120) ما حكم الهجرة على من أسلم في دار الكفر ؟
ج) أقول :ــ الأمر فيه تفصيل :ــ فإن كان لا يقدر على إظهار شعائر دينه وهو قادر على الهجرة فإنها تكون واجبة عليه ، قال تعالى " إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا " وهذا الوعيد الشديد يدل على أن الهجرة واجبة ، ولأن القيام بشعائر دينه الظاهرة واجب وهو لا يستطيع ذلك إلا بالهجرة فتكون واجبة لأنه قد تقرر في الأصول أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، لكن اشترطنا في ذلك القدرة لأن المتقرر بالاتفاق أن الواجبات منوطة بالقدرة فلا واجب مع العجز ، وأما من يتمكن من إظهار شعائر دينه ولا غضاضة عليه في ذلك ، وهو قادر على أن يهاجر فهذا تكون الهجرة في حقه من المندوبات المتأكدات لا الواجبات المتحتمات ، فالهجرة تكون واجبة أحيانا وتكون مستحبة أحيانا .



س121) هل يجب على ولي أمر الدولة الإسلامية قبول من هاجر إليه من المسلمين ممن لا يستطيع في بلد الكفر إقامة شعائر دينه ؟
ج) نعم ، يجب عليه ذلك ، وهو من حق المسلم على المسلم ، وحتى لا يفتن ذلك الضعيف في دينه ، ولأن من ضرورات الشريعة حفظ الدين ، ولا يمكن حفظ دين هذا المهاجر إلا بانضمامه إلى الدولة المسلمة ، وعدم رجوعه إلى دولته الكافرة ، ولأن هذا من التعاون على البر والتقوى المأمور به في قوله تعالى " وتعاونوا على البر والتقوى " ولأنه لا مفسدة في قبوله بيننا في الدولة المسلمة ، بل في قبوله المصلحة الخالصة أو الراجحة ، ولأن هذا من مقتضى أخوة الدين ، وقد قال الله تعالى " إنما المؤمنون إخوة " ولأن هذا من نصرته فإن نصرة المسلم القادر لأخيه المسلم العاجز من الوجبات الشرعية ، وقد قال صلى الله عليه وسلم " انصر أخاك ظالما أو مظلوما " وهو هنا مظلوم فنصرته واجبة ، ولأن النبي صلى الله عليه قال " المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ولا يخذله ... الحديث " وأي إسلام وخذلان كتسليمه إلى دولته التي لا يقدر فيها على بقائه مسلما، ولأن هذا من مقتضى الشهامة والرجولة والموالاة للمسلم .



س122) وما الحكم فيما لو كان بيننا وبين دولته معاهدة على رد من جاءنا مسلما إليهم ؟
ج) هذا فيه تفصيل :ــ أما إن كانت المهاجرة إلينا امرأة ففي هذه الحالة لا يجوز لنا أن نردها لدولتها الكافرة ولو قامت الدنيا ولم تقعد ، لأن الله تعالى يقول " يا أيها الذين ءآمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن " ولأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم عدم رد المسلمة المهاجرة إلى بني قومها الكفار ، وأما إن كان المهاجر إلينا صبيا دون البلوغ فكذلك لا يجوز رده ، بل لا تجوز الهدنة على رده أصلا لما فيهم من ضعف العقل والمعرفة والعجز عن التخلص والهرب ، هكذا قرره علماء الإسلام ، وأما إن كان المهاجر رجلا كبيرا فلا يخلو إما أن تكون له عشيرة تحميه من الأذى وإما لا ، فإن كان له عشيرة تحميه فعلى إمام المسلمين أن يوفي بما أخذه من العهد على نفسه ودولته ويرده إليهم ، ولكن يشترط على الدولة الكافرة أن لا يهينوه ولا يؤذوه وإلا فلا عهد بيننا ، ويستدل على ذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم قد قبل شروط الصلح ومنها هذا الشرط ، وقد رد بمقتضاه أبا جندل وأبا بصير ، رضي الله عنهما ، وليس هذا من خذلان المسلم بل من الوفاء بالعهد الذي قطع بالله لهم ، ومن باب دفع المفسدة الكبرى بالمفسدة الصغرى ، ومن باب دفع الضرر العام بالضرر الخاص ، وأما إن كان هذا المهاجر لا عشيرة له تحميه من الأذى وكان المقصود من رده إهانته وإذلاله وفتنته عن دينه فلا يجوز تمكين الكفار منه ولا طرفة عين ، هذا ما تحصل لي في هذه المسألة ، وينبغي أصلا لولي الأمر أن لا يقبل بهذا الشرط إلا إن كان محققا للمصالح العامة ، والله يتولانا وإياك .