مقدمة المؤلف

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:

فقد دأب بعض الناس جهلاً أو تقليداً لمن سلب الهوى عقولهم على النيل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذين آمنوا به، وتشرفوا بصحبته، وآزروه ونصروه، وساهموا معه بكل بذل وسخاء في بناء حضارة هذه الأمة ومجدها وتأريخها الذي تفخر به، وتباهي الأمم الأخرى، فلولاهم بعد مشيئة الله تعالى ما انتصر الإسلام، وما انتشر في بقاع الأرض وما شع نوره في الآفاق، فاهتدت به أمم وأقوام على اختلاق ألسنتها وألوانها وأعراقها، فسعدت به وسادت على من سواها، فاستحقوا بذلك وبغيره من الأعمال الجليلة التي لا يتسع المقام لذكرها: ثناء الله تعالى عليهم، وترضيه عنهم، وثوابه لهم في كثير من آيات القرآن الكريم، فمن ذلك:

قوله تعالى : ) والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظيم ( ] التوبة: 100[

وقوله تعالى: ) لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحاً قريباً( ] الفتح: 18[

وقوله تعالى : ) لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلاً وعد الله الحسنى والله بما تعملون خبير( ] الحديد: 10[

كما استحقوا ثناء النبي صلى الله عليه وسلم عليهم، وإشادته بهم، وتفضيله لهم على من سواهم بأحاديث كثيرة فمن ذلك:

قوله عليه الصلاة والسلام :"خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم الحديث"([1])

وقوله: "لا تسبوا أصحابي، لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه" ([2])

وقوله: " الله الله في أصحابي، لا تتخذوا أصحابي غرضاً، من أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله يوشك أن يأخذه" ([3])

ومع ثناء الله تعالى عليهم ورضائه عنهم، وإشادة النبي صلى الله عليه وسلم بهم، وتفضيله لهم على من سواهم من أبناء هذه الأمة، فقد تناولتهم ألسنة موزورة، وأقلام مأجورة، ركزت على عدد منهم من السابقين الأولين وغيرهم.


([1]) البخاري 3/35 كتاب فضائل الصحابة، ومسلم 7/185

([2]) البخاري 7/21، ومسلم 7/188، وأبوداود 4/214، وابن حبان 8/188، واللفظ لمسلم.

([3]) ابن حبان 8/189


فقولتهم ما لم يقولوه، ونسبت إليه ما لم يفعلوه، وافترت عليهم ما هم منه براء غير عابئة بآيات القرآن الكريم المزكية لهم، والمترضية عنهم، وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم الصحيحة المشيدة بفضلهم، معتمدة في ذلك على روايات تأريخية مزورة، دسها المتظاهرون بالإسلام من أعدائه، وعملت الأهواء على تضخيمها حتى أصبحت حقائق أو كالحقائق عند أهلها، مع أنها لا أصل لها في الواقع، وإنما هي تخيلات وأوهام، نتجت عن أفهام سقيمة، واستنتاجات خاطئة.

وفي هذه العجالة سأتحدث عن أحد الصحابة الكرام الذين لاكتهم ألسنة السوء، وافترت عليهم ما شاءت من الفرى الكاذبة، والمزاعم الباطلة التي أملاها خيالها المريض، وتعصبها المقيت. ذلكم هو الصحاب الجليل (أبو هريرة) صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخادمه وحافظ سنته.

وسأقوم بالتعريف به، وبصحبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وبجهوده في خدمة السنة النبوية، وسأفند بعض ما أثير حوله من شبهات، بلغة واضحة، وعرض سهل بعيد عن التعقيد، مع الإيجاز والبعد عن الاسترسال، لتكون في متناول كل المستويات، ولتسهم مع ما كتبه فضاء قبلي: في التعريف بهذا الصحابي الجليل وإنصافه، وتفنيد ما أثير حوله من افتراءات لا تستند إلى حجة أو دليل مقبول، ومن الله أستمد العون والتوفيق.

الدكتور
حارث سليمان الضاري
إربد الأردن
15 محرم الحرام 1420هـ
1/5/1999م


يتبع