إن النهوض من أجل استعادة القدس من براثن هذه الغزوة الاستكبارية والصهيونية إنما هو مؤشر على حياة هذه الأمة الإسلامية واستعادة وحدتها وقدراتها ، ومن هنا نفهم حجم الإصرار الأمريكي على رعاية التسوية التي تنتهي مآلها إلى تضييع القدس والمقدسات .
وليس صدفة أن تكون القدس هي آخر الموضوعات التي يفاوضون عليها ففي كل المسارات التفاوضية اللبنانية والسورية والأردنية والمصرية ، كان المسار التفاوضي يسير في مسار واحد وفي مرحلة واحدة ، إلا المسار الفلسطيني فوفق عملية مدريد للتسوية كان المسار التفاوضي يسير على مرحلتين الأولى مرحلة الحكم الذاتي وسموها المرحلة الانتقالية والثانية مرحلة تقرير الوضع النهائي وفي آخر المرحلة الثانية تطرح قضية القدس ومصير القدس .. لماذا ؟
لأن التآمر على القدس يقتضي جملة وعدد كبير من المقدمات وتغيير الوقائع والمعطيات حتى يسقط ما في أيدينا وتصبح القدس في أيدي بني صهيون ودون أن يتمكن أي مفاوض من أن يستنفذ شيئا منها .
في المرحلة التفاوضية الثانية ، ووفق عملية مدريد حاول العدو الصهيوني أن يستنفد ما فـي وسعه من أجـل أن يلغـي كل المعـالم الإسلامية من مدينة القدس ، وربما كانت الأمور ستصل إلى حد الاستغناء عن القدس وذلك بحي أو حيين هما حي "العزارية " و" أبوديس " يستقطعان ويسميان بعاصمة الدولة الفلسطينية ، ويوهم المفاوض الأمريكي والصهيوني العالم الإسلامي والشعب الفلسطيني أن هذين الحيين هما القدس وتنتهي المسألة وهنا كانت المفاوضات على وشك الانتهاء من الحل النهائي ، ولكن للأسف الشديد ,كانت زيارة " شارون" للمسجد الأقصى بمثابة إعلان لكل الفلسطينيين والمسلمين داخل فلسطين وخارجها ولكل العرب والعالم كله أنه ليس لكم من هذه المقدسات شئ ، ليس لكم في هذه المدينة حيٌ أو حيًّان ، ليس لكم أي شئ ، واعتُبِرَ " ايهود باراك " رئيس وزراء إسرائيل الأسبق خائناً وسقط في الانتخابات ونجح " شارون " وأصبح هو – أي شارون – رئيساً للوزراء لأنه لم يفرط في شبر واحد من القدس .
ويرى البعض أن زيارة " أرييل شارون " زعيم حزب الليكود الإسرائيلي إلى ساحة المسجد الأقصى في أواخر شهر سبتمبر 2000 ما هي إلا عمل سياسي محض كان يرمي من ورائه إحراج " إيهود باراك " رئيس الوزراء وزعيم حزب العمل ووقف المسيرة السلمية وذلك بعد التنازلات الكبيرة التي قدمها باراك وبخاصة في قمة " كامب ديفيد " الأخيرة بصدد مشكلة القدس ( حسب منظورهم ) أي أن الأمر هو خلاف سياسي داخلي بين الأحزاب والهدف منه أغراض سياسية ، لكن بنظرة متفحصة يتبين لنا أن ما سبق ذكره ربما يكون جزءاً صغيراً من الحقيقة وليس الحقيقة كلها ، إذ أن هناك وجها آخر للزيارة يتعين الإشارة إليه ، فكما هو معلوم هناك طائفة كبيرة يشكل أتباعها جل القاعدة السياسية العريضة " لآرييل شارون " ، وتعرف هذه الطائفة بـ " أنصار الخلاص " وهم يؤولون سفر الرؤيا ويعتبرون أن " عودة الرب " إلى جبل الهيكل ( حائط البراق ) من أجلهم باتت وشيكة وبأن " إسرائيل " بما فيها " يهودا " و " السامره " ( الضفة الغربية ) تشكل مملكتهم ، وكان اختيار" شارون" للقيام بهذه الزيارة ، وفي هذا التوقيت ، تأكيدا لفكرة هذه الطائفة ، حيث اعترف هو شخصياً بأن زيارته كانت لتأكيد السيادة الإسرائيلية على جبل الهيكل وزرع العلم الإسرائيلي عليه وقد جاء التوقيت عشية السنة اليهودية الجديدة وهي التي يتم فيها تجديد " عهد الرب " عند أنصار هذه الطائفة .
وينبغي الإشارة إلى أن " إيجال عامير " الذي قتل رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق اسحق رابين هو أحد أتباع هذه الطائفة . وينبئنا التاريخ أن لكل شئ نهاية وليس بعد الاكتمال إلا النقصان .
إن الصراع مستمر والحرب آتية لا محالة ، وحتى لو حدثت عمليات تهدئة أو تسويات سياسية ، فإنها ستكون مهدئات وعوامل قد تساعد على تأجيل الحرب وليس على إلغائها نهائيا ، لأن عوامل نشوبها ستظل قائمة .
ولكن قبل أن نعرض لذلك أحب أن أعرض بعض الحقائق الهامة المطوية في ملف القدس وتبطل الكثير من الحجج التي استندت إليها الصهيونية واتخذتها ذريعة لاحتلال فلسطين إذ أن العالم يكتشف كل عام حقيقة ادعاءات إسرائيل " التوراتية " .
هذا هو مقام القدس في عقيدة الإسلام والمسلمين ، وموقعها في التاريخ الإسلامي والتاريخ اليهودي ومكانتها في الدولة الإسلامية ..وعليه فإننا يجب أن نتعامل معها في هذا الطور من أطوار الصراع التاريخي حولها وعليها ، باعتبارها أكثر من قطعة أرض وأعظم من مدينة ، وأهم من عاصمة للدولة الفلسطينية وأخطر من كونها قلب الصراع العربي الصهيوني ، إنها كل ذلك وأكثر من ذلك ، إنها جزء من عقيدة أمة يبلغ تعدادهـا ملياراً وثلث المليار ، وليست مجرد قضية وطنية لثمانية ملايين من الفلسطينيين ولا مجرد مشكلة قومية لأقل من ثلاثمائة مليون عربي ، إنها عاصمة الوطن الفلسطيني .. ومحور الصراع العربي الصهيوني ، وفوق كل ذلك ، إنها عقيدة إسلامية وحرم مقدس ، والرباط بينها وبين الحرم المكي هو التجسيد لعقيدة وحدة دين الله التي جاء بها الإسلام فإسلامية القدس وإسلامية موقفنا في الصراع حولها يضيف للإمكانات الوطنية الفلسطينية والطاقات القومية العربية ولا ينتقص منها ، بل إن هذه الإسلامية لقضية القدس هي في مصلحة سائر أصحاب المقدسات من سائر المتدينين بالديانات الأخرى .
المفضلات