المقدمه :



إن هذا الكتاب لم يكتب للقانعين بإيمان الكنيسه , فمثل هذا الكتاب قد يجرح مشاعرهم




الباب الأول : الإعداد و تأسيس المسيحيه :




الفصل الأول : الإعداد للمسيحيه فى الفلسفه اليونانيه :









يقول افلاطون , أن المحرك الأول خلق العالم لأنه صالح , و أراد أن يكون الكل شبيها به بقدر الإمكان , و لهذا خلق العالم على صورته , المخلوق الأجمل و الأكمل , و ابنه الوحيد المولود الذى صار الها منظورا . إن فرضية أن العالم كائن حى له روح , و أن هذه الروح تتخلل كل شىء و أنها الصوره المباشره و الانبثاق من الله , مكنت أفلاطون أن يصف العالم بأنه " الله الثانى " و " الإبن الوحيد المولود من الآب " و " المحرك الأساسى للعالم " , و هى الفكره التى نلاحظ فيها أحد بذور عقيدة التثليث اللاحقه .






يقول أفلاطون فى نقطة أخرى أنه ينبغى أن ننظر للرجل المستقيم على أنه رجل سعيد , حتى لو كان يعيش فى شقاء و تعاسه , و ينبغى أن ننظر للرجل الشرير على أنه غير سعيد , حتى لو توارت خطيته عن كل العالم , و لهذا السبب يرفض أفلاطون أن يبذل الخير للأصدقاء و الشر للأعداء , فلا يمكن للبار أن يرغب فى أذية أحد سواء كان صديقا أو عدوا , و نرى فى هذا كيف اقترب هذا الرجل اليونانى الحكيم من أخلاقيات الإنجيل بخصوص هذا الموضوع .





و كذلك يرى أفلاطون أن الطبقه العليا الثريه تتميز بالحكمه , بينما على الطبقه الدنيا أن ترضى بما لديها , و لكن الإنجيل على العكس من هذا يبشر بملكوت الله القادم الذى ستسكب فيه النعمة على الجميع , بما فى ذلك الفقراء و الجهال و الثقيلى الأحمال .






أما عن الفلسفه الرواقيه التى نشأت فى القرن الثالث قبل الميلاد بواسطة " زينو " و " كريسبوس " فقد كانت أهم إعداد للمسيحيه , و بعكس الثنائيه التى وجدناها عند أفلاطون , فقد رجع الرواقيون الى وحدة الوجود التى قال بها " هيراكليتوس " , و أدمجوا معها الفرديه الصارمه للفلاسفه الكلبيين بروحها المتحرره .






و يقول " سنيكا " الفيلسوف الرواقى فى جانب آخر من فلسفتهم : إن الله يعامل الانسان الصالح بشكل أبوى , و حتى نقتدى به لا بد أن نعطى حتى لناكرى الجميل , لأن الشمس تشرق على الكافر , و الريح لا تهب على الخيرين فقط , و المطر يسقط على حقول من يجدفون على الله . إن عبادة الله لا تحتاج الى صور و هياكل , لأن الله قريب منك و معك و فيك , ففينا تسكن الروح القدس ..... ليس من المدهش أن هذا الكلام أوجد انطباعا عند البعض أن " سينيكا " قد قابل يسوع المسيح , و لكن هذا غير صحيح بدون شك , و هذه التعبيرات التى خرجت من هذا الفيلسوف الرواقى لها أهمية كبيرة عند المؤرخ لأنها لم تعتمد على الأناجيل المسيحيه , و لها أهمية كبيره كذلك كشهاده على النمط الدينى الأخلاقى الذى كان منتشرا فى العالم اليونانى - الرومانى فى تلك الأيام , و الذى له صلة وثيقه بالنمط المسيحى , مما أعد التربه الأمميه للأناجيل .







لقد وجدت فى أخلاقيات العالم اليونانى - الرومانى فى تلك الأيام رابطة الأخوه بين كل الناس , بغض النظر عن الرتبه أو الجنسيه , و من هذا تحرك الدافع لمحبة الإخوه فى الانسانيه , و للإنسانيه ( و كان الرواقيون هم أول من استخدم كلمة humanitas وفق هذا المعنى ) .






كان لدى الرواقيين المتأخرين نظره مثاليه idealistic عن العالم , و التى قد نعتبرها أول محاوله للدمج بين المستيكيه الدينيه مع مثاليات الأخلاقيات العقلانيه , مع ذلك أخذت خطوه فى طريق توحيد و تنقية الدين و الأخلاق , و الذى تحقق فى المسيحيه . لم يكن بمقدور الرواقيه أن تحقق هذا , لأن مثاليتها الأخلاقيه كانت مجرده فلا تستطيع أن تكون دينا , و لأن دينها لم يكن خاليا بالكامل من تعدد الآلهه الشائع و وحدة الوجود الطبيعيه .





لقد لاحظت الرواقيه بكل وضوح التناقض بين الحريه الأخلاقيه للإنسان , و بين اعتماده على الله , و لم تحل هذه المشكله , و لم يكن بوسعها أن تفعل ذلك , لأن حرية الانسان فهمت بالمعنى السلبى فى الانسحاب من العالم الخارجى الى داخل روحه , و ليس بالمعنى الإيجابى الذى يقول بخضوع الانسان للمشيئه الإلهيه المطلقه فى العالم , و لم يظهر التكوين الحقيقى لحرية أخلاقيه و اعتماد دينى قبل المسيحيه , و قد مهدت الرواقيه الطريق لهذا بأكثر من أسلوب ,







الفصل الثانى : الفلسفه اليهوديه - اليونانيه عند فيلو :







من أهم الأشياء التى مهدت الطريق للمسيحيه هو اندماج الفلسفه اليونانيه و الدين اليهودى فى القرنين السابقين للمسيح .


حاول فيلو أن يفسر العهد القديم وفق الفلسفه اليونانيه خصوصا فلسفة افلاطون و الرواقيين , و بالتالى استخدم التفسير المجازى , و هو الأمر الذى كان موجودا قبله , و لكنه لم يستخدم بمثل هذه الجرأه .





بحسب فيلو , الله مرتفع عن العالم , و لا يمكن أن نصفه بصفه , فهو أكثر من جميل و صالح , و لا يمكن للإنسان أن يعلم ما يصح أن يوصف به و ما لا يصح أن يوصف به , و هو خارج نطاق الزمان و المكان , لا يتغير و لا يحتاج الى شىء .





و لكن لا يمكن أن تكون هذه نقطة النهايه , فلا بد أن يصف الله ببعض الصفات الإيجابيه الناتجه من علاقته بالعالم , و بالتالى قد أضاف فيلو الى الصفه الرواقيه عن الله بأنه القوه التى تنتج الكل , أضاف اليها الصفه الأفلاطونيه عن صلاح الله و نعمته الذى جعله يخلق العالم . كل صلاح يأتى من الله مباشرة , و كل شر يأتى من الأرواح الخاضعه له و لكن بأمر الله , و هو يبسط يده حتى للخطاه , و لا بد أن فيلو تأثر فى هذا بالنظره الأفلاطونيه عن صلاح الله , و كذلك بالفكره عن الله التى توجد عند أنبياء مثل ارميا و هوشع . و لكن على الرغم من ذلك , فإن هذا الاعتقاد بصلاح الله يتعارض من وجهة النظر العالميه القائله بالثنائيه و التى آمن بها فيلو و كل الناس فى زمنه , و التى تقول أن العالم المادى سىء جدا و لهذا فالله لا يتعامل معه دون وسيط , و قد اعتقد فيلو أنه وجد الحل لهذا فقال أن الإراده الإلهيه يجرى تنفيذها من خلال كائنات وسيطه فوق حسيه , و هى قوى معنويه ( فكر رواقى ) , و أفكار ( فكر أفلاطونى ) , و ملائكه ( فكر العهد القديم ) , و يقول أن من بينها ستة هى الأعلى , و أعلاهم جميعا هو اللوجوس .





إن مفهوم اللوجوس الذى يعد النقطه المحوريه فى فكر فيلو , يدمج بين الفكر اليهودى عن كلمة الوحى الخالقه , و الفكر الرواقى عن العله الإلهيه الفاعله فى العالم , فاللوجوس عند الرواقيين كما هو أيضا عند فيلو هو المكون للعالم و المحافظ عليه , و لكن اللوجوس عند فيلو يختلف عن اللوجوس الخاص بالرواقيين فى أنه لا يسميه الله و لا مادة العالم , بل يجعله شيئا وسيطا بينهما , و اسمه هو " المولود البكر من الله " و " أقدم الملائكه " و الصوره و المنطوق بوضوح " , و " الإله الثانى " , و هو وسيط الوحى الإلهى منذ الخلق , و النموذج لكل شىء , و القوه التى شكلت الماده الى هذا العالم . و فى تاريخ الانسان و بالأخص تاريخ بنى اسرائيل كان هو الوسيط لكل الوحى الإلهى , و الكاهن الأعلى و الباراقليط ( المحامى ) عن البشر أمام الله .....و هو ليس فقط النموذج , بل المصدر المستمر للخير و الحقيقه فى الإنسان ....هذه الأرواح التى يسكن فيها , و التى يمنحها نفسه بوصفه الخبز الحقيقى من السماء .







كان تعليم فيلو عن الإنسان يدمج بين الفكر الافلاطونى و الرواقى مع التقليد الكتابى , فقد اتفق فيلو مع نظرة أفلاطون عن الجسد الإنسانى على أنه سجن لروح نزلت من الأعلى , و أنه مصدر الشر و الخطأ , و أراد أن يحدث تناسقا بين هذا و بين قصة الخلق الوارده فى سفر التكوين , فاعتبر أن القصه الوارده فى الاصحاح الأول من هذا السفر تتحدث عن الإنسان السماوى المثالى , بينما الوارده فى الاصحاح الثانى تتحدث عن الإنسان الأرضى الخليط من ملاك و حيوان , و اعتبر أن الإنسان لا يمكن أن يتحلص من عبودية الحس و أن يرتفع الى النموذج الإلهى بقوته الخاصه , بل لا بد من مساعدة القوى الإلهيه و بالأخص مساعدة اللوجوس , الذى ينزل الى الأرواح و يقدسها كهياكل لله .







و لكن هل تم هذا الاتحاد المنتظر الذى يتحدث عنه فيلو بين الله و الإنسان ؟ , و هل يمكن أن يتحقق فى ضوء النظره الثنائيه البليده التى تصف علاقة الله بالعالم , و التى أخذها فيلو من أفلاطون و ضخمها ؟ . إن مثل هذا الاتحاد يمكن أن يتم فقط فى الوجد غير الواعى , الذى يغوص فيه الفكر المتعقل و الإراده , لأنه فيلو يرى أن الروح الإنسانيه لا يمكن أن تسكن مع الإلهيه , و بالتالى فعلى الرغم من كل الوساطات , يظل التعارض بين الله و الإنسان أمرا مغلقا عند فيلو , و لم يدر بخلده أن الوحى الأعلى للروح الإنسانيه هى حياة الإنسان الروحيه التى تحتوى على الحق و الصلاح .





و بالتالى فعلى الرغم من أن فيلو يقترب من لاهوت يوحنا , إلا أنه يقف خارج عتبة المسيحيه , فهو لا يعرف شيئا عن " تجسد اللوجوس " , و لكن فيلو مهد الطريق للمسيحيه , حيث اكتسب من اليهوديه الهيلينيه فى الشتات روح الفرديه , و التقوى الداخليه , و نمط أخلاقى عالمى , و مهد الطريق لدين روحى أخلاقى , يرتكز على الوحدانيه , و لكنه يتحرر من قيود اليهوديه .