

-
المشاركة الثالثة
ثم إن الرسل الذين اختارهم الله لحمل رسالته زودهم بصفات وآيات للدلالة على صدقهم في التبليغ عن ربهم ، وصدق الرسالة التي يحملونها ، وهذه الآيات يعجز البشر منفردين ومجتمعين أن يأتوا بمثلها ، لأنها خارقة للمعتاد من القوانين والسنن الكونية وخارجة عن المألوف عند البشر ، كأن تنقلب العصا إلى ثعبان مبين تلتهم عصي السحرة وحبالهم ثم ترجع عصا كما كانت دون زيادة في حجمها أو وزنها ، هذا ما أجراه الله على يدي عبده ورسوله موسى عليه السلام ، أو أن يضرب موسى البحر بتلك العصا فينفلق البحر وينشق ، فيصبح طريقاً يبساً آمناً للمستضعفينَ فيَنجونَ خلاله ويَسلمون ، ومن ثم يكون مقبرة لعدوهم وجنوده .
أو أن تكون آية الرسول إحياءً للميت أو رد البصر للأعمى فاقد البصر منذ الولادة فيصبح بصيرا ، هذا بعض ما أجراه الله على يدي عبده ورسوله المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام .
أو أن تكون آية الرسول قرآنا خالدا يتولى الله حفظه ، فلا تفنى عجائبه ، فيه نبأ ما قبلنا، وخبرُ ما بعدنا، وحُكم ما بينا ، هو السهل الممتنع ، يتحدى الله به البشر وغيرهم أن يأتوا بمثله ، فيعجز عن ذلك أولهم وآخرهم ، ينظر إليه العلماء بإعجاب وإكبار فما يكون منهم إلا أن يقولوا آمنا به كلٌ من عند ربنا ، هذا هو الكتاب الخالد الذي تنزل على عبد الله ورسوله الأمي محمد صلى الله عليه وسلم .
الآيات التي أيد الله بها رسله أكثر من أن تحصى إلا أنني آثرت ذكر أعظمها مراعاةً للاختصار.
بالرغم من ما أصاب التوراة والإنجيل من تحريف لا يخفى على كل صاحب بصيرة إلا أن الصحيح فيها يتفق مع القرآن في كل الأمور المتعلقة بذات الله عز وجل ووحدانيته وصفاته ، فقد جاء في القرآن ما يقطع بأن صفات الله الخالق تختلف كل الاختلاف عن صفات خَلقه فيقول ( ليس كمثله شيء ) الشورى 11
وكذلك في التوراة ( ليس مثل الله ) تثنية 27
وفي التوراة أيضا ( لكي تعرف أن ليس مثل الرب إلهنا ) خروج 8/10
وفي الإنجيل( الذي انتم لستم تعرفونه ( يوحنا 7/28
أشار القران إلى عدم رؤية الله فقال ( لن تراني ) الأعراف 143
وكذلك جاء على لسان السيد المسيح عليه السلام ( الله لم يره احد قط ) يوحنا 1/18
ملاحظة : هذا دليل على عدم إلوهية المسيح الذي خالط تلاميذه وغيرهم ، فحدثهم وأكل وشرب ونام معهم .
أخبرنا القرآن الكريم أن المسيح عليه السلام أرسل إلى بني إسرائيل كرسول وليس كإله ، وأن ما جرى على يديه من آيات كان بإذن الله وليس من نفسه ، فقد جاء في القران الكريم أن السيد المسيح خاطب بني إسرائيل بقوله ( وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ، أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ، وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللَّهِ، وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) آل عمران49
وهذا هو عين الحق فليس في الإنجيل أي نص على لسان السيد المسيح يزعم فيه أنه إله ،كما تعتقد معظم الطوائف المسيحية ، بل على عكس ذلك تماما ، فكل الشواهد والنصوص التي جاءت على لسان السيد المسيح في الإنجيل تبين أنه رسول من عند الله تماما كما جاء في الآية الكريمة ، وسنستعرض بعض هذه النصوص الشاهدة على أن السيد المسيح ما هو إلا إنسان يأتمر بأمر خالقه ، فقد جاء على لسان المسيح قوله ( أنا إنسان قد كلمكم بالحق الذي سمعه من الله ) يوحنا 8/40
ويقول ( لأني لم آت من نفسي . بل ذاك أرسلني ) يوحنا 8/42
ويقول ( ومن نفسي لم آت ، بل الذي أرسلني هو حق ) يوحنا 7/28
ويقول ( لكن الذي أرسلني هو حق ) يوحنا 8/26
ويقول ( ليس لأعمل مشيئتي بل مشيئة الذي أرسلني ) يوحنا 6/38
ويقول (تعليمي ليس لي بل للذي أرسلني ) يوحنا 7/16
ويقول ( الذي يؤمن بي ليس يؤمن بي بل بالذي أرسلني ) يوحنا 12/44
ويقول ( ينبغي أن اعمل أعمال الذي أرسلني ما دام نهار) يوحنا 9/4
وكذلك فإن المسيح يصف نفسه بالعجز وعدم القدرة وأن ما يجري على يديه ليس بإرادته بل بإرادة الله عز وجل فيقول :
( أنا لا اقدر أن افعل من نفسي شيء ) يوحنا 5/30
وان يقول ( ولست افعل شيئا من نفسي ) يوحنا 8/28
فهل يُعقل أن يكون اله ولا يستطيع أن يفعل من نفسه شيء ؟
ثم يقول المسيح أنه لا يتكلم من نفسه ( لأني لم أتكلم من نفسي ) يوحنا 12/49
( الكلام الذي أكلمكم به لست أتكلم به من نفسي ) يوحنا 14/10
( هل هو من الله ؟ أم أتكلم أنا من نفسي؟ ) يوحنا 7/17
نكتفي بهذا القدر من النصوص الصريحة والواضحة في كون المسيح ليس إلا رسول من عند الله ، وكلها على لسان السيد المسيح عليه السلام.
أيضا أحببت أن آخذ شهادة أخرى من الإنجيل ولكن على لسان الذين شاهدوا الميت وقد أقامه السيد المسيح أمام أعينهم ، فقد قالوا أن المسيح نبي عظيم ولم يقولوا قام فينا إله عظيم ، كما أنهم مجدوا الله ولم يمجدوا المسيح وهذا هو النص ( فاخذ الجميع خوف ومجدوا الله قائلين قد قام فينا نبي عظيم وافتقد الله شعبه ) لوقا 7/16
كذلك الأعمى الذي أبصر على يدي المسيح عندما سؤل عن المسيح أجاب أنه نبي كما جاء في يوحنا
( قالوا أيضا للأعمى ماذا تقول أنت عنه من حيث أنه فتح عينيك ؟ فقال إنه نبي ) يوحنا 9/17
كما أحببت أيضا أن آخذ شهادة أخرى على لسان بطرس شيخ التلاميذ الذي عايش المسيح وشاهد العجائب والآيات التي صنعها المسيح أمام سمعه وبصره ، بطرس الذي خالط المسيح وتحدث معه وسمع منه ، أعلن هذا الشيخ أن المسيح رجل وليس إله دون أن يعترض عليه أحد ، كان ذلك عندما وقف أمام التلاميذ ( الأحد عشر ورفع صوته وقال لهم أيها الرجال اليهود والساكنون في أورشليم أجمعون ليكن هذا معلوما عندكم وأصغوا إلى كلامي )
ثم قال : ( أيها الرجال الإسرائيليون اسمعوا هذه الأقوال.يسوع الناصري رجل قد تبرهن لكم من قبل الله بقوات وعجائب وآيات صنعها الله بيده في وسطكم كما انتم أيضا تعلمون ) أع 2/22
لو كان المسيح إله ألا يحتج التلاميذ على شيخهم ؟ أليس سكوتهم إقرارا منهم وهم بكامل نصابهم أن المسيح عليه السلام رجل بعثه الله بالرسالة والنبوة ، ألا تكفي شهادة المسيح على نفسه ؟ ألا تكفي شهادة الذين آمنوا بالمسيح وشاهدوا معجزاته ؟ وشهادة تلاميذ المسيح أليست معتبرة ؟ عندما يقول المسيح أنا إنسان هل من المنطق أن يكون الرد عليه بل أنت الله ولكنك لا تعلم ؟ أو أن يقال لتلاميذ المسيح أنتم لا تعرفونه ، تظنون أنه رجل ؟ نحن نعرف المسيح أكثر منكم هو إله لم يعلن عن نفسه خوفا من اليهود ، لو كان المسيح إلها ، أيعقل أن لا يقول أنا الله بسبب الحياء ؟ لماذا لم يستولِ الحياء عليه حين وصف المرأة الكنعانية وقومها بالكلاب ؟
بعدما ضل الناس في المسيح عليه السلام وفي الربوبية ، وقد أصاب الإنجيل وكتب الأنبياء ما أصابها من التحريف والتبديل ، فزيد فيها وأنقص منها لتتوافق مع أهواء رعاة الكنائس ، وأصبحت مسائل الاعتقاد رهينة أهواء أصحاب المجامع تارة ، أو من خلال نتائج تصويت المجتمعين فيها تارة أخرى ، ومن الغرابة أن يكون الداعي للمجمع المسكوني الأول والراعي له هو الحاكم الروماني الوثني قسطنطين ( مجمع نيقيه سنة 325 ) في هذا المجمع وبدعم من قسطنطين اتخذ القرار بإعلان الثالوث وأن المسيح إله حقيقي رغم معارضة الموحدين ، واعتبار أن كل من يقول أن المسيح مخلوق هو مهرطق ، لذلك قضي على أصحاب الحق وساد الباطل بقوة الحاكم الوثني ، فأخذت الطقوس والأعياد الوثنية تتسلل لتحل محل تعاليم السيد المسيح .
فاختلطت الأمور على الناس حتى أصبحوا في ضلال وانحراف ، فعم الشرك وعلت الوثنية ، وانتشرت عبادة الأصنام في معظم الأمصار ، حتى الكنائس أصابها نفس المرض فزينت من الداخل والخارج بالأيقونات والأصنام المنحوتة لبعض القديسين والملائكة والعذراء ، بالرغم من تحريم صنع المنحوتات والتماثيل والصور كما جاء في الكتاب المقدس ( ملعون الإنسان الذي يصنع تمثالا منحوتا أو مسبوكا رجسا لدى الرب ) تثنية 27/15 ( احترزوا من أن تنسوا عهد الرب إلهكم الذي قطعه معكم وتصنعوا لأنفسكم تمثالا منحوتا صورة كل ما نهاك عنه الرب إلهك ) تثنية 4/23 ( لا تصنع لك تمثالا منحوتا ولا صورة ما مّما في السماء من فوق وما في الأرض من تحت وما في الماء من تحت الأرض ) خروج 20/25 وتثنية 5/8
فبالرغم من كل ذلك الوضوح في النهي عن صناعة الأصنام إلا أن القساوسة ورواد الكنائس أخذوا يبخرون تلك التماثيل ويتقربون إليها ويعظمون تلك الأصنام والصور ويتمسحون بها ويطلبون منها الشفاء وقضاء الحوائج ، فعم الجهل وسادت الخرافة وأهملت تعاليم السيد المسيح عليه السلام.
بعد هذا الظلام العقائدي أراد الله أن يرسل للبشرية من يرشدها إلى الحق ، فاصطفى الله لهذه الرسالة العظيمة رسولا أميا من بين قوم أميين حتى لا يقال إنما يعلمه بشر ، فأوحى الله إليه بكتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، فانبثق فجر الإسلام وسطع نوره بإرادة الله عز وجل ،
حمل الرسالة السماوية محمد أبن عبد الله صلى الله عليه وسلم ، فجاء بالأدلة الدامغة والبراهين القاطعة يبين أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن الله لا إله غيره ولا معبود سواه ، إليه يرجع الأمر كله .
جاء هذا النبي الأمي اليتيم بكتاب الله الخالد ، أنزل الله عليه قرآن عربياً غيرِ ذي عوج ، عجز الناس قاطبة أن يأتوا بمثله ، فما كان من العقلاء والبلغاء والأدباء والعلماء إلا أن يسلموا بعظمته وينقادوا إليه مذعنين يقولون آمنا به كلٌ من عند ربنا ، كيف لا وهم الفئة المستهدفة في الخطاب القرآني ؟ لقد كانت أول آية نزلت في كتاب رب العالمين - بل أول كلمة - تدعو إلى القراءة ، التي هي مصدر العلم والمعرفة ، قال تعالى ( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5) سورة العلق
التعديل الأخير تم بواسطة ابو علي الفلسطيني ; 26-10-2010 الساعة 11:03 PM
معلومات الموضوع
الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع
الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)
المواضيع المتشابهه
-
بواسطة الريحانة في المنتدى المنتدى العام
مشاركات: 7
آخر مشاركة: 13-05-2010, 07:41 AM
الكلمات الدلالية لهذا الموضوع
ضوابط المشاركة
- لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
- لا تستطيع الرد على المواضيع
- لا تستطيع إرفاق ملفات
- لا تستطيع تعديل مشاركاتك
-
قوانين المنتدى

المفضلات