خيرة العقول المسلمة في القرن العشرين

آخـــر الـــمـــشـــاركــــات


مـواقـع شـقــيـقـة
شبكة الفرقان الإسلامية شبكة سبيل الإسلام شبكة كلمة سواء الدعوية منتديات حراس العقيدة
البشارة الإسلامية منتديات طريق الإيمان منتدى التوحيد مكتبة المهتدون
موقع الشيخ احمد ديدات تليفزيون الحقيقة شبكة برسوميات شبكة المسيح كلمة الله
غرفة الحوار الإسلامي المسيحي مكافح الشبهات شبكة الحقيقة الإسلامية موقع بشارة المسيح
شبكة البهائية فى الميزان شبكة الأحمدية فى الميزان مركز براهين شبكة ضد الإلحاد

يرجى عدم تناول موضوعات سياسية حتى لا تتعرض العضوية للحظر

 

       

         

 

    

 

 

    

 

خيرة العقول المسلمة في القرن العشرين

النتائج 1 إلى 8 من 8

الموضوع: خيرة العقول المسلمة في القرن العشرين

العرض المتطور

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Feb 2010
    المشاركات
    1,559
    الدين
    الإسلام
    الجنس
    ذكر
    آخر نشاط
    22-12-2021
    على الساعة
    12:21 AM

    افتراضي



    (3)



    ـ مالك بن نبي.. فيلسوف الحضارة الإسلامية:


    * في غسق الاستعمار:


    ولد المفكر الإسلامي مالك بن نبي في مدينة قسنطينة الجزائرية عام 1905 لأسرة متواضعة الحال، حيث كان أبوه عمر موظفا بسيطا في إدارة مدينة تبسَّة، وأمه زهيرة ربة بيت تعمل في الحياكة. لكن الأسرة كانت عميقة التدين، عزيزة الأنفس. وقد تحدث مالك في مذكراته (شاهد القرن) عن هجرة أجداده لأمه إلى تونس والجزائر بداية الغزو الفرنسي، خوفا من انتهاك أعراض بناتهم على أيدي الجند الفرنسيين المتغطرسين. كانت أحاديث جدته هي النافذة التي فهم منها مالك جرائم الاستعمار الفرنسي، وأهمية الاعتزاز بالعقيدة الإسلامية واللغة العربية، ثم كانت صلة أسرته بالحركات الإصلاحية وبالطرق الصوفية، خصوصا (الزاوية العيسوية)، دافعا له إلى الاهتمام بقضايا الإصلاح والنهضة والتجديد.


    ثم كان حرص والدته على تعليمه القرآن ـ حتى إنها رهنت سريرها مرة لدفع أجرة المعلم ـ دافعا آخر عمق في نفسه حب القرآن وحمْلَ راية الدفاع عنه ضد المستشرقين في كتابه القيم "الظاهرة القرآنية". جمع مالك بين الدراسة في الكتَّاب وفي المدارس الفرنسية بالجزائر، ثم تخرج من معهد إسلامي بالجزائر (مدرسة سيدي الجليس) وواصل دراسته العليا في فرنسا فتخرج مهندسا عام 1935. والحق أن مالكا كان معلم نفسه، فولعه بالقراءة شديد، وجلده في التعلم الذاتي لا يضاهى، وذلك أكبر مصدر من مصادر المعرفة لديه.


    * بين المشرق والمغرب:


    بعد ثلاثين عاما من العيش في فرنسا، رحل فيلسوفنا إلى مصر عام 1956. وفي القاهرة عمَّق مالك معرفته باللغة العربية، وقد كانت الفرنسية غالبة على لسانه وقلمه من قبل، وهناك ترجم له د. عبد الصبور شاهين عددا من أهم كتبه ترجمة بديعة، فاشتهر ذكر مالك وتعرَّف عليه الأكابر بمصر والشام. كما بنى مالك صلة بالرئيس عبد الناصر، وخصصت له القيادة المصرية راتبا شهريا مكنه من التفرغ للكتابة والمحاضرات خلال سبع سنين.. وفي مرحلته القاهرية اندلعت الثورة الجزائرية المجيدة، فجرد مالك قلمه لها، وكتب الكثير عنها. عاد مالك إلى الجزائر عام 1963 وفيها تقلد عدة مناصب أكاديمية، منها منصب مستشار للتعليم العالي، ثم مدير جامعة الجزائر، ثم مدير التعليم العالي، لكنه استقال عام 1967 مؤثرا التفرغ للعمل الفكري إلى أن وافاه الأجل يوم 31 أكتوبر 1973. وخلف مالك ثروة فكرية رائعة من حوالي ثلاثين كتابا، نشر منها حتى الآن حوالي العشرين، ولا تزال بعض أعماله مخطوطة لم تنشر. ويمكن اعتبار أهم أعماله هي: "الظاهرة القرآنية"، و"وجهة العالم الإسلامي" و"شروط النهضة" و"مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي".


    * ثائر موطَّأ الأكناف!


    يقول علامة فاس ومؤرخها الدكتور عبد السلام الهراس ـ وهو ممن عايشوا مالك بن نبي في نفس المنزل بمصر ـ إن مالكا كان متواضعا بسيطا في حياته وعلاقاته الشخصية: "مالك بن نبي كان يعيش معنا بسيطا جدا، البساطة التامة، كان عندما بدأ يتلقى النقود على كتبه، ويدفع حظه في البيت، فنحاسبه كما نحاسب بعضنا، فيخضع لنا ولا يرى في ذلك غضاضة. يقول: هل أساعدكم؟ فنقول: لا، ثم يثق فينا ثقة كبيرة..."، لكن مالك كان عزيز النفس أبيًّا يعرف قيمة الفكر والعلم الذي يحمله. وكان فيه شدة وفورة غضب أحيانا، تجعل رفقاءه يتجنبونه حتى يهدأ غضبه. لكنه إذا لم يكن غاضبا فهو موطأ الأكناف، رقيق القلب، شديد الوفاء لرفقائه. يقول الهراس: "ما أعتز به هو أن مالك بن نبي أبى أن يودِّعني في الدار بالقاهرة، عندما أتممت دراستي (ليسانس) وعزمت على العودة إلى المغرب. فأبى إلا أن يودعني في بورسعيد على باب الباخرة".


    * حامل همِّ النهضة:


    يمكن إجمال الجهد التجديدي لمالك بن نبي في مجالين: مجال الدراسات القرآنية ومجال فكر النهضة. ففي الدراسات القرآنية ابتكر مالك ـ بالتوازي مع الدكتور محمد عبد الله دراز الذي قدم له كتابه "الظاهرة القرآنية" ـ منهجا جديدا للبرهنة على أصالة الرسالة القرآنية، يعتمد التحليل المنطقي والتاريخي أكثر من التحليل البياني اللغوي. وفي مجال النهضة كتب مالك جل كتبه، وهو ما نركز عليه هنا.


    لقد قدم مالك بن نبي إسهامات جليلة في تجديد الفكر الإسلامي المعاصر، وتنقية المنبع الفكري الذي استمدت منه حركة النهضة منذ ختام القرن التاسع عشر. وأصبحت بعض المصطلحات التي نحتها مالك على كل لسان. ومن ذا الذي لم يسمع بمقولاته حول العلاقة بين "الاستعمار" و"القابلية للاستعمار"؟ والصلة بين "الأفكار الميتة" و"الأفكار المميتة"؟ ومراحل تطور الحضارة الإسلامية من "طور الروح/الصعود"، إلى "طور العقل/الامتداد"، إلى "طور الغريزة/الانحطاط"؟


    وقد توصل مالك بن نبي إلى أن أزمة المجتمع المسلم هي أزمة منهجية عملية في الأساس، وأن التحدي الرئيس الذي يواجه المسلمين هو تحدي النهضة. وصاغ نظريته في التغيير الاجتماعي على أساس مبدإ الفاعلية. وقد أخذ مالك على بعض حركات الإصلاح التي ظهرت في العالم الإسلامي مطلع القرن العشرين إغراقها في الحديث عن العقائد المجردة على طريقة علم الكلام القديم، وتفريطها فيما دعاه "الفكر الفني الذي يعجل بحركة التاريخ". ففقدت هذه الحركات رسالتها ودورها التاريخي، كما يقول مالك، لأن "المسلم لم يتخل مطلقا عن عقيدته، فلقد ظل مؤمنا .. ولكن عقيدته تجردت من فاعليتها، لأنها فقدت إشعاعها الاجتماعي … وعليه فليست المشكلة أن نعلِّم المسلم عقيدة هو يملكها، وإنما المهم أن نرد إلى هذه العقيدة فاعليتها، وقوتها الإيجابية، وتأثيرها الاجتماعي. وفي كلمة واحدة: إن مشكلتنا ليست في أن نبرهن للمسلم على وجود الله ، بقدر ما هي في أن نشعره بوجوده".


    * تغيير جوهر الإنسان:


    وحين قارن مالك بين منهج محمد عبده ومنهج محمد إقبال اكتشف الفرق بين المدرستين: مدرسة كلامية تتعامل مع المشكلة الإسلامية في الإطار الذهني المجرد، ومدرسة عملية تهدف إلى تغيير جوهر الإنسان ومحيطه الاجتماعي. وقد كتب مالك عن ذلك يقول: "إن المدرسة الإصلاحية [بقيادة الشيخ محمد عبده] صاغتها بلغة علم الكلام، بينما صاغها إقبال في مصطلحات أخرى، حين نبَّه على أن المطلوب ليس العلم بالله، ولكنه ـ في أوسع وأدق معانيه ـ الاتصال بالله. ليس المطلوب مفهوما كلاميا، ولكنه انكشاف للحقيقة الخالدة، وبحسب تعبيره هو: (تجلي هذه الذات العلوية)". ولذلك لا عجب أن المدرسة الإصلاحية بقيادة عبده "ظلت تعاليم تهدف إلى تخريج متخصصين بارعين، أكثر مما تتجه إلى تكوين دعاة مخلصين" حسب تعبيره. والمتخصص البارع الذي لا يحمل هما ولا رسالة، إنما يغذي وقود الجدل على حساب العمل.


    وقد ذهب مالك بنْ نبي إلى أن المدرسة الإصلاحية كان في وسعها أن تؤثِّر في مسار المجتمعات الإسلامية تأثيرا أكثر إيجابية "لو أنها استطاعت أن تقوم بتركيب أفكارها، وتجميع عناصرها، لتوحد ما بين الأفكار الأصول التي ذهب إليها الشيخ محمد عبده، وبين الآراء السياسية والاجتماعية التي نادى بها جمال الدين، الأمر الذي كان سيؤدي حتما إلى طريق أفضل من مجرد إصلاح مبادئ العقيدة".


    وكان إقبال قد سبق مالكا في التشديد على أن النفوس المؤمنة إذا لم يشفها تدبر القرآن واستنطاقه بمنهجية عملية، فلا الذوق الصوفي (الكشف) بمغن عنها، ولا الجدل الكلامي (الكشاف) بنافعها. يقول إقبال في ديوانه: "جناح جبريل":


    نفسٌ إذا القرآن ما انتفعت به *** لا الكشف ينفعها ولا الكشَّافُ


    والسر في هذا التشخيص الذي اتفق عليه إقبال ومالك وغيرهما من خيرة العقول المسلمة، هو أن علم الكلام ـ الذي رمز إليه إقبال بكتاب "الكشاف" للزمخشري ـ يزيِّف المشكلة الإسلامية من أساسها، كما دلت عليه التجربة التاريخية للمسلمين "حيث لم يكن المتجادلون يبحثون عن حقائق وإنما عن براهين"، كما يقول مالك. ذلك أن "علم الكلام لا يواجه مشكلة الوظيفة الاجتماعية للدين"، وهي جوهر أزمة المجتمع المسلم الآن، ومن أجل استرجاعها ظهرت الحركات الإصلاحية المعاصرة، بل يشغل الناس بالجدل حول أمور غيبية لا مجال لحسمها من الناحية العلمية، ولا تترتب عليها ثمرة عملية.


    رحم الله مالك بن نبي.. منظر النهضة الإسلامية.



    يتبع ..
    التعديل الأخير تم بواسطة طالب عفو ربي ; 22-09-2010 الساعة 09:00 PM

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Feb 2010
    المشاركات
    1,559
    الدين
    الإسلام
    الجنس
    ذكر
    آخر نشاط
    22-12-2021
    على الساعة
    12:21 AM

    افتراضي


    (4)



    ـ إسماعيل الفاروقي.. حامل همِّ الشرق في الغرب:


    * سيرة حياته:


    ولد الدكتور إسماعيل راجي الفاروقي في مدينة يافا الفلسطينية عام 1921، وبدأ دراسته الإسلامية بالمسجد وفي البيت على يد والده الذي كان قاضيا شرعيا. وتابع دراسته الابتدائية والثانوية في مدارس الدومينيكان الفرنسية، ثم حصل على الباكالوريوس في الفلسفة من الجامعة الأميركية في بيروت عام 1941. عمل في ظل الانتداب البريطاني محافظا لمنطقة الجليل إلى حين ميلاد الدولة الصهيونية، فالتحق بالمقاومة برهة، ثم هاجر إلى أميركا حيث حصل على شهادتيْ الماجستير في فلسفة الأديان: الأولى من جامعة إنديانا عام 1949، والثانية من جامعة هارفارد عام 1951. وفي عام 1952 حصل على الدكتوراه من جامعة إنديانا، وكانت أطروحته بعنوان: "نظرية الخير: الجوانب الميتافيزيقية والإبستومولوجية للقيم".


    بعد تضلعه بالفلسفة الغربية وبتاريخ وتعاليم الديانتين اليهودية والمسيحية في دراسته بأميركا، أحس الفاروقي بالحاجة إلى تعميق معرفته بدينه الإسلامي، فرحل إلى مصر، ودرس في الأزهر أربع سنوات (1954-1958) بنى فيها ثقافة إسلامية رصينة، ثم عاد إلى الغرب وبدأ التدريس بجامعة ماكجيل الكندية، وباحثا في كلية اللاهوت بالجامعة ذاتها، حيث أسفرت أبحاثه هناك عن كتابه القيم: (الأخلاق المسيحية: تحليل تاريخي ومنهجي لأفكارها المهيمنة). انتقل الفاروقي إلى باكستان عام 1961، ليساهم في تأسيس (معهد البحوث الإسلامية) في كراتشي، ثم عاد إلى أميركا أستاذا بجامعة شيكاغو 1963-1964، وفي جامعة سيراكيوز 1964-1968. ثم استقر قراره بجامعة تمبل التي مكث فيها حوالي ثمانية عشر عاما من العام 1968 إلى عام استشهاده 1986.


    * السفير المغدور:


    من عادة الملوك الأقدمين أن لا يقتلوا السفراء الذين يحملون الرسائل بينهم، وهم يعتبرون هذا العرف السياسي من أمارات المروءة والشهامة. لكن سفير الشرق الإسلامي إلى الغرب المسيحي إسماعيل الفاروقي قتل غدرا وغيلة. جاء الفاروقي إلى الغرب حاملا معه مظلمته من الشرق، فوجد الظلم في انتظاره في غرب أحلَّ عبادة إسرائيل محل ديانته المسيحية. ففي ليلة 18 رمضان 1406 هـ، 27 مايو 1986 م، قُتل إسماعيل الفاروقي طعنا بالسكاكين هو وزوجته الدكتورة لمياء الفاروقي ـ وهي عالمة متمرسة بالفن والعمارة الإسلامية ـ بسبب مواقفه الصلبة في الدفاع عن قضيته وقضية شعبه الفلسطيني، وتعريته الأديولوجية الصهوينية وجذورها العنصرية، وبسبب عمله الدعوي الدؤوب لنشر الإسلام وثقافته في المجتمع الأميركي. بيد أن فكر الفاروقي لم يمت، بل شكل زادا على الطريق الشائك الذي اختطه، طريق كلمة الحق في وجه الجبروت.


    * العالم الموسوعي:


    كان الفاروقي مثالا للعالم المسلم الموسوعي، فهو متضلع في الفلسفة، والأديان، والتاريخ، وفي مختلف العلوم الإنسانية الأخرى، وهو يتقن العربية والفرنسية والإنكليزية ويكتب باللغات الثلاث وكأن كلا منها لغته الأم. يحكي الدكتور جمال البرزنجي أنه استدعى الفاروقي لعشاء في بيته عام 1972، وتحدث الضيف أمام جمع من أتباع ديانات شتى لمدة ساعة.


    وفي ختام الحديث، رفع قسيس يده طالبا التعقيب، فقال: "لقد تعلمتُ عن المسيحية هذه الليلة وحدها أكثر مما تعلمته في دراستي لها خلال الثلاثين سنة الماضية". خلف الفاروقي ثروة فكرية متميزة، منها خمسة وعشرون كتابا، وأكثر من مائة بحث ومقال أكاديمي. ولا تزال جل كتبه في أصلها الإنكليزي، وهي بحق مساهمة نوعية في تحرير العقل المسلم وتجديد الفكر الإسلامي. وقد ترجمت له بضعة كتب إلى العربية، منها "أطلس الحضارة الإسلامية". كما تخرج على يديه عدد وافر من العلماء المتخصصين في الأديان. ويمكن إجمال المساهمة التجديدية التي قدمها الفاروقي في أربعة محاور: الحضارة الإسلامية، ومقارنة الأديان، وأسلمة المعرفة، والظاهرة الصهيونية.


    * الحضارة الإسلامية:


    ففي مجال الحضارة الإسلامية ألف الفاروقي وزوجته لمياء سفرا ضخما وقيما جدا، هو "أطلس الحضارة الإسلامية"، الكتاب الذي "ولد يتيم الأبوين" كما كتب مقدمُه الدكتور هشام الطالب، لأن الدكتور إسماعيل وزوجته استشهدا والكتاب لا يزال في المطبعة. فكان من نعم الله أن خرج الكتاب شاهدا لهما، وحافظا لجهدهما وجهادهما. وهو عصارة فكرهما في مرحلة النضج والتمكن. ولعل بقاء هذا الكتاب دليل على ما ذهب إليه برويز منصور إذ كتب في نعي الفاروقي: "إن حبر العالِم أقوى من سكين الغادر". ويمتاز هذا الكتاب برحابة النظرة وامتدادها في الزمان والمكان، فالمعرفة الواسعة التي بناها الفاروقي في تاريخ الأديان، خصوصا اليهودية والمسيحية، والخبرة العميقة التي اكتسبتها لمياء في الفن والعمارة الإسلامية، جعلتهما يضعان الحضارة الإسلامية في إطار رحب لا مثيل له في الكتابات الشائعة في هذا المضمار، وقد تبنى المؤلفان منهجا مبتكرا، بيَّنا فيه "السياق" الذي ولدت فيه هذه الحضارة، و"الجوهر" التوحيدي الذي تمحورت حوله، و"الشكل" الذي عبرت به عن نفسها، و"التجليات" التي ظهرت بها (وهذه هي المحاور الأربعة للكتاب).


    * مقارنة الأديان:


    وفي مجال الدراسة المقارنة للأديان حرر الفاروقي "الأطلس التاريخي لأديان العالم" وكتب الفصل الخاص بالإسلام في ذلك الأطلس، كما قدم له بمدخل ضافٍ بين فيه جلال الرسالة الإسلامية وتفوقها على كل الأديان، واحتواءها جميع الفضائل التي جاءت بها الرسالات السماوية السابقة، واعتمادها على العقل والمنطق. كما ألف كتاب "الأخلاق المسيحية" الذي نقض فيه الأساس النظري والتاريخي لهذه الديانة من خلال مصادرها الأولى. وقد حاول عدد من القسس في جامعة ماكجيل التي كتب الفاروقي الكتاب في رحابها أن يمنعوا نشره، قائلين إنه يزلزل الإيمان المسيحي في قلوب قرائه. وللفاروقي كتب أخرى في الأديان، منها "الإسلام والديانات الأخرى" و"ثلاثية الحوار اليهودي-المسيحي-الإسلامي"، كما اشترك في تأليف كتاب "الديانات الآسيوية الكبرى"، هذا إلى جانب كتبه الخاصة بالإسلام، ومنها كتاب "التوحيد ومقتضياته في الفكر والحياة".


    * أسلمة المعرفة:


    وفي مجال أسلمة المعرفة وضع الفاروقي الأسس النظرية لإعادة صياغة العلوم الإنسانية والاجتماعية المعاصرة صياغة إسلامية، بحيث تصبح هذه العلوم رافدا إيجابيا لثقافة المسلمين، لا سيلا جارفا يسلبهم هويتهم ودينهم وثقتهم في الذات. وقد شخص الفاروقي داء المسلمين المعاصرين في نظامهم الفكري والتعليمي السائد، وانعدام الدافع القوي والفكرة المحركة في ثقافتهم. وندد بازدواجية التعليم بين ديني تقليدي ومدني معاصر، مما أنتج ذاتا منشطرة مهزوزة، لا تحسن غير التقليد: تقليد الأجداد الذين رحلوا، أو الغربيين المختلفين دينيا وثقافيا. بينما المطلوب هو تعليم واحد تسري فيه الروح الإسلامية من خلال تدريس مادة الحضارة الإسلامية في كل الجامعات والأقسام بغض النظر عن التخصص. أما المتخصصون في الدراسات الإسلامية فلا بد أن يتضلعوا بالعلوم الإنسانية الحديثة لإثراء ذواتهم وبناء قدراتهم النظرية لتكون على مستوى الثقافة العقلية المعاصرة. وقد أسس الفاروقي مع الدكتور عبد الحميد أبو سليمان المعهد العالمي للفكر الإسلامي ليكون مركز تنظير وتخطيط للثقافة التركيبية التي يحتاجها المسلمون اليوم.


    * الظاهرة الصهيونية:


    وفي مجال التعريف بالظاهرة الصهيونية، كتب الفاروقي ثلاثة كتب هي: "الإسلام ومشكلة إسرائيل"، و"أصول الصهيونية في الدين اليهودي"، و"الملل المعاصرة في الدين اليهودي". وكان طرحه متميزا بالعمق والرحابة، وإن لم تخل نبرته من مرارة الظلم. كان الفاروقي متضلعا بتاريخ الديانة اليهودية وبتطور الحضارة الغربية، وقد وضع الصهيونية في ذلك السياق التاريخي، وتوصل إلى أن المسلمين يسيئون فهم أهم عدو لهم اليوم وهو إسرائيل، بالنظر إليها على أنها مجرد ظاهرة استعمارية غربية أو مجرد تكرار للحروب الصليبية، وهي كل ذلك وأكثر بكثير. ثم وضع ميلاد إسرائيل في سياق ثلاثة أفكار مهمة هي: عقيدة "الانتقال الوجودي للخطيئة" ontological passage of guiltفي المسيحية، وتراجع وعود عصر الأنوار الأوربية عن تحقيق المساواة لليهود، ثم المركزية العرقية في الديانة اليهودية. وهكذا اقتلع اليهودي جذوره من أوربا وزرعها في فلسطين وهو محمَّل بكل هذه الأثقال. لكن الحقيقة أنه فعل ذلك متأخرا جدا، وأن عمله هذا مجرد حل مؤقت ويائس لن يكون هو الحل النهائي للمعضلة اليهودية. فتلك معضلة مسيحية غربية لا يمكن حلها على حساب أمة عظيمة تتقدم اليوم إلى مسرح التاريخ من جديد.


    رحم الله الشهيد إسماعيل الفاروقي.. حامل همِّ الشرق في الغرب.



    يتبع ...
    التعديل الأخير تم بواسطة طالب عفو ربي ; 22-09-2010 الساعة 09:05 PM

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Feb 2010
    المشاركات
    1,559
    الدين
    الإسلام
    الجنس
    ذكر
    آخر نشاط
    22-12-2021
    على الساعة
    12:21 AM

    افتراضي


    (5)



    ـ علي عزت بيغوفيتش.. إسلامي بأفق إنساني:


    * بواكير حياة واعدة:


    ولد السياسي والمفكر المخضرم علي عزت بيغوفيتش عام 1925 في بلدة (بوسانا كروبا) في شمال غرب البوسنة، لأسرة عريقة في تاريخ الإسلام بالبلقان. وكانت أمه على قدر من الورع والتقوى، فغرست في قلبه حب الإسلام. فعشق القرآن، وخصوصا سورة الرحمن، وهو صبي يافع. ثم أسس مع زملاء له في الثانوية نادي "الشبان المسلمين" وهو طالب، وتوسع النادي فيما بعد ليصبح جمعية ثقافية وخيرية، ويجتذب العديد من طلاب جامعة سراييفو التي درس فيها علي عزت القانون، وأدت الجمعية خدمات اجتماعية جليلة خلال الحرب العالمية الثانية. وحينما احتلت النازية الألمانية مملكة يوغوسلافيا وأحالتها جمهورية فاشية، قاطعت جمعية الشبان المسلمين النظام الفاشي، وضايقها هذا النظام فحرمها من الشرعية القانونية. تخرج علي عزت محاميا، وجهد في إتقان اللغات الأوربية الأساسية، ومنها الألمانية والفرنسية والإنكليزية، كما بنى بجهده الخاص ثقافة رصينة في العلوم الاجتماعية والفكر الإسلامي والأدب حتى أصبح ضليعا بهذه العلوم، كما تشهد به كتبه، خصوصا "الإسلام بين الشرق والغرب" و"هروبي إلى الحرية".


    * متحدِّي الزحف الأحمر:


    بدأت محنة المسلمين في يوغوسلافيا تتعمق أكثر بعد الحرب العالمية الثانية، حينما استولى الحزب الشيوعي بقيادة جوزيف تيتو على السلطة، وفرض نظاما قمعيا مناهضا للإسلام، واعتقل عددا وافرا من قادة المسلمين وأعدم العديد منهم، أما جمعية الشبان المسلمين، ذات المنهج الثوري واللغة السياسية الصريحة، فكانت الوطأة عليها أقوى، فاعتقل منها النظام الشيوعي حوالي الألفين منهم علي عزت، الذي مكث في السجون الشيوعية خمسة أعوام (1949-1954). وبعد خروجه من السجن بدأ علي عزت العمل محاميا عام 1962، وواصل عمله الفكري الإسلامي، من خلال الكتابة المنتظمة في مجلة "تاكفين" التي كانت تصدرها جمعية العلماء المسلمين في يوغوسلافيا.


    وقد صدرت مجموعة من مقالاته في كتاب بعنوان "البيان الإسلامي" عام 1981، فأثار الكتاب ثائرة السلطة الشيوعية التي رأت فيه نوعا من المناهضة للشيوعية، خصوصا بعنوانه المثير الذي يشبه المناقضة لعنوان "البيان الشيوعي" الذي أصدره كارل ماركس وفريديريك أنغلز عام 1848، وأصبح إنجيل الحركة الشيوعية. حوكم علي عزت محاكمة صورية وحكم عليه عام 1983 بالسجن لمدة أربعة عشر عاما، فمكث خمس سنوات كالحة في السجون الشيوعية للمرة الثانية. ومع انهيار الشيوعية عام 1989 خرج من السجن بعد إعادة محاكمته وتبرئته، وبدأ العمل السياسي في أجواء الانفتاح الجديد. فأسس حزبا سياسيا، وفاز برئاسة جمهورية البوسنة طيلة عقد من الزمان (1990 ـ 2000). ثم رحل عن عالمنا عام 2003م، مخلِّفا ذكرى عطرة وأثرا لا يندثر.


    * قاهر بربرية الحضارة:


    تفاءل مسلمو البوسنة بسقوط الشيوعية خيرا، وحسبوا أنهم دخلوا عالم الحرية الموعودة التي طالما انتظروا إسفار فجرها على بلدانهم. بيد أن عدوا جديدا أطل برأسه القبيح، فكان أبشع من الشيوعية وأكثر دموية، وهو الفاشية الصربية، التي سعت إلى استئصال الإسلام من يوغوسلافيا، مدفوعة بأحقاد دفينة ترجع إلى ميراث العصور الخوالي من الصراع بين المسلمين الأتراك والمسيحيين السلافيين في البلقان. وقد تواطأت أوربا مع الصرب بحصار المسلمين وحرمانهم من أي سلاح يمكنهم من الدفاع عن وطنهم المستباح. وبينما كان المسلمون يبادون كان بعض القادة الأوربيين يتحدثون عن خطر وجود "دولة إسلامية" في أوربا!! وكان على علي عزت أن يقود شعبه في معركة موت أو حياة، انتهت باستقلال البوسنة، لكن بعد تضحيات جسام، وبحور من الدماء في سبرنيستا وغيرها.


    كان علي عزت أبياًّ في تواضع، صلبًا في حكمة. صمد في السجن أمام الإغراء والإغواء، وصبر خارج السجن في البأساء والضراء. جمع بين العلم والعمل، بين الفكر والالتزام بالقضية. كان شديد الذكاء، عظيم الشجاعة، لكنه كان يقدر الشجاعة أكثر من الذكاء، وقد كتب يقول: "لم يغنِّ الشعب للذكاء، وإنما غنَّى للشجاعة... لأنها الأكثر ندرة". وفي أحلك المحن التي واجهها ظل علي عزت ذلك الرجل ذا القلب الكبير الذي لا يحمل حقدا حتى ضد أعدى أعاديه. وقد كتب عن نفسه بحق: "لا كراهية لدي، وإنما لديَّ مرارة"، "لا أتذكر بأني احتقرت أحدا". ولم يكن يرى العدالة انتقاما، بل إرجاعا للأمور إلى نصابها، مع العفو والصفح حالما يرتفع الظلم عن المظلومين. وفي ذلك يقول: "الطريقة الوحيدة للانتصار على الظلم هي التسامح... أليست كل عدالة ظلما جديدا؟". وبهذا العقل الواسع والقلب الكبير قهَر علي عزت بربرية الحضارة التي أرادت استئصال شعبه تحت سمع وبصر العالم.


    * عاشق الحرية السجين:


    كان علي عزت عاشقا للحرية التي يراها جوهر إنسانية الإنسان، كما كان يرى الدكتاتورية أعدى أعادي الإنسان. وكان يعتبر ملكة التفكير مصدرَ قوة الكائن البشري ومنبعَ حريته التي لا تستطيع قوة القهر المادي سلبها. ولذلك كتب متحدثا عن نفسه في السجون الشيوعية: "لم أستطع الكلام، لكني استطعت التفكير. وقررت استغلال هذه الإمكانية حتى النهاية." وقد حاولت السلطة الشيوعية استدراجه إلى نوع من المساومة على مبادئ الإسلام والحرية فلم تجد منه سوى الصدود والإباء. كتب في دفتره المخفي بالسجن: "اليوم هو 27 شباط 1987م: وهو يوم قليل الإثارة. طلبوني في الصباح لإدارة السجن واضطربتُ، لأنه لم يكن وقت زيارة. وفي غرفة اللقاءات وجدت ليلى وسابينا [ابنتيْه] بوجوه مرحة. أرادتا فورا وربما على المدخل أن تقولا بأن لا شيء مكروها قد حصل. ثم تحدثتا لي كيف أن (نيقولا ستويانوفيتش) رئيس لجنة الاسترحام في رئاسة جمهورية البوسنة اقترح استدعاء للاسترحام، وسيتم الإفراج عني. وكان الوسيط (زدرافكو جوريتشش) سكرتير اللجنة آنذاك هو زميل ليلى في الدراسة، الذي كتب الاستدعاء. وقرأت النص، ولم أوقع، واستمر السجن". لقد طلبوا منه التوقيع على استرحام من سجانيه، وعلى التزام باعتزال السياسة والشأن العام، فرفض بإباء، ومكث في السجن عامين آخرين جراء ذلك.


    وقد علَّمتْه محنة السجن الكثير. وكان يكتب بعض الخواطر وهو سجين، ويخفيها عن أعين سجانيه. ونشرتْ هذه الخواطر فيما بعد ضمن كتابه (هروبي إلى الحرية). وهي تدل على إيمان راسخ، وعقل ثاقب، وفهم عميق للحياة وابتلاءاتها. وفي اثنتين من هذه الخواطر كتب: "السجن يقدم معرفة يمكن أن يقال عنها إنها مؤلمة للغاية"، "يعاني الإنسان في السجن من نقص في المكان وفائض في الزمان".


    * حامل الرسالة الإنسانية:


    كان علي عزت بيغوفيتش إسلاميا في العمق، لكن بأفق إنساني رحب. ويحتار المطالع لتراثه من سعة اطلاعه على الثقافة الإنسانية. فهو ضليع في الفلسفة، والأديان، والقانون، والتاريخ، والأدب، والرسم. وتدل هوامش كتبه وثراء استشهاداته وملاحظاته على إطلاع مذهل على ثمرات الفكر الإنساني في الشرق والغرب، وعقل منهجي ناقد لما قرأ، متمثل له في ذاته. وكان يرى أن ركام المعلومات من غير هضم عبء على حامله، وليس من المناسب تسميته معرفة أصلا. وقد كتب في ذلك: "المعرفة المفرطة تخنق أحيانا الفكرة الإبداعية... يمكن للإنسان أن يمتلك المعرفة في عدة مجالات، لكن من غير تنظيم وبدون رؤيا... الكثير من المتعلمين عاشوا وماتوا بدون معرفة حقة... كومة من المواد الجيدة من دون مخطط، تبقى كومة فقط".


    أسهم علي عزت إسهاما جليلا في الفكر الإسلامي والإنساني من خلال كتبه. وأهم هذه الكتب هي (الإسلام بين الشرق والغرب) و(هروبي نحو الحرية)، ثم (البيان الإسلامي). آمن إيمانا عميقا بالإسلام رسالة إنسانية، تحتاجها البشرية اليوم حاجة مُمضَّة. وقد قدم الإسلام بصفته طريق الوسطية بين المادية العمياء التي تغلِّف الأفق الإنساني وتحجب رؤيته، والروحانية العرجاء التي تؤصِّل الانهزامية والانسحاب من معركة الحياة. فالإسلام هو "الطريق الثالث" كما يدعوه علي عزت.. الطريق الذي لا يشطر الذات الإنسانية شطرين، بل يصوغها صياغة متزنة، تجعلها قادرة على التوفيق بين واقعها المتناهي وأفقها اللامتناهي. فالروحانية الواقعية هي أهم سمات الإسلام، والإنسان الكامل في الإسلام ـ كما يراه علي عزت ـ ليس القديس، بل المؤمن الواقعي القوي، الملتزم برسالته الاجتماعية ودوره في الحياة. ولو فهمنا الإسلام حق الفهم ـ يقول علي عزت ـ فسنجد أن الإنسان الواقعي الملتزم أعظم من القديس، وأن ذلك هو السر وراء أمر الملائكة المعصومين بالسجود لآدم الخطَّاء.


    رحم الله علي عزت بيغوفيتش.. قاهر بربرية الحضارة بإيمانه الإسلامي وأفقه الإنساني.


    ـ تمت ـ


    والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات..


خيرة العقول المسلمة في القرن العشرين

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. دلائل النبوه في القرن العشرين ج 1
    بواسطة ابوغسان في المنتدى من السيرة العطرة لخير البرية صلى الله عليه وسلم
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 24-06-2012, 08:45 PM
  2. دلائل النبوه في القرن العشرين ج 4
    بواسطة ابوغسان في المنتدى من السيرة العطرة لخير البرية صلى الله عليه وسلم
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 24-06-2012, 08:36 PM
  3. دلائل النبوه في القرن العشرين ج 3
    بواسطة ابوغسان في المنتدى من السيرة العطرة لخير البرية صلى الله عليه وسلم
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 24-06-2012, 08:26 PM
  4. دلائل النبوه في القرن العشرين ج 2
    بواسطة ابوغسان في المنتدى من السيرة العطرة لخير البرية صلى الله عليه وسلم
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 24-06-2012, 08:20 PM
  5. معجزات ظهرت في القرن العشرين
    بواسطة خديجة* في المنتدى الإعجاز العلمي فى القرأن الكريم والسنة النبوية
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 02-01-2012, 03:33 PM

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

خيرة العقول المسلمة في القرن العشرين

خيرة العقول المسلمة في القرن العشرين