؟ قلتُ: لا، ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها.

    قال أبو سفيان: ولم تمكني كلمة أدخل فيها شيئاً غير هذه الكلمة.

    قال هرقل: فهل قاتلتموه؟ قلتُ: نعم.

    قال: فكيف كان قتالكم إياه؟ قلتُ: الحرب بيننا وبينه سجال، ينال منا، وننال منه.

    قال: ماذا يأمركم؟ قلت: يقول: اعبدوا الله وحده، ولا تشركوا به شيئاً، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة والزكاة والصدق والعفاف والصلة.

    فقال للترجمان: قل له: سألتكَ عن نسبه، فذكرتَ أنه فيكم ذو نسب، فكذلك الرسل تبعث في نسب قومها.

    وسألتك: هل قال أحد منكم هذا القول؟ فذكرتَ أن لا، فقلتُ: لو كان أحد قال هذا القول قبله؛ لقلتُ رجل يأتسي بقول قيل قبله.

    وسألتك: هل كان من آبائه من ملك؟ فذكرت أن لا، قلتُ: فلو كان من آبائه من ملك؛ قلتُ: رجل يطلب ملك أبيه.

    وسألتك: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فذكرت أن لا، فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله.

    وسألتك: أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ فذكرتَ أن ضعفاءهم اتبعوه، وهم أتباع الرسل.

    وسألتك: أيزيدون أم ينقصون؟ فذكرت أنهم يزيدون، وكذلك أمر الإيمان حتى يتم.

    وسألتك: أيرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فذكرتَ أن لا، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب.

    وسألتك: هل يغدر؟ فذكرتَ أن لا، وكذلك الرسل لا تغدر.

    وسألتك: بم يأمركم؟ فذكرتَ أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف.

    فإن كان ما تقول حقاً فسيملك موضع قدميَّ هاتين، وقد كنت أعلم أنه خارج ، لم أكن أظن أنه منكم، فلو أني أعلم أني أخلُص إليه لتجشمتُ لقاءه، ولو كنتُ عنده لغسلتُ عن قدمه".

    قال المازري: "هذا الذي قاله هرقل أخذه من الكتب القديمة, ففي التوراة هذا أو نحوه من علامات رسول الله , فعرفه بالعلامات, وأما الدليل القاطع على النبوة فهو المعجزة الظاهرة الخارقة للعادة".

    ثم دعا هرقل بكتاب رسول الله الذي بعث به دحيةَ إلى عظيم بصرى، فدفعه إلى هرقل، فقرأه فإذا فيه ((بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين، و ]يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضا أرباباً من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون[)) (آل عمران: 64).

    قال أبو سفيان: فلما قال ما قال، وفرغ من قراءة الكتاب؛ كثر عنده الصخب، وارتفعت الأصوات، وأخرجنا.

    فقلت لأصحابي حين أخرجنا: لقد أمِرَ [أي بلغ] أمرُ ابن أبي كبشة أنه يخافه ملكُ بني الأصفر، فما زلتُ موقناً أنه سيظهر حتى أدخل الله عليَّ الإسلام.

    ويمضي الخبر ليخبرنا أن هرقل جاءه رجل أرسل به ملك غسان يخبر عن خبر رسول الله ، فسأل هرقل عن النبي هذا، هل هو مختون أم لا؟ فأخبروه أنه مختون، وأن العرب يختتنون، فقال هرقل: "هذا ملك هذه الأمة قد ظهر".

    ثم كتب هرقل إلى صاحب له بروميَّة، وكان نظيره في العلم.

    وسار هرقل إلى حمص فلم يرم [أي يصل] حمص حتى أتاه كتاب من صاحبه، يوافق رأي هرقل على خروج النبي وأنه نبي.

    فأذن هرقل لعظماء الروم في قصر له بحمص، ثم أمر بأبوابها فغلقت، ثم اطلع فقال: "يا معشر الروم، هل لكم في الفلاح والرشد وأن يثبُت ملككم فتبايعوا هذا النبي؟ فحاصوا حيْصَة حُمُر الوحش إلى الأبواب، فوجدوها قد غُلِّقَت.

    فلما رأى هرقل نفرتهم، وأيس من الإيمان، قال: ردوهم علي.

    وقال: إني قلت مقالتي آنفاً أختبر بها شدتكم على دينكم. فقد رأيتُ، فسجدوا له ورضوا عنه.

    لقد أنكر هرقل الحق الذي عرفه وتيقنه ضناً بملكه وخشية عليه.

    قال النووي: " ولا عذر له في هذا ; لأنه قد عرف صدق النبي , وإنما شح في المُلك, ورغب في الرياسة , فآثرها على الإسلام .. ولو أراد الله هدايته لوفقه كما وفَّق النجاشيَّ وما زالت عنه الرياسة ".

    ويروي ابن إسحاق بسنده عن سلمان الفارسي قصة هجرته في البحث عن الحقيقة، عن الدين الحق، فقد كان سلمان مجوسياً من أهل أصبهان ، مجتهداً في المجوسية يعمل مع أبيه على رعاية معبود الفرس - النار - حتى لا تخبو.

    خرج سلمان يوماً إلى ضيعة لأبيه، يقول: فمررت بكنيسة من كنائس النصارى، فسمعت أصواتهم فيها وهم يصلون ... فلما سمعت أصواتهم ، دخلت عليهم أنظر ما يصنعون، فلما رأيتهم أعجبتني صلاتهم، ورغِبت في أمرهم ، وقلت: هذا والله خير من الذي نحن عليه، فوالله ما برِحتُهم حتى غربت الشمس .. ثم قلت لهم: أين أصل هذا الدين؟ قالوا: بالشام.

    وعلم أبو سلمان بالخبر فحبس سلمان بالقيد، وما كان للقيد أن يكبل سلمان عن رحلته، فهو مشتاق إلى الحق، فاستطاع سلمان الهرب من قيده إلى الشام، ليبدأ رحلته في البحث عن الحقيقة، تلك الرحلة التي نراها دليلاً من دلائل نبوته .

    يقول سلمان: فلما قدِمتُ الشام قلتُ: من أفضل أهل الدين علماً؟ قالوا: الأسقفُ في الكنيسة ، فجئتُه فقلتُ له: إني قد رغبت في هذا الدين، وأحببت أن أكون معك، فأخدمك في كنيستك، وأتعلم منك، وأصلي معك، قال: ادخل، فدخلت معه.

    فكان رجل سوء يأمرهم بالصدقة، ويرغبهم بها، فإذا جمعوا إليه شيئاً منها اكتنـزه لنفسه، ولم يعطه المساكين ، حتى جمع سبع قلال من ذهب وورق.

    فأبغضه سلمان، وكشف لهم حقيقته بعد موته، فوضعوا بدلاً منه آخر، يقول عنه سلمان: ما رأيت رجلاً يصلي أفضلَ منه ولا أزهدَ في الدنيا ولا أرغبَ في الآخرة ولا أدأبَ ليلاً ولا نهاراً منه ، فأحببته حباً لم أحبه شيئاً قبله ، فأقمت معه زماناً ثم حضرته الوفاة ، فقلت له: يا فلان، إني قد كنت معك، وأحببتك حباً لم أحبه أحداً قبلك، وقد حضرك من أمر الله ما ترى، فإلى من توصي بي؟ وبم تأمرني؟

    فقال: أي بُنيَّ، والله ما أعلم أحداً على ما كنت عليه، ولقد هلك الناس وبدلوا وتركوا أكثر ما كانوا عليه إلا رجلاً بالموصل وهو فلان، وهو على ما كنت عليه.

    فلما مات الرجل وغُيِّب [أي دُفِن]، لحق سلمان بصاحب الموصل، فأقام عنده إلى حين وفاته، فأوصى الرجلُ سلمانَ أن يلحق برجل على التوحيد في نصيبين، فلزمه سلمان زمناً ، فلما أدركه الموت أوصى الرجلُ سلمانَ باللحاق برجل على التوحيد في عمورية من أرض الروم قائلاً: "فإنه على مثل ما نحن عليه ، فإن أحببت فأْتِه".

    فانطلق إليه سلمان ولزمه فلما أدركته الوفاة، قال له سلمان: إلى من توصي بي؟ وبم تأمرني؟ قال: "يا بني والله ما أعلمه أصبح اليوم أحد على مثل ما كنا عليه فآمرك أن تأتيه، ولكنه قد أظل زمان نبي مبعوث بدين إبراهيم، يخرج بأرض العرب، مهاجرُه إلى أرض بين حرتين ، بينهما نخل، به علامات لا تخفى: يأكل الهدية، ولا يأكل الصدقة، بين كتفيه خاتم النبوة، فإن استطعت أن تلحق بتلك البلاد فافعل".

    ثم مر بسلمان تجار من قبيلة كلب، فقلت لهم: احملوني إلى أرض العرب، وأعطيكم بُقيراتي هذه وغُنيماتي هذه، فحملوه معهم، حتى إذا بلغوا وادي القرى يقول سلمان: فظلموني وباعوني لرجل يهودي، فكنت عنده ، فرأيت النخل فرجوت أن يكون البلد الذي وصف لي صاحبي ولم يحق في نفسي.

    فبينما أنا عنده إذ قدم عليه ابن عم له من بني قريظة من المدينة، فابتاعني منه، فحملني إلى المدينة ، فوالله ما هو إلا أن رأيتُها فعرَفتُها بصفة صاحبي ، فأقمت بها.

    وبُعث رسول الله فأقام بمكة ما أقام، لا أسمع له بذكر مع ما أنا فيه من شغل الرق، ثم هاجر إلى المدينة، فوالله إني لفي رأس عَذْقٍ لسيدي أعمل فيه بعض العمل وسيدي جالس تحتي؛ إذ أقبل ابنُ عمٍ له، حتى وقف عليه، فقال: يا فلان قاتل الله بني قَيْلة [وهو اسم جدة للأنصار يُنسبون إليها] والله إنهم الآن لمجتمعون معنا على رجل قدم عليهم من مكة اليوم يزعمون أنه نبي.

    فلما سمعتُها أخذتني العُرَواء [أي الرِعدة] حتى ظننت أني ساقط على سيدي، فنزلت عن النخلة، فجعلتُ أقول لابن عمه ذلك: ما تقول؟ فغضب سيدي، فلكمني لكمة شديدة، ثم قال: مالك ولهذا؟ أقبِل على عملك! فقلت: لا شيء إنما أردت أن أستثبته عما قال.

    وقد كان عندي شيء جمعتُه، فلما أمسيت أخذتُه، ثم ذهبت به إلى رسول الله وهو بقباء، فدخلت عليه، فقلت له: إنه قد بلغني أنك رجل صالح ومعك أصحاب لك غرباء ذوو حاجة، وهذا شيء كان عندي للصدقة، فرأيتكم أحق به من غيركم، فقرَّبتُه إليه، فقال رسول الله لأصحابه: ((كلوا)) وأمسك فلم يأكل، فقلت في نفسي: هذه واحدة.

    ثم انصرفتُ عنه فجمعتُ شيئاً، وتحول رسول الله إلى المدينة، ثم جئته به، فقلت: إني قد رأيتُك لا تأكلُ الصدقة، وهذه هدية أكرمتُك بها، فأكل رسول الله وأمر أصحابه فأكلوا معه، فقلت في نفسي: هاتان اثنتان.

    ثم جئت رسول الله وهو ببقيع الغرقد قد تبع جنازة رجل من أصحابه، وهو جالس في أصحابه، فسلمت عليه، ثم استدرت أنظر إلى ظهره هل أرى الخاتم الذي وصف لي صاحبي، فلما رآني استدبرته عرَف أني أستثبت في شيء وصف لي، فألقى الرداء عن ظهره، فنظرت إلى الخاتم فعرفته، فأكببت عليه أقبله وأبكي.

    فقال لي رسول الله : ((تحوَّل)) فتحولتُ، فجلستُ بين يديه ، فقصصتُ عليه حديثي .. فأعجبَ رسولَ الله وأحبَّ أن يسمع ذلك أصحابُه.

    ومن دلائل نبوته بشارة النبيين موسى وحبقوق بنبي قدوس طاهر يخرج من بلاد فاران، وهو اسم للحجاز كما سيتبين لنا.

    وقد جاء في سفر التثنية المنسوب إلى موسى عليه السلام أنه قال لبني إسرائيل قبيل وفاته: "جاء الرب من سيناء، وأشرق لهم من سعير، وتلألأ من جبل فاران" (التثنية 33/2)، فقد أخبرهم عليه السلام بأنه كما جاءت رسالة الله إليه على جبل الطور في سيناء، فإن النبوة ستشرق من جبل ساعير في وسط فلسطين، وذلك بنبوة عيسى عليه السلام، ثم ستتلألأ النبوة من فوق جبل فاران بنبي عظيم يخرج فيها.

    وأكد سفر النبي حبقوق البشارةَ بالنبي المبعوث في فاران، فقال: "والقدوس من جبل فاران، جلاله غطى السماوات، والأرض امتلأت من تسبيحه" (حبقوق 3/3)، فمن هو هذا العبد الطاهر ذو الهيبة الذي يخرج من فاران، وتمتلئ الأرض من تسبيحه وتسبيح أتباعه؟

    لن نستطيع القول بأنه محمد إلا إذا عرفنا المقصود من كلمة (فاران).

    فاسم فاران تستخدمه التوراة في حديثها عن مكة المكرمة، فقد جاء في سفر التكوين أن إسماعيل عليه السلام نشأ وتربى في برية فاران، يقول السِّفر عن إسماعيل: " كان الله مع الغلام فكبر .. وسكن في برية فاران " (التكوين 21/21).

    وهكذا استبانت النبوءة في أبهى صورها، فكما عاش إسماعيل في برية فاران التي هي الحجاز، فإن النبوة ستتلألأ من على جبل فاران، فمن هو النبي المبعوث في فاران؟ إنه محمد .

    إن أمثال هذه النبوءة الباهرة والشهادة الواضحة دفعت المنصفين من أهل الكتاب إلى الإيمان بالنبي والاعتراف بأنه الرسول الخاتم المبشر به في كتب السابقين.

    ومن هؤلاء حَبْرُ اليهود عبدُ الله بن سلام الذي أسلم على يد النبي ، فقد وفد على النبي في يوم هجرته ومقدمه المدينة ، يقول: فجئت في الناس لأنظر إليه.

    فلما استثبتُ وجه رسول الله عرفت أن وجهَه ليس بوجه كذاب، وكان أول شيء تكلم به أن قال: ((أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلّوا والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام)).

    قال السندي: " قوله: ( عرَفْت أن وجهه ليس بوجه كذاب ) لما لاح عليه من سواطع أنوار النبوة، وإذا كان أهل الصلاح والصلاة في الليل يُعرَفون بوجوههم .. فكيف هو، وهو سيدهم صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله؟ ".

    وفي البخاري أن ابن سلام أتى النبي فجلس بين يديه، وقال: إني سائلك عن ثلاث، لا يعلمهن إلا نبي: ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام يأكله أهل الجنة؟ ومن أي شيء ينزع الولد إلى أبيه؟ ومن أي شيء ينزع إلى أخواله؟

    فقال رسول الله : ((خبَّرني بهن آنِفاً جبريلُ .. أما أول أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد حوت، وأما الشبه في الولد، فإن الرجل إذا غشي المرأة، فسبقها ماؤه كان الشبه له، وإذا سبق ماؤها كان الشبه لها)). قال: أشهد أنك رسول الله.

    ثم قال ابن سلام: يا رسول الله، إن اليهود قوم بُهْت، إن علموا بإسلامي قبل أن تسألهم بهتوني عندك، فجاءت اليهود، ودخل عبد الله البيت فقال رسول الله لليهود: أي رجل فيكم عبد الله بن سلام؟ قالوا: أعلمُنا وابنُ أعلمِنا، وأخيَرِنا وابنُ أخْيَرنا.

    فقال رسول الله : ((أفرأيتم إن أسلم عبد الله؟)) قالوا: أعاذه الله من ذلك. فخرج عبد الله إليهم، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسولُ الله.

    فقالوا: شرُّنا وابنُ شرنا، ووقعوا فيه.

    فإسلام عبد الله بن سلام ، وهو حبر عالم في الكتب السابقة دليل صدق وشاهد حق على نبوة النبي ] ويقول الذين كفروا لست مرسلاً قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب [ (الرعد: 43).

    وفي مسند أحمد شاهد آخر من شهادات أهل الكتاب بنبوة النبي ، وذلك فيما يرويه عن سلمة بن سلامة البدري قال: كان لنا جار من يهود في بني عبد الأشهل، فخرج علينا يوماً من بيته قبل مبعث النبي بيسير، فوقف على مجلس عبد الأشهل، وأنا يومئذ أحدث من فيه سناً.. فذكر البعث والقيامة والحساب والميزان والجنة والنار، فقال ذلك لقومٍ أهلِ شرك أصحابِ أوثان، لا يرون أن بعثاً كائن بعد الموت.

    فقالوا له: ويحك يا فلان، ترى هذا كائناً؟ إن الناس يبعثون بعد موتهم إلى دار فيها جنة ونار؟ يجزون فيها بأعمالهم؟ قال: نعم والذي يحلَف به ..

    قالوا له: ويحك، وما آيةُ ذلك؟ قال: نبي يبعث من نحو هذه البلاد. وأشار بيده نحو مكة واليمن.

    قالوا: ومتى تُراه؟ قال سلمة: فنظر إليّ، وأنا من أحدثهم سناً، فقال: إن يستنفد هذا الغلام عمُرَه [أي إن عاش حتى يهرم] يدركْه.

    قال سلمة: فوالله ما ذهب الليل والنهار حتى بعث الله تعالى رسوله وهو [أي اليهودي] حي بين أظهرنا، فآمنا به، وكفر به بغياً وحسداً.

    فقلنا: ويلك يا فلان، ألست بالذي قلت لنا فيه ما قلت؟ قال: بلى، وليس به.

    لقد أنكر الحق الذي عرفه وكان يبشر به ] ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين [ (البقرة: 89).

    لقد كفروا بالنبي الذي كانوا ينتظرونه من بعد ما عرفوه معرفتهم بأبنائهم، وصدق الله العظيم في قوله: } الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقاً منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون { (الأنعام:20).

    ومن البشارات الكتابية أيضاً بالنبي ما جاء في سفر التكوين المنسوب إلى موسى عليه السلام، أنه خاطب بني إسرائيل: "قال لي الرب: قد أحسنوا في ما تكلموا، أقيم لهم نبياً من وسط إخوتهم مثلك، وأجعل كلامي في فمه، فيكلمهم بكل ما أوصيه به، ويكون أن الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلم به باسمي، أنا أطالبه.." (التثنية 18 / 17 - 19).

    والنص كما هو واضح يتحدث عن نبي عظيم يأتي بعد موسى عليه السلام، ويذكر صفات هذا النبي، وأولُها أنه من غير بني إسرائيل، فهو ليس من أنفسهم، بل هو من بني إخوتهم، أي أبناء عمومتهم، وعمومة بني إسرائيل هم بنو عيسو بنِ إسحاق، وبنو إسماعيلَ بنِ إبراهيم عليهم السلام.

    وهذا النبي من خصائصه أنه مثل لموسى الذي لم يقم في بني إسرائيل نبي مثله كما جاء في سفر التكوين: "ولم يقم بعدُ نبيٌ في إسرائيل مثلُ موسى" (التثنية: 34/10).

    ومن صفات هذا النبي المبشَر به أن الله يعطيه وحياً شفاهياً يحمل كل وصايا الله، وأيضاً فإن الله ينتقم من أعدائه الذين يرفضون نبوته "وأجعل كلامي في فمه، فيكلمهم بكل ما أوصيه به، ويكون أن الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلم به باسمي أنا أطالبه".

    فمن هو هذا النبي الذي يبشر به موسى عليه السلام؟ إنه أخوه محمدٌ .

    ولهذا الخبر وغيره من الأخبار التوراتية؛ كان يهود المدينة يتوعدون جيرانهم من الأوس والخزرج بمقدم نبي عظيم، يسودون به على المدينة وأهلها، فقد روى ابن إسحاق في سيرته عن بعض الأنصار أنهم قالوا: إن مما دعانا إلى الإسلام - مع رحمةِ الله تعالى وهداهُ لنا - لِما كنا نسمع من رجال اليهود، وكنا أهلَ شرك أصحابَ أوثان، وكانوا أهل كتاب، عِندَهم علمٌ ليس لنا، وكانت لا تزال بيننا وبينهم شرور، فإذا نلنا منهم بعض ما يكرهون قالوا لنا: إنه قد تقارب زمان نبي يبعث الآن، نقتلكم معه قتل عاد وإرم، فكنا كثيراً ما نسمع ذلك منهم.

    فلما بعث الله رسوله أجبناه حين دعانا إلى الله تعالى، وعرفنا ما كان يتوعدنا به, فبادرناهم إليه، فآمنا به، وكفروا به، ففينا وفيهم نزلت هؤلاء الآيات: } ولما جاءهم كتابٌ من عند الله مصدقٌ لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة اللهعلى الكافرين { (البقرة: 89).

    قال قتادة: "كانت اليهود تستفتح بمحمد على كفار العرب .. فلما بَعث الله محمداً ، فرأوا أنه بُعِث من غيرِهم، كفروا به حسداً للعرب، وهم يعلمون أنه رسول الله ، يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة".

    وشهد لنبوة النبي حَبْر عالم من علماء اليهود في المدينة، الحَبرُ ابنُ الهيبان ، وقد جاء من الشام إلى المدينة المنورة حين علم أنها مهاجرُ النبي الخاتَم، فجاء إليها ينتظر مبعثه وهجرته إليها.

    روى ابن اسحاق في سيرته عن شيخ من بني قريظة، قال: قدم علينا رجل من الشام من اليهود يقال له ابن الهيبان، فأقام عندنا، والله ما رأينا رجلاً يصلي خيراً منه، فقدم علينا قبل مبعَثِ رسول الله بسنتين، فكنا إذا قحطنا، وقلّ علينا المطر؛ نقول: يا ابن الهيبان اخرج، فاستسق لنا ، فيقول: لا والله حتى تقدموا أمام مخرجِكم صدقة، فنقول: كم؟ فيقول: صاعاً من تمر، أو مُدَّين من شعير.

    فنخرجه، ثم يخرج إلى ظاهر حرتنا، ونحن معه نستسقي، فوالله ما يقوم من مجلسه حتى تمطرَ ويمُرَّ الماء بالشعاب، قد فعل ذلك مرة ولا مرتين ولا ثلاثة.

    فحضرته الوفاة، واجتمعنا إليه، فقال: يا معشر يهود! أترون ما أخرجني من أرض الخمر والخمير [الشام] إلى أرض البؤس والجوع [يثرب]؟ قالوا: أنت أعلم.

    قال: فإني إنما خرجت أتوقع نبياً قد أظل زمانُه، هذه البلاد مهاجَرُه، فاتبعوه ولا يسبقَنَّ إليه غيرُكم إذا خرج، يا معشر اليهود، فإنه يبعث بسفك الدماء وسبي الذراري والنساء ممن يخالفه فلا يمنعكم ذلك منه، ثم مات.

    فلما كانت الليلة التي فُتحت فيها قريظة، خرج ثلاثة من حصونهم، فقالوا: يا معشر اليهود، والله إنه للذي ذكر لكم ابنُ الهيبان، فقالوا: ما هو به ، قالوا: بلى والله إنه لصفته. ثم نزلوا وأسلموا.

    وأما السفر المنسوب إلى النبي حجي فإنه يذكر اسم النبي ، فيقول لبني إسرائيل: "لا تخافوا، لأنه هكذا قال رب الجنود، هي مرة بعد قليل، فأزلزل السماوات والأرض والبحر واليابسة، وأنزل كل الأمم، ويأتي مشتهى كل الأمم، فأملأ هذا البيت مجداً قال رب الجنود...".

    ويتحدث السفر عن عظمة بيت جديد من بيوت الله: "مجدُ هذا البيت الأخير يكون أعظمَ من مجد الأول [أي مسجد القدس] قال رب الجنود، وفي هذا المكان أعطي السلام" (حجي 2/6 - 9).

    ولو عدنا إلى النص العبري للتوراة، وقرأنا قولها: "ويأتي مشتهى كل الأمم" لوجدنا النص العبري يقول: "فباؤا حِمدات كول هاجوييم"، وكلمة حِمدات التي ترجمت إلى "مشتهى" هي الصيغة العبرية لاسم محمد ، وترجمتها خطأ ظاهر لأن الأسماء لا تترجم.

    وقول السِفر عن بيت الله الأخير أي المسجد الحرام: " وفي هذا المكان أعطي السلام"، أي أعطي الإسلام، فالسلم والإسلام لفظتان اشتقاقهما واحد، وكلاهما اسم يطلق على دين الإسلام، كما قال الله: } يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السِلْم كافةً { (البقرة: 208).

    قال ابن كثير: "ادخلوا في السلم كافة يعني الإسلام".

    وهكذا تتلألأ الحقيقة واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار، إن الكتاب المقدس عند اليهود والنصارى يذكر النبي باسمه ، وينبؤنا باسم دينه، وعن بيته العظيم الذي يفوق شرفه ومجده بيت الله القديم الذي بناه إسحاق على أرض فلسطين.

    وقد صدق الله وهو يؤكد وجود البشارة به في كتب السابقين ويعِد المؤمنين منهم بالفلاح العظيم: } الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون { (الأعراف: 157).

من دلائل النبوة

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. اخترت لك من دلائل النبوة 9
    بواسطة مجدي فوزي في المنتدى الإعجاز العلمي فى القرأن الكريم والسنة النبوية
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 13-03-2012, 12:53 AM
  2. اخترت لك من دلائل النبوة 5
    بواسطة مجدي فوزي في المنتدى الإعجاز العلمي فى القرأن الكريم والسنة النبوية
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 19-02-2011, 05:14 PM
  3. من دلائل النبوة
    بواسطة إكليل الذهب في المنتدى منتدى نصرانيات
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 18-06-2007, 03:38 AM
  4. سلسلة من دلائل النبوة - منقذ السقار
    بواسطة نسيبة بنت كعب في المنتدى من السيرة العطرة لخير البرية صلى الله عليه وسلم
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 02-12-2005, 06:57 PM
  5. دلائل النبوة عند النصارى
    بواسطة الشرقاوى في المنتدى منتدى نصرانيات
    مشاركات: 5
    آخر مشاركة: 26-10-2005, 01:13 AM

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

من دلائل النبوة

من دلائل النبوة