فصل الخطاب فى شرعية وجوب الحجاب والنقاب (2)
قال صاحب أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - (5 / 511)
قوله تعالى :{وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} .
اعلم أولا أن كلام العلماء في هذه الآية يرجع جميعه إلى ثلاثة أقوال:
الأول : أن الزينة هنا نفس شىء من بدن المرأة ؛ كوجهها وكفيها.
الثاني : أن الزينة هي ما يتزين به خارجا عن بدنها.
وعلى هذا القول ففي الزينة المذكورة الخارجة عن بدن المرأة قولان:
أحدهما : أنها الزينة التي لا يتضمن إبداؤها رؤية شىء من البدن؛ كالملاءة التي تلبسها المرأة فوق القميص والخمار والإزار.
والثاني : أنها الزينة التي يتضمن إبداؤها رؤية شىء من البدن كالكحل في العين، فإنه يتضمن رؤية الوجه أو بعضه، وكالخضاب والخاتم، فإن رؤيتهما تستلزم رؤية اليد، وكالقرط والقلادة والسوار، فإن رؤية ذلك تستلزم رؤية محله من البدن؛ كما لا يخفى.
وسنذكر بعض كلام أهل العلم في ذلك، ثم نبين ما يفهم من آيات القرءان رجحانه .
قال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية، وقوله تعالى: {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} ، أي: لا يظهرن شيئا من الزينة للأجانب، إلا ما لا يمكن إخفاؤه، قال ابن مسعود كالرداء والثياب، يعني على ما كان يتعاطاه نساء العرب من المقنعة التي تجلل ثيابها، وما يبدو من أسافل الثياب، فلا حرج عليها فيه لأن هذا لا يمكنها إخفاؤه ونظيره في زي النساء ما يظهر من إزارها، وما لا يمكن إخفاؤه، وقال بقول ابن مسعود: الحسن، وابن سيرين، وأبو الجوزاء، وإبراهيم النخغي وغيرهم، وقال الأعمش عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} ، قال: وجهها وكفيها والخاتم .
وروي عن ابن عمر، وعطاء، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وأبي الشعثاء، والضحاك، وإبراهيم النخعي وغيرهم نحو ذلك. وهذا يحتمل أن يكون تفسيرا للزينة التي نهين عن إبدائها؛ كما قال أبو إسحاق السبيعي، عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال في قوله: {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ} الزينة: القرط، والدملوج، والخلخال، والقلادة. وفي رواية عنه بهذا الإسناد، قال: الزينة زينتان، فزينة لا يراها إلا الزوج الخاتم والسوار، وزينة يراها الأجانب، وهي الظاهر من الثياب، وقال الزهري: لا يبدو لهؤلاء الذين سمى الله ممن لا تحل له إلا الأسورة والأخمرة والأقرطة من غير حسر، وأما عامة الناس، فلا يبدو منها إلا الخواتم. وقال مالك، عن الزهري {إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} : الخاتم والخلخال. ويحتمل أن ابن عباس، ومن تابعه أرادوا تفسير ما ظهر منها: بالوجه والكفين، وهذا هو المشهور عند الجمهور، ويستأنس له بالحديث الذي رواه أبو داود في "سننه":
حدثنا يعقوب بن كعب الأنطاكي، ومؤمل بن الفضل الحراني، قالا: حدثنا الوليد، عن سعيد بن بشير، عن قتادة، عن خالد بن دريك، عن عائشة رضي الله عنها: أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم، وعليها ثياب رقاق فأعرض عنها، وقال: "يا أسماء، إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا" ، وأشار إلى وجهه وكفيه. لكن قال أبو داود، وأبو حاتم الرازي: هو مرسل، خالد بن دريك لم يسمع من عائشة رضي الله عنها، والله أعلم، اهـ كلام ابن كثير.
وقال القرطبي في تفسيره لقوله تعالى: {إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} : واختلف الناس في قدر ذلك، فقال ابن مسعود: ظاهر الزينة هو الثياب. وزاد ابن جبير: الوجه. وقال سعيد بن جبير أيضا، وعطاء، والأوزاعي: الوجه والكفان والثياب. وقال ابن عباس، وقتادة، والمسور بن مخرمة : ظاهر الزينة هو الكحل والسوار والخضاب إلى نصف الذراع والقرطة والفتخ ونحو هذا، فمباح أن تبديه المرأة لكل من دخل عليها من الناس. وذكر الطبري عن قتادة في معنى نصف الذراع حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر آخر عن عائشة رضي الله عنها، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر إذا عركت أن تظهر إلا وجهها ويديها إلى هاهنا "، وقبض على نصف الذراع.
قال ابن عطية: ويظهر لي بحكم ألفاظ الآية أن المرأة مأمورة بأن لا تبدي وأن تجتهد في الإخفاء لكل ما هو زينة، ووقع الاستثناء فيما يظهر بحكم ضرورة حركة فيما لا بد منه، أو إصلاح شأن ونحو ذلك، فما ظهر على هذا الوجه مما تؤدي إليه الضرورة في النساء، فهو المعفو عنه.
قلت: وهذا قول حسن إلا أنه لما كان الغالب من الوجه والكفين ظهورهما عادة، وعبادة وذلك في الصلاة والحج، فيصلح أن يكون الاستثناء راجعا إليهما يدل لذلك ما رواه أبو داود عن عائشة رضي الله عنها، ثم ذكر القرطبي حديث عائشة المذكور الذي قدمناه قريبا، ثم قال: وقد قال ابن خويز منداد من علمائنا : إن المرأة إذا كانت جميلة، وخيف من وجهها وكفيها الفتنة، فعليها ستر ذلك، وإن كانت عجوز أو مقبحة جاز أن تكشف وجهها وكفيها، اهـ محل الغرض من كلام القرطبي.
قلت محمود : وهل مقياس الجمال عند كل الناس واحد ؟ بالطبع لا . فقد تكون امرأة جميلة فى نظرك ولكنها فى نظر الآخرين قبيحة . ولذلك قد يتزوج إنسان إمرأة لا تُعجب الناس فيقولون هل رآها فى ليلة مظلمة . وقالوا أنهم قالوا لقيس إن ليلى ليست جميلة فكيف قلت كل هذا الشعر فيها ؟ فقال لهم : إنكم لم تروها بعين قيس . وهذا هو الشاهد أن الجميل فى نظر إنسان قد يكون قبيحا فى نظر الآخرين والعكس . فهناك من يحب السوداء وهناك من يحب البيضاء وهناك من يحب الطويلة وهناك من يحب القصيرة .
فقد تكون المرأة لا تشتهى في نظرك ولا تشتهيها نفسك، ولكن ثم أنفس أخر تشتهيها وترغب فيها .
وقالوا : لكل ساقطة لاقطة، فالعجوز لها عجوز أيضاً .
وقال النووي:"المرأة مظنة الطمع فيها، ومظنة الشهوة ولو كانت كبيرة، وقد قالوا لكل ساقطة لاقطة.
وصدق القائل:
لكل ساقطةٍ في الحي لاقطة ... وكلّ كاسدةٍ يوماً لها سوق
وتمعن فى هذا الحديث يتبين لك العجب العجاب فتعلم صحة ما سبق
** عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ بَعْضُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْأَنْصَارِ أَنَّهُ اشْتَكَى رَجُلٌ مِنْهُمْ حَتَّى أُضْنِيَ فَعَادَ جِلْدَةً عَلَى عَظْمٍ فَدَخَلَتْ عَلَيْهِ جَارِيَةٌ لِبَعْضِهِمْ فَهَشَّ لَهَا فَوَقَعَ عَلَيْهَا فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ رِجَالُ قَوْمِهِ يَعُودُونَهُ أَخْبَرَهُمْ بِذَلِكَ وَقَالَ اسْتَفْتُوا لِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنِّي قَدْ وَقَعْتُ عَلَى جَارِيَةٍ دَخَلَتْ عَلَيَّ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالُوا مَا رَأَيْنَا بِأَحَدٍ مِنْ النَّاسِ مِنْ الضُّرِّ مِثْلَ الَّذِي هُوَ بِهِ لَوْ حَمَلْنَاهُ إِلَيْكَ لَتَفَسَّخَتْ عِظَامُهُ مَا هُوَ إِلَّا جِلْدٌ عَلَى عَظْمٍ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَأْخُذُوا لَهُ مِائَةَ شِمْرَاخٍ فَيَضْرِبُوهُ بِهَا ضَرْبَةً وَاحِدَةً .
وانظر إلى عفة العجائز من السلف وفهم لمراد الله عز وجل
** عَنْ عَاصِمٍ الأَحْوَلِ قَالَ : كُنَّا نَدْخُلُ عَلَى حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ وَقَدْ جَعَلَتِ الْجِلْبَابَ هَكَذَا وَتَنَقَّبَتْ بِهِ فَنَقُولُ لَهَا رَحِمَكِ اللَّهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ( وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللاَّتِى لاَ يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ ) هُوَ الْجِلْبَابُ قَالَ فَتَقُولُ لَنَا : أَىُّ شَىْءٍ بَعْدَ ذَلِكَ فَنَقُولُ ( وَأَنْ يَسْتَعْفِفنَ خَيْرٌ لَهُنَّ ) فَتَقُولُ هُوَ إِثْبَاتُ الْجِلْبَابِ .
** وعن أبي عبد الله محمد بن أحمد بن موسى القاضي قال : حضرت مجلس موسى بن إسحاق القاضي بالري سنة ست وثمانين ومائتين وتقدمت امرأة فادعى وليها على زوجها خمسمائة دينار مهرا فأنكر فقال القاضي : شهودك . قال :
قد أحضرتهم . فاستدعى بعض الشهود أن ينظر إلى المرأة ليشير إليها في شهادته فقام الشاهد وقال للمرأة : قومي .
فقال الزوج : تفعلون ماذا ؟
قال الوكيل : ينظرون إلى امرأتك وهي مسفرة لتصح عندهم معرفتها .
فقال الزوج : وإني أشهد القاضي أن لها علي هذا المهر الذي تدعيه ولا تسفر عن وجهها .
فردت المرأة وأخبرت بما كان من زوجها - فقالت : فإني أشهد القاضي : أن قد وهبت له هذا المهر وأبرأته منه في الدنيا والآخرة
فقال القاضي : يكتب هذا في مكارم الأخلاق .
وقال الزمخشري: الزينة ما تزينت به المرأة من حلي أو كحل أو خضاب، فما كان ظاهرا منها كالخاتم والفتخة والكحل والخضاب، فلا بأس به، وما خفي منها كالسوار، والخلخال، والدملج، والقلادة، والإكليل، والوشاح، والقرط، فلا تبديه إلا لهؤلاء المذكورين، وذكر الزينة دون مواقعها للمبالغة في الأمر بالتصون والتستر؛ لأن هذه الزينة واقعة على مواضع من الجسد لا يحل النظر إليها لغير هؤلاء، وهي الذراع، والساق، والعضد، والعنق، والرأس، والصدر، والأذن. فنهى عن إبداء الزينة نفسها ليعلم أن النظر إذا لم يحل إليها لملابستها تلك المواقع، بدليل أن النظر إليها غير ملابسة لها لا مقال في حله، كان النظر إلى المواقع أنفسها متمكنا في الحظر، ثابت القدم في الحرمة، شاهد على أن النساء حقهن أن يحتطن في سترها ويتقين الله في الكشف عنها، إلى آخر كلامه.
وقال صاحب "الدر المنثور": وأخرج عبد الرزاق والفريابي، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه، عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله تعالى: {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ} ، قال: الزينة السوار والدملج والخلخال، والقرط، والقلادة {إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} ، قال: الثياب والجلباب.
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، عن ابن مسعود رضي الله عنه، قال: الزينة زينتان، ، زينة ظاهرة، وزينة باطنة لا يراها إلا الزوج. فأما الزينة الظاهرة: فالثياب، وأما الزينة الباطنة: فالكحل، والسوار والخاتم. ولفظ ابن جرير: فالظاهرة منها الثياب، وما يخفى: فالخلخالان والقرطان والسواران.
وأخرج ابن المنذر عن أنس في قوله: {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} ، قال: الكحل والخاتم.
وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، وعبد بن حميد، وابن المنذر، والبيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} ، قال: الكحل والخاتم والقرط والقلادة.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد، عن ابن عباس في قوله: {إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} ، قال: هو خضاب الكف، والخاتم.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} ، قال: وجهها، وكفاها والخاتم.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} ، قال: رقعة الوجه، وباطن الكف.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد، وابن المنذر، والبيهقي في سننه، عن عائشة رضي الله عنها: أنها سئلت عن الزينة الظاهرة؟ فقالت: القلب والفتخ، وضمت طرف كمها.
وأخرج ابن أبي شيبة عن عكرمة في قوله: {إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} ، قال: الوجه وثغرة النحر.
وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير في قوله: {إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} ، قال: الوجه والكف.
وأخرج ابن جرير عن عطاء في قوله: {إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} ، قال: الكفان والوجه.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير، عن قتادة {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} ، قال: المسكتان والخاتم والكحل.
قال قتادة: وبلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر إلا إلى هاهنا" ويقبض نصف الذراع. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير، عن المسور بن مخرمة في قوله: {إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} ، قال: القلبين، يعني السوار والخاتم والكحل.
وأخرج سعيد وابن جرير، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس في قوله تعالى: {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} ، قال: الخاتم والمسكة. قال ابن جريج: وقالت عائشة رضي الله عنها: القلب والفتخة. قالت عائشة: دخلت علي ابنة أخي لأمي عبد الله بن الطفيل مزينة، فدخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وأعرض، فقالت عائشة رضي الله عنها: إنها ابنة أخي وجارية، فقال: "إذا عركت المرأة لم يحل لها أن تظهر إلا وجهها وإلا ما دون هذا" ، وقبض على ذراعه نفسه، فترك بين قبضته وبين الكف مثل قبضة أخرى، اهـ محل الغرض من كلام صاحب "الدر المنثور".
وقد رأيت في هذه النقول المذكورة عن السلف أقوال أهل العلم في الزينة الظاهرة والزينة الباطنة، وأن جميع ذلك راجع في الجملة إلى ثلاثة أقوال؛ كما ذكرنا.
الأول : أن المراد بالزينة ما تتزين به المرأة خارجا عن أصل خلقتها، ولا يستلزم النظر إليه رؤية شىء من بدنها؛ كقول ابن مسعود، من وافقه: إنها ظاهر الثياب؛ لأن الثياب زينة لها خارجة عن أصل خلقتها وهي ظاهرة بحكم الاضطرار، كما ترى .
وهذا القول هو أظهر الأقوال عندنا وأحوطها، وأبعدها من الريبة وأسباب الفتنة.
القول الثاني: أن المراد بالزينة : ما تتزين به، وليس من أصل خلقتها أيضا، لكن النظر إلى تلك الزينة يستلزم رؤية شىء من بدن المرأة، وذلك كالخضاب والكحل، ونحو ذلك؛ لأن النظر إلى ذلك يستلزم رؤية الموضع الملابس له من البدن، كما لا يخفى.
القول الثالث: أن المراد بالزينة الظاهرة بعض بدن المرأة الذي هو من أصل خلقتها؛ كقول من قال: إن المراد بما ظهر منها الوجه والكفان، وما تقدم ذكره عن بعض أهل العلم.
وإذا عرفت هذا، فاعلم أننا قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يقول بعض العلماء في الآية قولا، وتكون في نفس الآية قرينة دالة على عدم صحة ذلك القول، وقدمنا أيضا في ترجمته أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يكون الغالب في القرءان إرادة معنى معين في اللفظ، مع تكرر ذلك اللفظ في القرءان، فكون ذلك المعنى هو المراد من اللفظ في الغالب، يدل على أنه هو المراد في محل النزاع؛ لدلالة غلبة إرادته في القرءان بذلك اللفظ، وذكرنا له بعض الأمثلة في الترجمة.
وإذا عرفت ذلك، فاعلم أن هذين النوعين من أنواع البيان للذين ذكرناهما في ترجمة هذا الكتاب المبارك، ومثلنا لهما بأمثلة متعددة كلاهما موجود في هذه الآية، التي نحن بصددها.
أما الأول منهما، فبيانه أن قول من قال في معنى: {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} ، أن المراد بالزينة: الوجه والكفان مثلا، توجد في الآية قرينة تدل على عدم صحة هذا القول، وهي أن الزينة في لغة العرب، هي ما تتزين به المرأة مما هو خارج عن أصل خلقتها: كالحلى، والحلل. فتفسير الزينة ببعض بدن المرأة خلاف الظاهر، ولا يجوز الحمل عليه، إلا بدليل يجب الرجوع إليه، وبه تعلم أن قول من قال: الزينة الظاهرة: الوجه، والكفان خلاف ظاهر معنى لفظ الآية، وذلك قرينة على عدم صحة هذا القول، فلا يجوز الحمل عليه إلا بدليل منفصل يجب الرجوع إليه.
وأما نوع البيان الثاني المذكور، فإيضاحه: أن لفظ الزينة يكثر تكرره في القرءان العظيم مرادا به الزينة الخارجة عن أصل المزين بها، ولا يراد بها بعض أجزاء ذلك الشىء المزين بها؛ كقوله تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف: 31]، وقوله تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ} [الأعراف: 32]، وقوله تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا} [الكهف: 7]، وقوله تعالى: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا} [القصص: 60]، وقوله تعالى: {إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ} [الصافات:6]، وقوله تعالى: {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً} [النحل: 8]، وقوله تعالى: {فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ} [القصص: 79]، وقوله تعالى: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الكهف: 46]، وقوله تعالى: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ} [الحديد: 20]، وقوله تعالى: {قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ} [طه: 59]، وقوله تعالى عن قوم موسى: {وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَاراً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ} [طه: 87]، وقوله تعالى: {وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ} [النور: 31]، فلفظ الزينة في هذه الآيات كلها يراد به ما يزين به الشىء وهو ليس من أصل خلقته، كما ترى. وكون هذا المعنى هو الغالب في لفظ الزينة في القرءان، يدل على أن لفظ الزينة في محل النزاع يراد به هذا المعنى، الذي غلبت إرادته في القرءان العظيم، وهو المعروف في كلام العرب؛ كقول الشاعر:
يأخذن زينتهن أحسن ما ترى ... وإذا عطلن فهن خير عواطل
وبه تعلم أن تفسير الزينة في الآية بالوجه والكفين، فيه نظر.
وإذا علمت أن المراد بالزينة في القرءان ما يتزين به مما هو خارج عن أصل الخلقة، وأن من فسروها من العلماء بهذا اختلفوا على قولين، فقال بعضهم: هي زينة لا يستلزم النظر إليها رؤية شىء من بدن المرأة كظاهر الثياب. وقال بعضهم: هي زينة يستلزم النظر إليها رؤية موضعها من بدن المرأة؛ كالكحل والخطاب، ونحو ذلك.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر القولين المذكورين عندي قول ابن مسعود رضي الله عنه: أن الزينة الظاهرة هي ما لا يستلزم النظر إليها رؤية شىء من بدن المرأة الأجنبية، وإنما قلنا إن هذا القول هو الأظهر؛ لأنه هو أحوط الأقوال، وأبعدها عن أسباب الفتنة، وأطهرها لقلوب الرجال والنساء، ولا يخفى أن وجه المرأة هو أصل جمالها ورؤيته من أعظم أسباب الافتتان بها؛ كما هو معلوم والجاري على قواعد الشرع الكريم، هو تمام المحافظة والابتعاد من الوقوع فيما لا ينبغي.
واعلم أن مسألة الحجاب وإيضاح كون الرجل لا يجوز له النظر إلى شىء من بدن الأجنبية، سواء كان الوجه والكفين أو غيرهما قد وعدنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك وغيرها من المواضع، بأننا سنوضح ذلك في سورة "الأحزاب"، في الكلام على آية الحجاب، وسنفي إن شاء الله تعالى بالوعد في ذلك بما يظهر به للمنصف ما ذكرنا.
واعلم أن الحديث الذي ذكرنا في كلام ابن كثير عند أبي داود، وهو حديث عائشة في دخول أسماء على النبي صلى الله عليه وسلم، في ثياب رقاق، وأنه قال لها: "إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا" ، وأشار إلى وجهه وكفيه، حديث ضعيف عند أهل العلم بالحديث؛ كما قدمنا عن ابن كثير أنه قال فيه: قال أبو داود، وأبو حاتم الرازي: هو مرسل، وخالد بن دريك لم يسمع من عائشة،
والأمر كما قال، وعلى كل حال فسنبين هذه المسألة إن شاء الله بيانا شافيا مع مناقشة أدلة الجميع في سورة "الأحزاب"، ولذلك لم نطل الكلام فيها هاهنا.
تفسير آيات الأحكام - (1 / 363)
قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31)
آيات الحجاب والنظر
التحليل اللفظي
{ يَغُضُّواْ } : غضّ بصره بمعنى خفضه ونكّسه قال جرير :
فغضّ الطرف إنك من نمير ... فلا كعباً بلغتَ ولا كلابا
وأصل الغض : إطباق الجفن على الجفن بحيث تمنع الرؤية ، والمراد به في الآية : كف النظر عما لا يحل إليه بخفضه إلى الأرض ، أو بصرفه إلى جهة أخرى وعدم النظر بملء العين ، قال عنترة :
وأغضُّ طرفي إن بدت لي جارتي ... حتى يواري جارتي مأواها
{ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ } : قال بعض المفسرين : المراد سترها من النظر إليها أي النظر إلى العورات . . وقال آخرون : المراد حفظها من الزنى ، والصحيح ما ذكره القرطبي أن الجميع مراد لأن اللفظ عام ، فيطلب سترها عن الأبصار ، وحفظها من الزنى ، قال تعالى : { والذين هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ على أَزْوَاجِهِمْ } [ المؤمنون : 5 - 6 ] وفي الحديث : « إحفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك قال : الرجل يكون مع الرجل؟ قال : إن استطعت ألاّ يراها فافعل : قلت : فالرجل يكون خالياً؟ فقال : والله أحق أن يستحيا منه » .
{ أزكى لَهُمْ } : أي أطهر لقلوبهم وأنقى لدينهم ، مأخوذ من الزكاة بمعنى الطهارة والنقاء النفسي ، قال تعالى : { وَمَن تزكى فَإِنَّمَا يتزكى لِنَفْسِهِ } [ فاطر : 18 ] وفي الحديث : « النظرة سهم من سهام إبليس مسموم من تركها مخافتي أبدلته إيماناً يجد حلاوته في قلبه » .
{ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ } : الخبرة العلم القوي الذي يصل إلى بواطن الأشياء ، ويكشف دخائلها فالله خبير بما يصنعون ، عليم علماً تاماً بظواهر الأعمال وبواطنها لا تخفى عليه خافية وهو وعيد شديد لمن يخالف أمر الله أو يعصيه في ارتكاب المحرمات .
{ زِينَتَهُنَّ } : الزينة : ما تتزين به المرأة عادة من الثياب والحليّ وغيرها مما يعبر عنه في زماننا بلفظ ( التجميل ) : قال الشاعر :
يأخذ زينتهن أحسن ما ترى ... وإذا عَطِلْنَ فهنّ خير عواطل
قال العلامة القرطبي : الزينة على قسمين : خلقية ، ومكتسبة . . . فالخلقية : وجهُهَا فإنه أصل الزينة وجمال الخِلقة ومعنى الحيوانية لما فيه من المنافع ، وأما الزينة المكتسبة : فهي ما تحاول المرأة في تحسين خلقتها كالثياب ، والحلي ، والكحل ، والخضاب ، ومنه قوله تعالى : { خُذُواْ زِينَتَكُمْ } [ الأعراف : 31 ] .
{ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا } : قال بعضهم : المراد بقوله { مَا ظَهَرَ مِنْهَا } أي ما دعت الحاجة إلى ظهوره كالثياب والخضاب والكحل والخاتم مما لا يمكن إخفاؤه وقيل : بل المراد ما ظهر منها بدون قصد ولا تعمد ، وقيل : المراد به الوجه والكفان وسنبين ذلك بالتفصيل عند ذكر الأحكام .
{ بِخُمُرِهِنَّ } : قال ابن كثير : الخمُرُ : جمع خمار ، وهو ما يخمّر به أي يغطى به الرأس وهي التي تسميها الناس ( المقانع ) وفي « لسان العرب » : الخمر جمع خمار وهو ما تغطي به المرأة رأسها وكل مغطى مخمّر ومنه حديث ( خمّروا آنيتكم ) أي غطوها وخمّرت المرأة رأسها غطته .
ويسمَّى الخمار ( النصيف ) .
قال الشاعر :
سقط النصيف ولم ترد إسقاطه ... فتناولته واتقتنا باليد
ويجمع الخمار على ( خُمُر ) جمع كثرة مثل : كتاب ، وكُتُب قال الشاعر :
« كرؤوس قطعت فيها الخُمُر » ... ويجمع على أخمرة جمع قلة أفاده ( أبو حيان ) .
{ جُيُوبِهِنَّ } : يعني النحور والصدور ، فالمراد بضرب النساء بخمرهن على جيوبهن أن يغطين رؤوسهنَّ وأعناقهنَّ وصدورهن بكل ما فيها من زينة وحلي . والجيوب جمع ( جيب ) وهو الصدر وأصله الفتحة التي تكون في طوق القميص ، قال القرطبي : والجيب هو موضع القطع من الدرع والقميص وهو من ( الجَوْب ) بمعنى القطع وقد ترجم البخاري رحمه الله ( باب جيب القميص من عند الصدر وغيره ) .
قال الألوسي : وأما إطلاق الجيب على ما يكون في الجنب لوضع الدراهم ونحوها كما هو الشائع بيننا اليوم فليس من كلام العرب كما ذكره ( ابن تيمية ) ولكنه ليس بخطأ بحسب المعنى ، والمراد بالآية كما رواه ( ابن أبي حاتم ) : أمرهن الله بستر نحورهن وصدورهن بخمرهن لئلا يرى منها شيء .
{ بُعُولَتِهِنَّ } : قال ابن عباس : لا يضعن الجلباب والخمار إلا لأزواجهن .
والبعولة جمع بعل بمعنى الزوج ، قال تعالى : { وهذا بَعْلِي شَيْخاً } [ هود : 72 ] . وفي القرطبي : البعل هو الزوج والسيد في كلام العرب ، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل : « إذا ولدت الأمة بعلها » يعني سيدها إشارة إلى كثرة السراري بكثرة الفتوحات .
{ مَلَكَتْ أيمانهن } : يعني الإماء والجواري ، وقال بعضهم المراد : العبيد والإماء ذكوراً وإناثاً وروي عن ( سعيد بن المسيب ) أنه قال : لا تغرنكم هذه الآية { أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانهن } إنما عنى بها ( الإماء ) ولم يعن بها ( العبيد ) وهو الصحيح .
{ الإربة } : الحاجة ، والأرَبُ ، والإرْبةُ والإربُ ومعناه الحاجة والجمع مآرب قال تعالى : { وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أخرى } [ طه : 18 ] وقال طرفة :
إذا المرء قال الجهل والحوب والخنا ... تقدَّم يوماً ثمَّ ضاعت مآربه
والمراد بقوله تعالى : { غَيْرِ أُوْلِي الإربة مِنَ الرجال } أي غير أولي الميل والشهوة أو الحاجة إلى النساء كالبُلْه والحمقى والمغفلين الذين لا يدركون من أمور الجنس شيئاً .
{ الطفل } : الصغير الذي لم يبلغ الحلم قال الشاعر :
والنفس كالطفل إن تهمله شب على ... حب الرضاع وإن تفطمه ينفطهم
قال الراغب : كلمة طفل تقع على الجمع كما تقع على المفرد كما تقع على المفرد فهي مثل كلمة ( ضيف ) والدليل أن المراد به الجمع { أَوِ الطفل الذين لَمْ يَظْهَرُواْ } حيث جاء بواو الجماعة .
{ لَمْ يَظْهَرُواْ } : أي لم يطَّلعوا يقال : ظهر على الشيء أي اطَّلع عليه ومنه قوله تعالى : { إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ } [ الكهف : 20 ] ومعنى الآية أن الأطفال الذين لا يعرفون الشهوة ولا يدركون معاني الجنس لصغرهم لا حرج من إبداء الزينة أمامهم .
المعنى الإجمالي
قل يا نبينا لأتباعك المؤمنين يغضوا من أبصارهم ، ويكفوها عن النظر إلى الأجنبيات من غير المحارم ، ولا ينظروا إلا إلى ما أبيح لهم النظر إليه ، وأن يحفظوا فروجهم عن الزنى ويستروا عوراتهم حتى لا يراها أحد ، فإن ذلك أطهر لقلوبهم من دنس الريبة ، وأنقى لها وأحفظ من الوقوع في الفجور ، فالنظرة تزرع في القلب الشهوة ، ورب شهوة أورثت حزناً طويلاً ، فإن وقع البصر على شيء من المحرمات من غير قصد ، فليصرفوا أبصارهم عنه سريعاً ولا يديموا النظر ، ولا يرددوه إلى النساء ، ولا ينظروا بملء أعينهم فإن الله رقيب عليهم مطلع على أعمالهم ، لا تخفى عليه خافية
{ يَعْلَمُ خَآئِنَةَ الأعين وَمَا تُخْفِي الصدور } [ غافر : 19 ] .
ثم أكد تعالى الأمر للمؤمنات بغض البصر وحفظ الفرج وزادهنّ في التكليف على الرجال بالنهي عن إبداء الزينة إلا للمحارم والأقرباء فإن ذلك أولى بهن وأجمل إلا إذا ظهرت هذه الزينة بدون قصد ولا نية سيئة فلا إثم عليهن فالله غفور رحيم .
وقد كانت المرأة في الجاهلية كما هي اليوم - في الجاهلية الحديثة - تمر بين الرجال مكشوفة الصدر ، بادية النحر ، حاسرة الذراعين ، وربما أظهرت مفاتن جسمها وذوائب شعرها لتغري الرجال ، وكنَّ يسدلن الخمر من ورائهن فتبقى صدورُهنّ مكشوفة عارية فأمرت المؤمنات بأن يسدلنها من قدامهن حتى يغطينها ويدفعن عنهن شر الأشرار ، وأمرن بألاّ يضربن بأرجلهن الأرض لئلا يسمع الرجال صوت الخلخال فيطمع الذي في قلبه مرض .
ثم ختم تعالى تلك الأوامر والنواهي بالأمر ( للرجال والنساء ) جميعاً بالإنابة والرجوع إلى الله لينالوا درجة السعداء ، ويكونوا عند الله من الفائزين الأبرار .
سبب النزول
أولاً : أخرج ابن مردويه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : مر رجل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في طريق من طرقات المدينة ، فنظر إلى امرأة ونظرت إليه ، فوسوس لهما الشيطان أنه لم ينظر أحدهما إلى الآخر إلا إعجاباً به ، فبينما الرجل يمشي إلى جانب حائط ينظر إليها إذ استقبله الحائط ( صُدم به ) فشق أنفه ، فقال : والله لا أغسل الدم حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعلمه أمري؟ فأتاه فقصّ عليه قصته ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ( هذا عقوبة ذنبك ) وأنزل الله : { قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ . . . } الآية .
ثانياً : وروى ابن كثير رحمه الله ، عن مقاتل بن حيان ، عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال : ( بلغنا - والله أعلم - أن جابر بن عبد الله الأنصاري حدّث أن أسماء بنت مرثد كانت في نخل لها في بني حارثة ، فجعل النساء يدخلن عليها غير مؤتزرات فيبدو ما في أرجلهن يعني الخلاخل ، ويبدوا صدروهن وذوائبهن ، فقالت أسماء : ما أقبح هذا؟ فأنزل الله في ذلك { وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ . . . } الآية .
لطائف التفسير
اللطيفة الأولى : السر في تقديم غض البصر على حفظ الفروج هو أن النظر بريد الزنى ورائد الفجور وهو مقدمة للوقوع في المخاطر كما قال الحماسي :
وكنتَ إذا أرسلت طرفك رائداً ... لقلبك يوماً أتعبتك المناظر
رأيتَ الذي لا كلّه أنت قادرٌ ... عليه ولا عن بعضه أنت صابر
ولأنّ البلوى فيه أشد وأكثر ، ولا يكاد يقدر على الاحتراس منه وهو الباب الأكبر الذي يوصل إلى القلب ، وأعمر طرق الحواس إليه ويكثر السقوط من جهته . ولله در شوقي :
نظرة فابتسامة فسلام ... فكلام فموعد فلقاء
وقد قال أحد الأدباء :
وما الحب إلا نظرة إثر نظرةٍ ... تزيد نمواً إن تزده لَجَاجا
اللطيفة الثانية : قوله تعالى : { يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ } المراد غض البصر عما حرم الله ، لا غضّ البصر عن كل شيء فحذف ذلك اكتفاء بفهم المخاطبين وهو من باب ( الإيجاز بالحذف ) .
اللطيفة الثالثة : قال العلامة الزمخشري : فإن قلت كيف دخلت ( من ) التي هي للتبعيض في ( غضّ البصر ) دون ( حفظ الفرج ) ؟ قلت : لأن أمر النظر أوسع ، ألا ترى أن المحارم لا بأس بالنظر إلى شعورهن وصدورهن وثُديِّهن ، وأما أمر الفرج فمضيّق وكفاك فرقاً أن أبيح النظر إلا ما استثني فيه ، وحظر الجماع إلا ما استثني منه .
اللطيفة الرابعة : قوله تعالى : { أزكى لَهُمْ } أفعل التفضيل هنا ليس على بابه وإنما هو ( للمبالغة ) أي أن غض البصر وحفظ الفرج طهرة للمؤمن من دنس الرذائل أو نقول ( المفاضلة ) على سبيل الفرض والتقدير .
اللطيفة الخامسة : قوله تعالى : { وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ } المراد بالزينة مواقعها من باب ( اطلاق اسم الحال على المحل ) كقوله تعالى : { فَفِي رَحْمَةِ الله هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } [ آل عمران : 107 ] المراد بها الجنة لأنها مكان الرحمة وإذا نهي عن إبداء الزينة فالنهي عن إبداء أماكنها من الجسم يكون من باب أولى .
قال الزمخشري : وذكر الزينة دون مواقعها للمبالغة في الأمر بالتصون والتستر فإنه ما نهى عن الزينة إلا لملابستها تلك المواقع فكان إبداء المواقع نفسها متمكناً في الحظر ثابت القدم في الحرمة .
اللطيفة السادسة : قوله تعالى : { وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ } في لفظ الضرب ( مبالغة ) في الصيانة والتستر وقد عدى اللفظ ب ( على ) لأنه ضُمِّن معنى الإلقاء ويكون المراد أن تسدل وتلقي بالخمار على صدرها لئلا يبدوا شيء من النحر والصدر .
اللطيفة السابعة : قوله تعالى : { قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ } قال أبو السعود : مفعول الأمر أمر آخر قد حذف تعويلاً على دلالة جوابه عليه أي قل لهم غضوا يغضوا من أبصارهم وفي هذا التعبير إشارة إلى أن المؤمن يسارع إلى تنفيذ أمر الله فهو لا يحتاج إلا إلى تذكير .
اللطيفة الثامنة : قال بعض العلماء : كما يكون التلذُّذ بالنظر يكون بالسمع أيضاً وقد قيل ( والأذن تعشق قبل العين أحياناً ) وهذا هو السر في نهي المرأة عن الضرب برجلها على الأرض حتى لا يسمع صوت الخلخال فتتحرك شهوة الرجال .
وقد دل على أن إظهار مواضع الحلي أبلغ وأبلغ في الزجر . وعلى أن كل ما يحرك الشهوة أو يثيرها منهي عنه ، كالتعطر ، والتطيب ، والتبختر في المشية . والتلاين في الكلام { فَلاَ تَخْضَعْنَ بالقول فَيَطْمَعَ الذي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ } [ الأحزاب : 32 ] وقيل : إذا نهي عن استماع صوت حليهن ، فعن استماع صوتهن بالطريق الأولى . وهو استدلال لطيف .
اللطيفة التاسعة : قوله تعالى : { وتوبوا إِلَى الله } هو من باب ( الالتفات ) وتلوين الخطاب فقد كان الكلام في صدر الآية موجهاً للرسول صلى الله عليه وسلم ثم صرف عن الرسول إلى الجميع بطريق ( الالتفات ) .
اللطيفة العاشرة : قال الإمام ( ابن القيم ) رحمه الله : في غض البصر فوائد عديدة أحدها : امتثال أمر الله الذي هو غاية السعادة . ثانيها : أنه يمنع وصول أثر السهم المسموم . ثالثها : أنه يقوي القلب ويفرحه . رابعها : أنه يورث في القلب أنساً في الله واجتماعاً عليه . خامسها : أنه يكسب القلب نوراً . سادسها : أنه يورث الفراسة الصادقة . سابعها : أنه يسد على الشيطان مداخله ثامنها : أنَّ بين العين والقلب منفذاً يوجب انفعال أحدهما بالآخر .
وقد أحسن من قال :
قالوا : جُننتَ بمن تهوى فقلت لهم ... العشقُ أعظم ممَّا بالمجانين
العشق لا يستفيق الدهرّ صاحبه ... وإنّما يُصرع المجنون في الحين
الأحكام الشرعية
الحكم الأول : ما هو حكم النظر إلى الأجنبيات؟
حَرَّمت الشريعة الإسلامية النظر إلى الأجنبيات فلا يحل لرجل أن ينظر إلى امرأة غير زوجته أو محارمه من النساء . أما نظرة الفجأة فلا إثم فيها ولا مؤاخذة لأنها خارجة عن إرادة الإنسان ، فلم يكلفنا الله جل ثناؤه ما لا نطيق ولم يأمرنا أن نعصب أعيننا إذا مشينا في الطريق ، فالنظرة إذا لم تكن بقصد لا مؤاخذة فيها وقد قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَلِيٍّ يَا عَلِيُّ لَا تُتْبِعْ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ فَإِنَّ لَكَ الْأُولَى وَلَيْسَتْ لَكَ الْآخِرَةُ .
وعَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ نَظَرِ الْفُجَاءَةِ فَأَمَرَنِي أَنْ أَصْرِفَ بَصَرِي .
والنظرة المفاجئة إنما تكون في أول وهلة ولا يحل لأحد إذا نظر إلى امرأة نظرة مفاجئة وأحس منها اللذة والاجتلاب أن يعود إلى النظرة مرة ثانية فإنْ ذلك مدعاة إلى الفتنة وطريق الفاحشة وقد عبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم بزنى العين؛ فقد ورد في « الصحيحين » : عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ لَمْ أَرَ شَيْئًا أَشْبَهَ بِاللَّمَمِ مِنْ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ ح حَدَّثَنِي مَحْمُودٌ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ
مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَشْبَهَ بِاللَّمَمِ مِمَّا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنْ الزِّنَا أَدْرَكَ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ فَزِنَا الْعَيْنِ النَّظَرُ وَزِنَا اللِّسَانِ الْمَنْطِقُ وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِي وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ كُلَّهُ وَيُكَذِّبُهُ .
والمؤمن يؤجر على غض البصر لأنه كف عن المحارم وقد قال صلى الله عليه وسلم :
« ما من مسلم ينظر إلى محاسن امرأة ثم يغض بصره إلا أخلف الله له عبادة يجد حلاوتها » .
وعدَّه صلى الله عليه وسلم من حقوق الطريق عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ بِالطُّرُقَاتِ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لَنَا مِنْ مَجَالِسِنَا بُدٌّ نَتَحَدَّثُ فِيهَا فَقَالَ إِذْ أَبَيْتُمْ إِلَّا الْمَجْلِسَ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ قَالُوا وَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ غَضُّ الْبَصَرِ وَكَفُّ الْأَذَى وَرَدُّ السَّلَامِ وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ .
الحكم الثاني : ما هو حد العورة بالنسبة للرجل والمرأة؟
أشارة الآية الكريمة { وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ } إلى وجوب ستر العورة فإن حفظ الفرج كما يشمل حفظه عن الزنى ، يشمل ستره عن النظر ، كما بيناه فيما سبق وقد اتفق الفقهاء على حرمة كشف العورة ولكنهم اختلفوا في حدودها وسنوضح ذلك بالتفصيل إن شاء الله مع أدلة كل فريق فنقول ومن الله نستمد العون :
1- عورة الرجل مع الرجل .
2- عورة المرأة مع المرأة .
3- عورة الرجل مع المرأة وبالعكس .
أما عورة الرجل مع الرجل : فهي من ( السرة إلى الركبة ) فلا يحل للرجل أن ينظر إلى عورة الرجل فيما بين السرة والركبة وما عدا ذلك فيجوز له النظر إليه . فعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا يَنْظُرُ الرَّجُلُ إِلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ وَلَا الْمَرْأَةُ إِلَى عَوْرَةِ الْمَرْأَةِ وَلَا يُفْضِي الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ وَلَا تُفْضِي الْمَرْأَةُ إِلَى الْمَرْأَةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ .
وجمهور الفقهاء على أن عورة الرجل ما بين السرة إلى الركبة كما صحّ في الأحاديث الكثيرة ، وقال مالك رحمه الله : الفخذ ليس بعورة : ومما يدل لقول الجمهور ما روي عَنْ زُرْعَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَرْهَدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : كَانَ جَرْهَدٌ هَذَا مِنْ أَصْحَابِ الصُّفَّةِ قَالَ جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَنَا وَفَخِذِي مُنْكَشِفَةٌ فَقَالَ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْفَخِذَ عَوْرَةٌ .
** وعَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا تُبْرِزْ فَخِذَكَ وَلَا تَنْظُرَنَّ إِلَى فَخِذِ حَيٍّ وَلَا مَيِّتٍ .
بل إنه صلى الله عليه وسلم نهى أن يتعرى المرء ويكشف عورته حتى إذا لم يكن معه غيره فعَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِيَّاكُمْ وَالتَّعَرِّيَ فَإِنَّ مَعَكُمْ مَنْ لَا يُفَارِقُكُمْ إِلَّا عِنْدَ الْغَائِطِ وَحِينَ يُفْضِي الرَّجُلُ إِلَى أَهْلِهِ فَاسْتَحْيُوهُمْ وَأَكْرِمُوهُمْ .
وأما عورة المرأة مع المرأة : فهي كعورة الرجل مع الرجل أي من ( السرة إلى الركبة ) ويجوز النظر إلى ما سوى ذلك ما عدا المرأة الذمية أو الكافرة فلها حكم خاص سنبينه فيما بعد إن شاء الله تعالى .
وأما عورة الرجل بالنسبة للمرأة : ففيه تفصيل فإن كان من ( المحارم ) ك ( الأب والأخ والعم والخال ) فعورته من السرة إلى الركبة . وإن كان ( أجنبياً ) فكذلك عورته من السرة إلى الركبة . وقيل جميع بدن الرجل عورة فلا يجوز أن تنظر إليه المرأة وكما يحرم نظرة إليها يحرم نظرها إليه والأول أصح ، وأما إذا كان ( زوجاً ) فليس هناك عورة مطلقاً لقوله تعالى :
{ إِلاَّ على أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ } [ المؤمنون : 6 ] .
وأما عورة المرأة بالنسبة للرجل : فجميع بدنها عورة على الصحيح وهو مذهب ( الشافعية والحنابلة ) وقد نص الإمام أحمد رحمه الله على ذلك فقال : ( وكل شيء من المرأة عورة حتى الظفر ) . .
وذهب ( مالك وأبو حنيفة ) إلى أن بدن المرأة كله عورة ما عدا ( الوجه والكفين ) ولكل أدلة سنوضحها بإيجاز إن شاء الله تعالى .
أدلة المالكية والأحناف :
استدل المالكية والأحناف على أن ( الوجه والكفين ) ليسا بعورة بما يلي :
أولاً : قوله تعالى : { وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا } فقد استثنت الآية ما ظهر منها أي ما دعت الحاجة إلى كشفه وإظهاره وهو الوجه والكفان وقد نقل هذا عن بعض الصحابة والتابعين ، فقد قال ( سعيد بن جبير ) في قوله تعالى : { إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا } قال : الوجه والكف ، وقال ( عطاء ) : الكفان والوجه وروي مثله عن الضحاك .
ثانياً : واستدلوا بحديث عائشة ونصه : ( أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليها ثياب رقاق فأعرض عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لها : « يا أسماء إنَّ المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا » وأشار إلى وجهه وكفيه .
ثالثاً : وقالوا : مما يدل على أن الوجه والكفين ليسا بعورة أن المرأة تكشف وجهها وكفيها في صلاتها وتكشفهما أيضاً في الإحرام فلو كانا من العورة لما أبيح لها كشفهما لأن ستر العورة واجب لا تصح صلاة الإنسان إذا كان مكشوف العورة .
أدلة الشافعية والحنابلة :
استدل الشافعية والحنابلة على أنّ الوجه والكفين عورة بالكتاب والسنة والمعقول :
أولاً : أما الكتاب فقوله تعالى : { وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ } فقد حرمت الآية الكريمة إبداء الزينة ، والزينةُ على قسمين : خلقية ، ومكتسبة ، والوجه من الزينة الخلقية بل هو أصل الجمال ومصدر الفتنة والإغراء وأما الزينة المكتسبة فهي ما تحاوله المرأة في تحسين خلقتها كالثياب والحلي والكحل والخضاب . . والآية الكريمة منعت المرأة من إبداء الزينة مطلقاً ، وحرمت عليها أن تكشف شيئاً من أعضائها أمام الرجال أو تظهر زينتها أمامهم وتأولوا قوله تعالى : { إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا } أن المراد ما ظهر بدون قصد ولا عمد مثل أن يكشف الريح عن نحرها أو ساقها أي شيء من جسدها ، ويصبح معنى الآية على هذا التأويل ( ولا يبدين زينتهن أبداً وهنّ مؤاخذاتٍ على إبداء زينتهن إلا ما ظهر منها بنفسه وانكشف بغير قصد ولا عمد ، فلسن مؤاخذاتٍ عليه فيكون الوجه والكف من الزينة التي يحرم إبذاؤها ) .
ثانياً : وأما السنة فما ورد من الأحاديث الصحيحة الكثيرة التي تدل على حرمة النظر منها :
أ- حديث جرير بن عبد الله « سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظر الفجأة فقال : اصرف نظرك » .
ب- حديث علي « يا علي لا تُتْبع النظرةَ النظرةَ ، فإنما لك الأولى وليست لك الآخرة » .
ج- حديث الخثعمية الذي رواه ابن عباس رضي الله عنهما : فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَكَانَ الْفَضْلُ رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَاءَتْ امْرَأَةٌ مِنْ خَشْعَمَ فَجَعَلَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ وَجَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْرِفُ وَجْهَ الْفَضْلِ إِلَى الشِّقِّ الْآخَرِ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ أَفَأَحُجُّ عَنْهُ قَالَ نَعَمْ وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ .