المعنى الاصطلاحي
التفسير اصطلاحاً:
كلمة تفسير في الإسلام تدل على بيان معاني ألفاظ القرآن الكريم خاصة. وعلى علم التفسير نفسه. أما الشروح التي تكتب على المؤلفات العلمية والفلسفية وعلى القوانين والدساتير فلا بد فيها من إضافة. لكن إذا أطلقت الكلمة فلا تفيد إلا تفسير القرآن الكريم. وقد عرّف التفسير بتعريفات منها:
قال الراغب الأصفهاني: هو كشف معاني القرآن وبيان المراد( 1).
وقال الزركشي: علم يعرف به فهم كتاب الله المنزل على نبيه محمد، وبيان معانيه، واستخراج أحكامه وحكمه. واستمداد ذلك من علم اللغة والنحو والتصريف وعلم البيان، وأصول الفقه، والقراءات. ويحتاج لمعرفة أسباب النزول والناسخ والمنسوخ(2 ).
وقال بعضهم: علم نزول الآيات وشؤونها وأقاصيصها والأسباب النازلة فيها، ثم ترتيب مكيّها ومدنيّها ومحكمها ومتشابهها، وناسخها ومنسوخها، وخاصها وعامها، ومطلقها ومقيدها، ومجملها ومفسرها، وحلالها وحرامها، ووعدها ووعيدها، وأمرها ونهيها، وعبرها وأمثالها( 3).
وقال أبو حيان ( 4) : علم يبحث فيه عن كيفية النطق بألفاظ القرآن ومدلولاتها وأحكامها الإفرادية والتركيبية ومعانيها التي تحمل عليها حالة التركيب وتتمات لذلك(5 ).
وقال الماتريدي(6 ): القطع على أن المراد من اللفظ هذا. والشهادة على الله أنه عنى باللفظ هذا، فإن قام دليل مقطوع به فصحيح، وإلا فتفسير بالرأي وهو المنهي عنه(7 ). والذي يرجحه الباحث هو الأول بإضافة لفظ علم في أوله. فيكون المعنى الاصطلاحي للتفسير هو علم يكشف معاني القرآن وبيان المراد. ففي هذا التعريف جوامع الكلم من التعريفات التي تلته، فهو عام شامل مختصر مفيد.
التأويل اصطلاحاً:
هو الإخبار عن حقيقة المراد من معاني القرآن، وترجيح أحد المحتملات بدون القطع(8 )، والشهادة على الله(9 )، أي أنه المعنى الذي ذهب إليه أبو عبيد وطائفة وهو أن التفسير والتأويل كمصطلح بمعنى واحد. وهو الذي أرجحه، ويدل عليه دعاء الرسوللابن عباس: (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل) ( 10). وهذا المعنى سار عليه إمام المفسرين ابن جرير الطبري(11 ) فسمى تفسيره: جامع البيان عن تأويل آي القرآن. وكان يقول: القول في تأويل قوله جل ثناؤه. ثم يذكر الآية ويقول: والصواب من القول عندي في تأويل فواتح السور (مثلاً)، ويقول: وأولى التأويلات بقول الرجل ثناؤه... .
وأما ما جرى استعماله في القرن الرابع عشر الهجري أن التأويل بمعنى التحريف فلا يعوّل عليه ولا يلتفت إليه، وهو من الشوائب التي شابت التفسير. وهو مأخوذ من أباطيل ابن عربي( 12). حيث قال: من فسر برأيه فقد كفر، وأما التأويل فلا يُبقي ولا يذر فإنه يختلف بحسب أحوال المستمع وأوقاته في مراتب سلوكه، وتفاوت درجاته، وكلما ترقى من مقامه انفتح له باب فهم جديد، واطلع به على لطيف معنى عتيد( 13).
وقيل: التأويل كمصطلح عن المتأخرين من الفقهاء والكلاميين والمحدثين والمتصوفة ونحوهم أصبح يعني: "صرف اللفظ عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح"(14 ). وقد يكون التحريف يحمل اللفظ على غير ما وضع له، أو في نسبة الأفكار والأحكام للإسلام مع أنها ليست منه.
مصادر التفسير:
أولاً : القرآن: فقد وردت آيات كثيرة تسند البيان لله تعالى منها: ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ( 15)، ومنها : وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (16 ).
وقد تكون آية مجملة وتفصل في آية أو آيات في سورة أخرى. وقد تكون آية محكمة ثم تنسخ في آية أخرى.
وفي القصص قد يكون موجزاً، أو يشار إليه إشارة في سورة ثم تفصل في سورة أخرى. وهكذا. فمن القرآن ما يفسر بعضه بعضاً.:
قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (17 ).
ثانياً: السنة النبوية: فقد وردت آيات كثيرة توضح أن الله – تعالى – أرسل رسوله محمداًليبيّن للناس منها : وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ (18 ). ومنها: وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 19). ومنها: قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ (20 ).
وقال : (ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه) ( 21)، وفي رواية: (أوتيت الكتاب ومثله معه) (22 )، وتعد السنة كلها بياناً للقرآن كما قال الشافعي (23 ).
قال الحافظ ابن كثير(24 ): فإن قال قائل فما أحسن طرق التفسير؟ فالجواب: "أن أصح الطرق في ذلك أن يفسر القرآن بالقرآن، فما أجمل في مكان فإنه قد فسّر في موضع آخر، فإن أعياك ذلك فعليك بالسنّة فإنها شارحة للقرآن وموضحة له، بل قد قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي – رحمه الله -: كل ما حكم به رسول اللهفهو ما فهمه من القرآن" (25 ). وعليه فإذا ورد بيان من السنة فلا يجوز العدول عنه بحال من الأحوال. لأن السنة تنزلت بالوحي أيضاً كما نزل القرآن.
ويدخل في السنة ما ورد عن الصحابة الكرام مما يأخذ حكم المرفوع وهو الذي يتعلق بأسباب النزول، ولأنهم نقلوا إلينا الشريعة، ولطول الصحبة، ولشهود التنزيل، ولترضي الله ورسوله عنهم يجعل لهم تميّزاً في النقل والفهم.
وأما أقوال التابعين وعلماء التفسير المشهود لهم، فيطلع عليها للاستئناس بها وللترجيح.
ثالثاً : اللغة العربية: وهي لغة القرآن ، وهي الآلة التي لا يفهم القرآن إلا بها:
وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ( 26).: وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ( 27). وقال: بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ( 28). واللغة التي يحتج بها ما كانت زمن الاحتجاج. وتشمل اللغة: علوم النحو والصرف والبيان والبديع والمعاني وفقه اللغة.
رابعاً: العلوم الشرعية: التي تعد آلة في فهم الكتاب، منها: القراءات، وأسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، والمكي والمدني، وأصول الفقه. وهذه العلوم تدخل من باب قاعدة ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
تلكم هي مصادر التفسير، فعلى من يتصدر للتفسير أن يحيط بها حتى لا يقع في المحظور ويقوّل القرآن ما لم يقله، أما التاريخ وكتب أهل الكتاب فهي ليست مصادر للتفسير، ولا ينبغي لها أن تكون، وكذلك العلوم التجريبية، والعلوم الدنيوية فهي ليست مصادر لعدم ورود دليل عليها.
........................................... الهامش ..........................................
(1 ) السيوطي، الإتقان، النوع 77، 2/222.
(2 ) الزركشي، البرهان، فصل في علم التفسير، 1/13.
(3 ) السيوطي، الإتقان، النوع 77، 2/222.
(4 ) هو محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان الغرناطي، الجياني الأندلسي، أثير الدين أبو حيان (654-745هـ)، نحوي لغوي مفسر محدث مقرئ، من تصانيفه: البحر المحيط في تفسير القرآن، وعقد اللآلي في القراءات السبع العوالي. (معجم المؤلفين لعمر رضا كحالة، 12/130).
(5 ) السيوطي، الإتقان، النوع 77، 2/222.
(6 ) هو محمد بن محمد بن محمود الماتريدي (ت333هـ)، أبو منصور، متكلم أصولي، من مصنفاته: بيان وهم المعتزلة، تأويلات أهل السنة ، والدر في أصول الدين، ومأخذ الشرائع في أصول الفقه. ( انظر: البغدادي، هدية العارفين، 2/36-37. وانظر: عمر رضا كحالة، معجم المؤلفين، 11/300.
(7 ) السيوطي، الإتقان، النوع 77، 2/221.
(8 ) قاله أبو طالب الثعلبي، نقله السيوطي في إتقانه، النوع 77، 2/222.
(9 ) قاله الماتريدي، المصدر السابق نفسه، وانظر الألوسي، روح المعاني، المطبعة المنيرية ، القاهرة، 1/5.
(10 ) سبق تخريجه.
(11 ) هو أبو جعفر، محمد بن جرير بن يزيد بن خالد، الطبري (224-310هـ)، صاحب التفسير الكبير، والتاريخ الشهير، كان إماماً في التفسير والحديث والفقه والتاريخ وغير ذلك. كان من الأئمة المجتهدين، لم يقلد أحداً.
(12 ) هو محمد بن علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن عربي الطائي الحاتمي، محيي الدين، أبو عبد الله الأندلسي، المعروف بابن عربي (560-638هـ)، الشهير بالشيخ الأكبر، له مصنفات كثيرة جداً منها اصطلاحات الصوفية، واتحاد الكوني في حضرة الأشهاد العيني. (انظر: هدية العارفين، 2/114-121).
(13 ) ابن عربي، تفسير القرآن الكريم، دار اليقظة العربية، بيروت، ط1، 1387هـ-1968م، 1/5.
(14 ) مطر، علي رمضان، الطباطبائي ومنهجه في التفسير، رسالة ماجستير، ص236، قدمت عام 1980م في كلية أصول الدين، دار العلوم، القاهرة، رقم 328.
(15 ) سورة القيامة، الآية: 19.
(16 ) سورة البقرة، من الآية 221.
( 17) سورة الحديد، من الآية 17.
( 18) سورة النحل، من الآية 44.
( 19) سورة النحل، الآية: 64.
( 20) سورة المائدة، من الآية 15.
( 21) رواه أحمد في مسنده، 4/131.
( 22) رواه أبو داود في سننه، كتاب السنة، الباب السادس، ورواه أحمد في مسنده، 4/131.
( 23) هو الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس (150-204هـ) ينتهي نسبه إلى هاشم بن المطلب بن عبد مناف. وجده اسمه شافع، وهو أول من أسس علم الأصول. ولد بغزة، ونشأ بمكة، وكتب العلم بها وبالمدينة، قدم بغداد مرتين وحدّث بها، وخرج إلى مصر وبقي فيها حتى وفاته، سمع من مالك بن أنس وابراهيم بن سعد وسفيان بن عيينة، وخلق كثير، حدث عنه سليمان بن داود، وأحمد بن حنبل، وأبو ثور، حفظ القرآن ابن سبع والموطا ابن عشر. (انظر تاريخ بغداد، ترجمة 454، 2/56، وانظر وفيات الأعيان، لابن خلكان، ترجمة 558، 4/163-169.
( 24) هو إسماعيل بن عمر القرشي ابن كثير البصري ثم الدمشقي، عماد الدين أبو الفداء (705-774هـ)، الحافظ المحدث، من تصانيفه: البداية والنهاية في التاريخ، تفسير القرآن، شرح الجامع الصحيح للبخاري. (هدية العارفين، البغدادي، 5/215).
( 25) ابن كثير، إسماعيل، تفسير القرآن العظيم، 1/12-13، طبعة الشعب، تحقيق: عبد العزيز غنيم، ومحمد عاشور، ومحمد البنا، 139هـ-1971م، وانظر السيوطي، الاتقان، 2/255، والزركشي، البرهان، 2/175.
( 26) سورة ابراهيم، من الآية 4.
(27) سورة النحل، من الآية 103.
(28 ) سورة الشعراء، الآية 195.






، وبيان معانيه، واستخراج أحكامه وحكمه. واستمداد ذلك من علم اللغة والنحو والتصريف وعلم البيان، وأصول الفقه، والقراءات. ويحتاج لمعرفة أسباب النزول والناسخ والمنسوخ(2 ).
: 
رد مع اقتباس


المفضلات