الفصل الخامس :التجمع المسيانى :





تحطمت آمال التلاميذ بعد موت يسوع , ثم فجأه ظهروا يكرزون بقيامته , ما الذى أدى الى هذا التغير الجذرى , و ما الذى أنعش هذه الأرواح المحطمه و أعاد فيها الأمل .





اننا نجد تناقضا فى وصف يسوع القائم من الأموات , فهو يأكل و يشرب و له جسد محسوس , و فى نفس الوقت يوصف بأنه يجتاز من الأبواب المغلقه و يصعد الى السماء .




و أيضا تتناقض الأناجيل بخصوص المكان الذى ظهر فيه , ففى انجيل مرقص يقال للتلاميذ أن يذهبوا الى الجليل ليروا يسوع القائم من الأموات , و أيضا فى انجيل متى الذى يذكر قصة الظهور فى جيل الجليل بالفعل , و لكن ليس قبل ذكر قصه مشابهه عن الظهور للمريمتين أثناء رجوعهما من القبر الى المدينه . لوقا يتحدث فقط عن الظهور فى الطريق الى عمواس بالقرب من أورشليم , ثم للتلاميذ المتجمعين فى أورشليم , أنه لا يعلم عن الظهور الجليلى , ليس هذا و فقط بل و أيضا قد ألغى أى احتمالية لوجوده عندما جعل التلاميذ ينتظرون فى أورشليم الى أن تحل عليهم الروح القدس فى يوم الخمسين . يتفق يوحنا مع لوقا فى ذكر ظهورات أورشليم , و مع متى فى ذكر الظهور لمريم عند القبر , و فى النهايه و فى الإصحاح الإضافى ذكر الظهور لبعض التلاميذ عند بحر جينيسارث , و هو الظهور الذى لا يذكر فى أى مكان آخر .




إن بولس لا يعلم شيئا عن اكتشاف النساء للقبر الفارغ , و لا بظهور الملاك أو المسيح , و لكنه يذكر الظهور لكيفاس و الإثنى عشر و لأكثر من خمسمائة أخ و ليعقوب و لكل الرسل و فى النهايه لبولس نفسه ..... هذا هو التقليد الأقدم , و لكنه لا يتطابق مع التقارير اللاحقه لكتبة الأناجيل .... هذا يكفى ليبين قلة المعلومات التى كانت عند المجتمع المسيحى الأقدم بخصوص هذا الشأن , و أن التقاليد التى وصلت بخصوصه هى أساطير صنعها الخيال الشعرى , و الدفاع اللاهوتى




هل سننجح أن نصل للحقيقه من خلال هذه الطبقات المتداخله من الأساطير ؟ , ربما يساعدنا على هذا التقاليد الأقدم المستقله التى نجدها عند بولس و مرقص عندما نجدها متفقه . إن مرقص يضع نبوءة على فم يسوع ( مرقص 14 - 27 ) " إن كلكم تشكون فى هذه الليله , لأنه مكتوب , أنى أضرب الراعى فتتبدد الخراف , و لكن بعد قيامى أسبقكم الى الجليل " . و بالتالى يجعل الملاك عند القبر يخبر النساء أن يذهبن الى التلاميذ و يخبرونهم و بالأخص بطرس أن يسوع سيسبقهم الى الجليل , و هناك سيرونه بحسب ما قال لهم سابقا ( مرقص 16 - 7 ) .





و بالتالى فإن هذه النبوءه التى تنسب ليسوع تؤدى الى نتيجة معينه بخصوص مسار الأحداث التاليه فورا لموت يسوع . لقد شك التلاميذ فى ايمانهم , و تفرقوا و عادوا الى منازلهم فى الجليل , و هناك رأوا يسوع المصلوب لأول مرة حيا , و قد كان بطرس أول من رآه منهم ..... بما أننا نجد أن هذا هو التقليد التاريخى الأقدم , اذن لا بد أن نعتبر أن كل القصص عن ظهورات يسوع فى أورشليم أو بالقرب منها فى أحد الفصح أساطير متأخره , و تفتقد لأى مصداقية تاريخيه , و نفس الأمر ينطبق على قصة القبر الفارغ , و الظهور الجسدى ليسوع من القبر .




هناك اشارة أخرى عند بولس تؤدى الى نفس النتيجه , عندما يضع ظهور يسوع له ( كورنثوس الأولى 15 - 8 ) على قدم المساواه مع الظهورات الأخرى , و بالتالى يفترض أن كل هذه الظهورات متشابهه , مما يجعلنا نفترض أن الظهورات الأخرى لها نفس طبيعة الظهور الخاص به .





من المؤكد أن بولس قد اقتنع أنه رأى فى طريقه الى دمشق ليس المسيح بحسب الجسد بل المسيح بحسب الروح , فى طبيعة تشبه أفكارهم عن الملائكه .... مثل هذا الكائن لا يمكن أن تدركه الحواس , بل يدرك برؤية داخليه , رؤيا أو هلوسه , و هو انعكاس داخلى لحالة الروح الداخليه , و هذا يتوافق مع قول بولس أن الله أعلن ابنه فيه , و أن الضوء أضاء فى قلبه , و قول بولس عن الرؤى و الإعلانات أنه سمع ما لا يمكن وصفه من غير استخدام للحواس ( كورنثوس الثانيه 12 - 1 و ما يليه ) .




و بالتالى لا بد أن نعتبر أن الظهور لبطرس له طبيعة مشابهة لظهور بولس الذى رأى ضوء المسيح السماوى فى رؤيا فى طريقه الى دمشق , و هى تجرية نفسيه معروفه فى كل العصور و ليست معجزه , كم يقول كثير من الناس أنهم رأوا أرواح القديسين و الشهداء بعد موتهم , سواء رأوا هذا فى المنام أو حال اليقظه , و لقد كان بطرس أول من حدث له هذا بسبب عاطفته المفرطه المعروفه عنه .






إن الأساس التاريخى لقيامة المسيح نجده فى هذا الإنجذاب الصوفى , الذى انبثق من عند شخص ما و اقتنع به الجميع سريعا , و قد اعتقدوا أنهم رأوا فى هذه الرؤى المسيح المصلوب حيا و مرفوعا الى المجد السماوى , و بالتالى ساروا فى الناس يبشرون بمعلمهم الذى ترك تأثيرا كبيرا فى أنفسهم , و يكرزون بأنه المسيح و أن الله قد رفعه للسماء و سيعود و ينشىء مملكته على الأرض .




لقد كانت هذه نفس الدعوه التى كرز بها يسوع , و لكن هناك اختلاف جوهرى , و هو أن نقطة انطلاقهم كانت هى الإيمان بارتفاع المسيح الى المسيانيه السمائيه , و صارت الكرازه بيسوع القائم من الأموات و الذى سيعود قريبا لها قصب السبق على الكرازه بالملكوت , و رفعت الطبيعه المعجزيه للملك المسيانى فكرة الملكوت الى مستوى أعلى , و صحب هذا توسيع للأمميه المحدوده , و روحنة الطبيعة الأرضيه للملكوت .




و الآن عندما صارت الحجه التى يعرضونها على الناس هى المسيح القائم من الأموات , و بما أنهم لا يملكون اثبات ذلك من خلال معلوماتهم , ذهبوا الى العهد القديم الذى يتحدث عن انقاذ البار من الموت , و بينما كان المعنى المراد فى العهد القديم هو ألا يموت هذا الشخص صار المعنى الجديد هو التخليص من الموت عن طريق القيامه , و بالتالى يقومون بتفسير هذا على أنه نبوءه عن يسوع ( مزمور 16 - 10 , 86 - 13 , قارن سفر الأعمال 2 - 27 , 13 - 35 ) , و كانوا يفضلون الفقره الوارده عند اشعياء الثانى ( اشعياء اصحاح 53 ) , و استخدموا مزمور 110 ليقولون أنه يتحدث عن جلوس يسوع عن يمين الآب , و كذلك سفر دانيال ( 7 - 13 ) الذى يتحدث عن عودة ابن الانسان على سحاب السماء و الذى يمكن أن يستخدم ليعبر عن عودة يسوع .. هذه الفقره بالذات كانت لها أهمية خاصه عند المجتمع المسيحى الأول , لأنهم رأوا أنها تتضمن كل برنامجهم العقائدى المسيانى و أملهم فى عودة المسيح .




و بالتالى سريعا ما نسبت هذه الفقرات ليسوع , و لهذا نجد أثناء المحاكمه التى لم يحضرها أى تلميذ بطبيعة الحال بحيث نقول أنه كان شاهد عيان , نجد قولا وضع على لسان يسوع " و سوف تبصرون ابن الإنسان جالسا عن يمين القوه , و آتيا فى سحاب السماء " ( مرقص 14 - 62 ) . بعد أن صار معتادا أن يوصف يسوع المسيح الذى سيعود من السماء , بالاسم الرؤوى " ابن الإنسان " , جرى استخدام هذا المصطلح فى تلك الفقرات التى جعلت يسوع يتنبأ بمعاناته و قيامته القريبه ( مرقص 8 - 31 و خلافه ) , و فى النهايه اكتسب هذا المصطلح معنى التعيين المسيانى ليسوع , و هو المعنى الذى ينسب اليه بطريقة منتظمه فى الأناجيل منذ بدايتها , دون اشارة الى قيامته أو عودته , و هذا له صلة بالإفتراض ( غير التاريخى بطبيعة الحال ) أنه قال منذ البدايه أنه المسيح .





و بالتالى سار التوجه الدينى للمجتمع المسيحى الأول فى اتجاه تفسير حياة يسوع السابقه فى ضوء الإيمان الجديد عن المسيانيه السمائيه ليسوع , و قالوا أن يسوع سيعود فى مجد مسيانى , و هذا لا يتعارض مع معاناته السابقه , لأن يسوع لم يفاجأ بهذا بل كان على علم به و تنبأ عنه الأنبياء و كتبة المزامير , و أن ما حدث له لا يعتبر تدميرا للآمال المسيانيه .





و أيضا أثرت نزعة الدفاع اللاهوتى على التقليد الإنجيلى , فأراد الإيمان أن يجد فى حياة يسوع الأرضيه دلائل على مجده القادم كملك و حاكم , و بالتالى ظهرت معجزات تثبت سيطرته على الطبيعه و على الشياطين و أنه معطى الناموس لشعب الله الجديد , و بإعلانات الهيه لا بد أنه أرسى حقيقة أنه ابن الله , الموهوب بقوة الروح العجيبه .




و بالتالى فقصة تجلى يسوع على الجبل ( فى معناها الأصلى الذى نراه بوضوح فى انجيل مرقص ) هى عرض رمزى لمجد يسوع أثناء قيامته , و تقليد لقصة موسى على الجبل عندما أعطى له الناموس الذى أشرق وجهه من نور الله .... كذلك أيضا نجد تحول يسوع الى شخص نورانى , الذى هو شكله الدائم بعد قيامته , و فى وجود موسى و إيليا اللذين يمثلان الناموس و الأنبياء أعلن صوت سماوى " هذا هو ابنى الحبيب , له اسمعوا " ....هذا يعرض لنا الإيمان الأقدم فى يسوع , الذى يقول أن يسوع بعد قيامته و صعوده للسماء جعل ربا و مسيحا ( أعمال 2 - 36 ) .






سريعا ما تولدت الرغبه فى رؤية ابن الله ليس فقط فى يسوع الذى رفع الى السماء , بل و أيضا فى حياة يسوع الأرضيه , فقد تساءلوا عن كيفية حدوث هذه المعجزات اذا لم يكن الله مسحه بالروح القدس و القوه ( أعمال 10 - 38 ) ... ثم ظهر سؤال عن متى حدث هذا ؟ , ألم يكن قبل أن يقوم بأعماله العلنيه , و بالتالى رؤى أن حدوث ذلك وقت معموديته من يوحنا المعمدان هو المناسب لإمتلاء يسوع بالروح المسيانيه , و لكن كيف حدث هذا ؟ , هنا ظهرت أسطورة الحمامه التى نزلت على يسوع و الصوت من السماء , و هناك اسطورة أخرى فى انجيل غير قانونى عن ظهور نارى فى نهر الأردن يشبه الظهور النارى للتلاميذ يوم الخمسين , و حكوا أن الصوت الذى من السماء قال ( بحسب صيغته الأصليه ) ما ورد فى المزمور الثانى " أنت ابنى أنا اليوم ولدتك " ,




ظلت هذه هى الفكره الشائعه لفترة طويله , الى أن حل محلها أسطورة الميلاد العذراوى ليسوع (1 ) , و التى بحسبها قيل أنه لم يكن ابن الله اثناء حياته فقط بل و قيل أنه ولد هكذا بالمعنى الحسى الفعلى , و سوف نعود الى هذه الفكره لاحقا و نرى التـأثيرات الوثنيه التى ساعدت على ظهورها .






كانت هذه الأفكار لا تزال قريبة من الفكر اليهودى المسيانى , فقد كان اليهود يأملون فى قدوم المسيح و ظهرت كتب رؤى يهوديه تتحدث أحيانا عن المسيح بأنه كائن فوق-عالمى ينزل من السماء , و لكن الاختلاف الوحيد بين المسيحيين و اليهود كان أن المسيحيين رأوا أن كل هذا ينطبق على يسوع الذى صلبه الرومان , و أنه هو المسيح المنتظر من السماء .




و من هنا بدأ خلاف جوهرى , و هو الربط بين الفكره المسيانيه و بين يسوع المصلوب , مما أكسب هذه الفكره محتوى جديدا , فأفسحت اليهوديه القوميه الطريق نحو طبيعة أخلاقية انسانيه .... لقد كانت فكرة " المسيح المتألم " غير معروفه على اليهوديه حتى تلك الفتره .






اذا تساءلنا هل كانت هناك مسيحيه فى الدائره الاقدم من التلاميذ ؟ , قد تكون الإجابه أجل أو لا ...فنجيب ب "أجل " اذا قلنا أنهم ارتبطوا فى الإيمان بيسوع كمسيح و رب , و أنه القاضى المستقبلى و المخلص , و الذى سيجلب مملكة الله , و ما داموا يحاولون الإقتداء به ... و لكن من ناحية أخرى لا بد أن نقول أن هذا كان بعيدا كل البعد عن الانفصال عن اليهوديه و تأسيس مجتمع مستقل , و لم يفكروا فى انقاذ الوثنيين .




إنهم لم يرغبوا فى أكثر من أن يكونوا نواة الإيمان بيسوع فى المجتمع اليهودى , و رغبوا فى تحويل الأمه اليهوديه كلها الى ايمانهم , و شعروا أنهم متربطون بالناموس الموسوى كأساس للدين اليهودى .




بحسب الوصف الوارد فى سفر الأعمال - الصحيح بلا شك - حافظوا على الأعياد و الطقوس , و يعقوب أخو الرب الذى اشتهر بلقب " البار " , و الذى سمى المسيحيين اليهود " غيورين فى الناموس " ( سفر الأعمال 21 - 20 ) ... لقد تعلموا من يسوع أن يقدموا الجانب الأخلاقى على الجانب الطقسى , و لكن يسوع لم يعلمهم أبدا أن يتركوا ممارسة الطقوس و لم يعلمهم أنه يخلو من المعنى الدينى .




لم تكن المعموديه و العشاء الربانى بأى شكل من الأشكال عملا تعبديا , أو علامه تميز المجتمع المؤمن بالمسيح , و هى المعانى التى اكتسبتها بعد ذلك ... لقد كانت المعموديه رمزا للتطهير و التكريس , و هى تختلف عن معمودية تلاميذ يوحنا فقط فى نقطة الإعتراف بيسوع , و لم تكن وسيله لإضعاف الارتباط باليهوديه , و قد كانت وليمة المحبه فى المجتمع المسيحى الأول تختلف عن وجبة الأسينيين فقط فى شعورهم برابطة الإخوه الناتجه من الإيمان بيسوع .




إن الصفه المميزه للمجتمع المسيحى الأول , هى شيوع الملكيه فيما بينهم , و هو ما يذكرنا بالأسينيين , و لكن لم تكن عند المسيحيين بنفس درجة الصرامه , فبحسب سفر الأعمال لم يكن أى مسيحى ملزما أن يتخلى عن أملاكه للمجتمع المسيحى .




كان فى المجتمع المسيحى الأول بذور التجديد الدينيه و الأخلاقيه , و من أجل أن تنمو بقوه و بحريه كان عليها أن تتخلص من قيود اليهوديه , و كان على البذور أن تلقى خارج قلسطين فى تربة الأديان الوثنيه و الثقافه اليونانيه , التى تمتلك العناصر المهيئه لمثل هذه الخطوه , و باكتساب هذه العناصر استطاعت الروح الجديده أن تنتشر , و تتبلور الى كنيسه مسيحيه .



__________________________________

(1) ملحوظه من المترجم : لا نتفق مع العالم أوتو فليدرر فى كل ما يقوله , و لكننا نعرض أفكاره كما هى , و نقول أن هناك اختلاف واضح بين مصادرنا كمسلمين التى نستقى منها معلوماتنا , و مصادر العالم أوتو فليدرر , فعندنا فى القرآن يخبرنا الله أن ميلاد المسيح العذراوى قد أعلن لليهود منذ أول لحظة من مولده , و أن المسيح نطق فى المهد و برأ أمه مريم الطاهره , و لكن العالم أوتو فليدرر لا يجد مثل هذا الكلام فى مصادره , و يجد أن الإعلان عن ميلاد المسيح العذراوى بحسب مصادره قد أعلن فى فترة متأخره من تاريخ المجتمع المسيحى , و بالتالى ذهب الى القول بأنه مأخوذ من الوثنيات .