ثالثا : خطاب المجاهدة:‏

‎‎ لو كان الناس تقبلوا الحق حين رأوا أصحابه يعطونهم القدوة من أنفسهم،أو بما قام بينهم من حوارات ومجادلات،أو كانوا تركوا الدعاة يبلغون دين الحق دون الصد عن سبيل الدعوة والوقوف في وجهها بالمال والقوة والسلطان،لما احتاج المسلم أن يشهر سيفه،ولاكتفى بالمشاكلة والمجادلة .. ولما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يزال يدعو قومه بشيء من حرية دون اعتراض شديد،بل يجد الحماية والجوار،يصدع بالحق في قريش،ويعرض دعوته في المواسم للحجيج والتجار،ما احتاج المسلمون إلى توجيه خطاب المجاهدة إلى أهل مكة،وكما يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله : "لم يكن هناك ضرورة ملحة لتجاوز هذه الاعتبارات كلها،والأمر بالقتال،ودفع الأذى،لأن الأمر الأساس في هذه الدعوة كان قائما -وقتها- ومحققا،هذا الأمر الأساس هو وجود الدعوة في شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم ،وشخصه صلى الله عليه وسلم في حماية سيوف بني هاشم،فلا تمتد إليه يد إلا وهي مهددة بالقطع،فكان صلى الله عليه وسلم يبلغ دعوته -إذن- في حماية وأمن،لا يكتمها ولا يخفيها،فكان للدعوة وجودها الكامل،ومن ثم لم تكن هناك الضرورة القاهرة لاستعجال المعركة .. "(34).‏

‎‎ ولكن حال المناقضين للفطرة،من أصحاب الجاه والسلطان والمال،أنهم لا يتركون الدعوة تمضي،ولا يخلون بين عامة الناس وبين اختيارهم بحرية،فيقفون في وجه الدعوة،يقاومون أهلها بكل وسيلة،ويمنعون الناس أن يسمعوا أو يقربوا أو يختاروا،فعندئذ لا بد من إزاحة هذه العوائق من على طريق الدعوة،فيتحول خطاب المسلم من المشاكلة والاستحسان،ومن الحوار والجدال،إلى خطاب السيوف والرماح والنبال،ومن جهاد الجدال إلى جهاد القتال،حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله.‏

‎‎ وبعدأن تزاح عوائق سماع الدعوة،وتزول الفتنة الواقعة أو المتوقعة عن الدين،يعود خطاب القدوة وخطاب المجادلة.‏

مرحلة الصفوية

‎‎ انفتاح الخطاب الدعوي على جماهير الناس،ليس على إطلاقه،ولا يقتضي بحال أن تكون الانفتاحية في كل حين وحال،بل لابد من الصفوية في مرحلة من مراحل الدعوة،وذلك أن الدعوة لا تنطلق بذاتها،وإنما يحمل خطابها مؤمنون بها.‏

‎‎ وهؤلاء المؤمنون الأوائل،هم الصفوة المقصودة،إذ المصلح أو الداعي يبدأ بفئة أو طائفة أو جماعة متقاربة في الالتزام والطاعة،متقاربة في الفكر والاعتقاد والمبادئ والأهداف،متقاربة في الاجتهاد والتبليغ والدعوة،وهؤلاء هم الصفوة.‏

‎‎ وهكذا كان الله سبحانه وتعالى مع الرسول صلى الله عليه وسلم ،والرسول مع السابقين الأولين من صحابته رضوان الله عليهم.‏

‎‎ فالقرآن بدأ بتنشئة صاحب الدعوة،يهيىء فكره وعقله،مخاطبا إياهما بـ " اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم" (العلق : 1 -3).‏

‎‎ ثم هيأ روحه ودواخله آمرا إياه أن : " قم الليل إلا قليلا نصفه أو انقص منه قليلا أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا" (المزمل : 2 -5).‏

‎‎ وبعد ذلك هيأ له راية الإبلاغ تبشيرا وتنذيرا،فأمره أن : "قم فأنذر،وربك فكبر وثيابك فطهر والرجز فاهجر" (المدثر : 2 -5).‏

‎‎ والرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بدأ مع أهله،ثم أصدقائه وأخلائه،ثم عشيرته،ثم انطلق وصدع،وهذا تمرحل طبيعي.‏

‎‎ وفي أثناء ذلك عكف يربي فئة خيرة سابقت العالمين إلى الإيمان به واعتناق الدين الذي جاء به،والالتزام بمفاهيمه وقيمه وتعاليمه،لينطلق بهم في الأرجاء،ينشر الدين ويدعو إلى الديان رب العالمين.‏

‎‎ ولقد كان الصحابة الأولون مثلا في التقوى والالتزام،والتخلق بخلق الإسلام،قل من يأثم أو يظلم،أو ينحرف أو يحيد،أو يذنب أو يكيد.‏

‎‎ ولكن لما كثر المؤمنون،وانبسطت تعاليم الإسلام في البلدان والأمصار،كثر المذنبون والآثمون،وكثر أيضا المتقون الطائعون.‏

‎‎ ولن نقول بكراهة نشر الدين مخافة دخول الذين سيذنبون أو يعصون بحجة أنهم سيسيئون إلى الإسلام،فالإسلام دعوة عالمية،محفوظة بحفظ الله ،يجب أن تبلغ العالمين،ورسالة مطلقة عن الأشخاص والأزمان والأمكنة : "إن هو إلا ذكر للعالمين" ( التكوير: 27) .. "وما هو إلا ذكر للعلمين" (القلم : 52) .. "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين" (الأنبياء : 107) .. "وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ولكن أكثر الناس لا يعلمون" (سبأ : 28).‏

‎‎ إذن الأصل هو انفتاح الدعوة على الأمة لا الصفوة .. وأما الصفوية فهي مرحلة ضرورية،ولكنها عارض،تزول بانبساط الدين في الأرجاء وتهيئة الأجواء،ودخول الأفواج(*).‏

‎‎ ومجتمع المدينة كان يضم أمثال أبي بكر وعمر وعثمان وعلي،رضي الله عنه،وأيضا ضم أمثال عبد الله بن أبي رأس النفاق .. وهذا هو الأصل الذي يجب أن يتوقعه الدعاة،ويجب أن يتعاملوا معه.‏

‎‎ فينبغي أن يكون الخطاب الدعوي اليوم خطاب أمة لا خطاب صفوة .. خطاب جماهير لا نخبة،يتخذ الانفتاحية بديلا عن الانغلاقية والصفوية التي اتسمت بها بعض الدعوات الإسلامية المعاصرة.‏