سـؤال وجـواب


أيها الأخوة الفضلاء لقد أمر الله ورسوله بالسؤال فقال : ( وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ) (الزخرف:45).

والسؤال نصف العلم ، والجواب نصف العلم ، وحسن السؤال من حسن العقل .
قالوا : لا رخصة لك .
والله تعالى يقول : ( فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) (الأنبياء: من الآية7) .
لكن السؤال محذور في مواطنين اثنين :
الموطن الأول : أن تسأل عما لا يعنيك ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ) (المائدة:101) فما لا يعنيك لا تسأل عنه ، كمن يضيع عمره في مسألة وهو بحاجة إلى مسائل خير منها ، أو أحسن منها ، ولكنه دائماً يسأل عنها ، مثل الجدال البيزنطي حول دوران الأرض خول الشمس ، أو دوران الشمس حول الأرض ، أو أطفال أهل الفترة أو أسئلة لا تعنينا ، أو تنفعنا في الحياة .

الثاني : ألا تسأل عن شيء ، استأثر الله بعلمه ، سبحانه وتعالى ، كالمتشابه من القرآن ، وتتكلف علم مثل (حمَ ) (غافر :1) ( الَـمَ ) ( العنكبوت : 1) (نَ) ( القلم : 1) ( طسَـمَ ) (القصص:1) ، إلى غير ذلك من الحروف التي استأثر الله بعلمها ، أو علم المتشابه ، فإن أهل العلم يقولون : معتقد أهل السنة أن يكفوا عن المتشابه ، والله يقول : ( وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِه) (آل عمران: من الآية7) ، ( فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ) (آل عمران:7).

صح عنه ، عليه الصلاة والسلام ، أنه نهى عن كثرة السؤال ؛ وقال الإمام مالك : أراها المعضلات والأغلوطات ، يعني : كثرة السؤال من المعضلات التي يحاول بها البعض تعجيز العلماء والدعاة ، ليس قصده : العلم والفائدة ، بل قصده : أن يعجزهم ، فهذا منهي عنه .
وقيل : كثرة السؤال : من يسأل الناس مالاً تكثراً فإنما يسأل جمراً .

أيها الأخوة الفضلاء ، بين يدي : عشرون سؤالاً ، منها : أسئلة في العقيدة ، منها أسئلة في التوحيد ، وأسئلة : في الفقه ، وأسئلة في الحديث النبوي ، وأسئلة في الفكر الإسلامي ، ومنها أسئلة في المؤلفات والأدب وأسئلة اجتماعية ، فعسى ، الله أن يسدد ، وأن يهدي بما نخط وأن ينفع بما أكتب ونسأله سبحانه وتعالى أن هذا العلم حجة لنا لا حجة علينا .

السؤال الأول : ما سبب قوله سبحانه وتعالى : ( وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (76) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكَذِبُونَ ) (التوبة:75-77).

الجواب : قال أهل السنة من العلماء وعلى رأسهم : ابن جرير وابن كثير : سبب نزولها : أن رجلاً اسمه : ابن جميل عاهد الله عز وجل وكان فقيراً فقال : يا رب ، أعاهدك إذا رزقتني مالاً أن أجعله في طاعتك وأن أنفقه في مرضاتك ، فأعطاه الله ما شاء من المال ، فأرسل الرسول ، عليه أفضل الصلاة والسلام ، عمر بن الخطاب يجمع الصدقة ـ أمير المؤمنين الفاروق ـ فذهب ، فمر على المسلمين ، فأعطوه الصدقات إلا العباس عم الرسول عليه الصلاة والسلام ، وخالد بن الوليد ، وابن جميل امتنعوا .

فأتى فأخبر الرسول ، عليه أفضل الصلاة والسلام ، فقال ، عليه أفضل الصلاة والسلام : ( أما العباس فهي على ومثلها ..) يعني : الصدقة ؛ لأنه دفعها لسنتين ، وهي دين على الرسول ، عليه أفضل الصلاة والسلام .

( وأما خالد فإنكم تظلمون خالداً .. ) يعني : سيف الله المسلول أبا سليمان ( لقد احتبس أدرعه وأعتده في سبيل الله ) يعني جعل ماله وقفاً ، يعني لا زكاة عليه ، فلماذا تطلب منه الزكاة (1) ؟

يـقـولـون مـعـن لا زكــاة لـمـالــه وكـيـف يـزكـي المـال مـن هـو بـاذلـه
خالد عنده مائة فرس ، ومائة سيف ، ومائة درع ، جعلها وقفاً في سبيل الله .
والوقف لا زكاة فيه .

وأما ابن جميل هذا فيقول ، عليه الصلاة والسـلام : ( أما ابن جـميل فما كان ينقم إلا كان فقيراً فأغناه الله .. ) يقول : يحق لابن جميل أن يمنع فهو كالمستهزئ به ، فهل هذا جزاء المعروف ؟ وهذا جزاء الإحسان ؟
فأنزل الله في ابن جميل ، وأسلوب القرآن ، لا يجرح ، ولا يشهر ، وهو أسلوب الداعي الناجح ، ألا تسمي الأسماء ، ولا تذكر الكيانات ( وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ ) (التوبة: من الآية75) وكان يقول عليه الصلاة والسلام : ( ما بال أقوام يصنعون كذا وكذا ) .

قال تعالى : ( وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (76) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكَذِبُونَ ) (التوبة:75-77) وهذه الآية تسري على كل من يفعل ذلك ؛ لأن المال مال الله ، والمنصب لله ، والصحة أعطاها الله ، والرزق من الله ، فليس لأحد منة على الله ، بل المنة له وحده .

وكثير من الناس تمر بهم ظروف فقر ، ويعاهدون الله في وقت الرخاء : أن يبذلوا ، وأن يعطوا ، فلما أعطاهم ، ومنحهم الله ، تولوا على أعقابهم ونقضوا عهد الله ، ومسثاق الله عز وجل .

وأذكر قصة ذكرها رسول الهدى ، عليه الصلاة والسلام ، وهي في ( الصحيحين )(1) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ( كان فيمن كان قبلنا من بني إسرائيل ثلاثة : أقرع وأبرص وأعمى ) .

الأقرع : الذي لا شعر في رأسه .
والأبرص : الذي تغير جلده من البرص ، وذهب بهاؤه .
والأعمى : الذي ذهب بصره .
( أراد الله أن يبتليهم فأرسل لهم ملكاً من السماء فنزل الملك فمر على الأقرع وقال : ماذا تشتهي ؟
قال : أتمنى من الله أن يرد على شعر رأسي الذي قذرني الناس به .
فسال الله أن يرد عليه شعر رأسه فرده .
ثم قال : ماذا تشتهي من الأنعام ؟
قال : أشتهي الإبل .
فدعا الله له ، فرزقه الله بناقة ، ولدت ، وأنتجت حتى ملأت الوادي .

ثم ذهب إلى الأبرص ، وقال : ماذا تطلب من الله ؟
قال : جلداً حسناً يرده الله علي فقد قذرني الناس بجلدي .
فسأل الله ، فرد عليه الجلد الحسن .
قال : ماذا تشتهي من الأنعام ؟
قال : البقر .
فسأل الله عز وجل ، فأعطاه بقرة فولدت ، وأنتجت حتى ملأت الوادي .
فذهب إلى الأعمى ، وقال : ماذا تشتهي ؟
قال : أن يرد الله علي بصري .
قال : وماذا تشتهي من النعام ؟
قال : الغنم .
فسأل الله شاة فأعطاه ، شاة فأنتجت حتى ملأت الوادي .

ثم ذهب الملك وتغير في صورة مسكين ـ والله الذي يصوره ـ فمر بالأقرع ، قال : أريد منك ناقة أنا فقير ومسكين .
قال : المال مالي ، وما عندي ما أعطيك .
قال : قد كنت أقرع ، وكنت فقيراً فرزقك الله .
قال : لا ، ورثت المال كابراً عن كابر .
قال : إن كنت كاذباً فرد الله إلى ما كنت .
فرده الله أقرع فقيراً .
ثم ذهب إلى الأبرص ، وقال : أعطني بقرة أتقوت بها .

قال : لا ، المال مالي .
قال : لقد كنت أبرص وكنت فقيراً .
قال : لا ، بل ورثته كابراً عن كابر
قال : إن كنت كاذباً فرد الله إلى ما كنت .
فرده الله كما كان .
وذهب إلى الأعمى فسأله .
فقال له : خذ ما شئت ، واترك ما شئت والله ، لا أشكرك على ما تركت ، فقد كنت أعمى فرد الله علي بصري ، وكنت فقيراً فأعطاني الله ، فخذ ما أردت .
قال : أما أنت فقد رضي الله عليك ، وغضب على صاحبيك ) .
فيا عباد الله ، هذه النعم تجري عندنا ، وزكاة البدن : أن تستخدمه في طاعة الله ، وزكاة العينين : البكاء ، وزكاة اللسان : الثناء ، وزكاة القلب : الحياء ، وكلها مما يستوجبه سبحانه على عباده .

السؤال الثاني : ما سبب نزول قوله سبحانه وتعالى : ( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً)(النساء:65) ، وما هي ظلال الآية في واقعنا المعاصر ؟؟
الجواب : سبب نزول الآية : كما في حديث ابن الزبير ، أن الزبير بن العوام حواري الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام ، اختصم هو ورجل من الأنصار في مزرعة ، فأتى ( صلى الله عليه وسلم ) إلى صاحب المزرعة ، ومزرعة الزبير فوق مزرعة الأنصاري ، فقال ( صلى الله عليه وسلم ) للزبير : ( اترك الماء قليلاً حتى يعود إلى الجدر ثم اتركه للأنصاري )(1) .
فقال الأنصاري للرسول عليه الصلاة والسلام : أإن كان ابن عمتك قضيت له .
لا إله إلا الله ! يعني يقول أن الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) جار في الحكم ؛ لأن الزبير ابن عمته صفية بنت عبد المطلب ، وهي عمة الرسول عليه الصلاة والسلام .
فغضب ، عليه الصلاة والسلام ، فقال : ( اترك الماء ) .

قال بعض العلماء : حتى يصل إلى الجدر : وهذا هو الحكم ، فنزل قوله : ( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً) (النساء:65).


ولها ظلال ثلاثة :
الأول : يقول بعض العلماء : معنى الآية : لا يؤمنوا حتى يحكموك ، أي يرضوا ، ويرضون بك إماماً (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً) (الأحزاب:21)فيحكموك في معتقداتهم ، وعباداتهم ، وأخلاقهم وسلوكهم .
فمن رضي بإمامة الرسول عليه الصلاة والسلام جعله إماماً في المعتقد والأخلاق والسلوك وفي السنن ، كاللحية والثوب ، وهي من السنن ، وإماطة الأذى عن الطريق ، وقص الشارب ، والسواك ، وكل دقيقة وجليلة يحكم فيها محمد ، عليه الصلاة والسلام .

يـا مـدعـي حـب طـه لا تـخــالـفـه الـخـلـف يـحـرم فـي دنـيـا الـمـحـبـيـنـا
أراك تـأخـذ شـيـئـاً مـن شـريـعـتـه وتـتـرك الـبـعــض تـدويـنـاً وتـهــويـنـا
خـذها جـمـيـعاً تـجـد فـوزاً تـفـوز به أو فـاطرحـها وخـذ رجـس الـشـيـاطـــيـنـا
وإنما أقول هذا لتعلق بعض الناس ببعض المغرضين ، كـ ... وله أتباع رأيناهم يأخذون صورته ، ويقبلونه ، ويقولون : من أجل عينيك ! ولكن ( وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ ) (البقرة: من الآية165) ، فأولياء الله عز وجل وأولياء الرسول عليه الصلاة والسلام ، أشد ، وأحسن ، وأقوى ، وأعظم حباً من هؤلاء ، ولكن أين هم على الساحة ؟
تـعـال يـا مـن حـالـه فـي وبـــال ونـفـسـه مـحـبـوسـة فـي عـقـــال
يـا راقـداً لـم يـســتـفـق عـنـدمـا أذن فـي صــبـح الـلـيـالـي بــــلال
روض الـنـبـي الـمـصـطـفـى وارف أزهـاره فـاحـت بـريـا الـشـــمـــال
يقول ( صلى الله عليه وسلم ) في صحيح مسلم : ( والذي نفسي بيده لا يسمع بي يهودي ولا نصراني ثم يؤمن بما أرسلت به إلا دخل النار )(1) .
والظلال الثاني : ( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ ) (النساء: من الآية65) وهو تحكيم الدستور الإسلامي ( الكتاب والسنة ) في حياة الأمم والشعوب ( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) (المائدة : من الآية44) ، ( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (المائدة: من الآية45) ( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (المائدة: من الآية47) .
فمن حكم بغير ما أنزل الله ، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، لا يقبل الله منه صرفاً ، ولا عدلاً ، ولا كلاماً ، ولا يزكيه وله عذاب أليم ، يقول تعالى : ( أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) (المائدة:50).
ذكر الإمام محمد بن عبد الوهاب في كتاب التوحيد ـ رحمة الله ـ قصة مشهورة عند أهل السنة ، أن رجلاً يهودياً ، ومنافقاً اختصما في قضية ، فقال اليهودي للمنافق : نذهب إلى محمد والمنافق يقول لا .
لأن اليهودي يعلم أن الرسول، عليه الصلاة والسلام، سوف يحكم بالحق ، والمنافق خائف لأن الحق عليه .
فلما ذهبا إلى الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) حكم بالحق ، فقال المنافق : ما رأيك نأتي أبا بكر لعله أن يسهل لنا .
فذهبا إلى أبي بكر ، فحكم كما حكم الرسول ، عليه الصلاة والسلام ، لكن أبا بكر سهل ، رحيم فما سألهم هل حكم قبله أحد .
فذهبا إلى عمر ، وكان في البيت فقالا : نعرض عليك قضية .
قال : ما هي ؟
قالا : كيت وكيت ، فقصا عليه القصة .
قال : أحكم فيها قبلي أحد ؟
قالا : نعم .
قال : من ؟
قالا : الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ، وأبو بكر .
قال : فهل رضيتم ؟
قالا : أردنا أن نسمع حكمك .
قال : انتظرا قليلاً ؛ لأخرج شيئاً حتى تريا الحكم ، فذهب في طرف بيته ، وأخرج السيف مسلولاً ، فضرب به رأس المنافق ، لأنه لم يرض حكم الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ، ومع ذلك هو يدعي الإسلام .
الظلال الثالث : ( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجا ً) (النساء : من الآية65) ؛ لأن بعض الناس يحكم الرسول عليه الصلاة والسلام ، ولكنه يجد حرجاً من حكمه ، وهذا دليل على النفاق .
مثلاً من يحمل السنة ، وفي قلبه حرج من الناس ، وهو متضايق منها ، وإنما يفعل ذلك مجاملة ، كمن يحضر صلاة الجماعة ، لكن كالمجامل ، ويعرف أن الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) حث عليها ، لكن في قلبه حرجاً .
وبعض الناس يقول : ليت الرسول ، عليه الصلاة والسلام ، ما أتى بالحجاب ، ومع ذلك هو يحجب بناته ، فهذا لا يعد مؤمناً كامل الإيمان ، بل في قلبه مرض ، وفي قلبه شبهة .
السؤال الثالث : ما معنى قوله تعالى : ( فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (الأنعام:43) .
الجواب : ( فلولا ) عند أهل العلم بمعنى : هلا ، يعني : فهلا إذا جاءهم بأسنا .
والبأس ، قيل : النكبة في الحياة ، وقيل : المصائب التي يبتلي بها الله الناس ، وهي أخذ الله ( وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ) (هود: من الآية102) .
معنى الآية ببساطة ، يقول سبحانه لماذا عندما أتاهم بأسنا وعذابنا ، ونكباتنا ، ومصائبنا ما رجعوا إلينا ، وتضرعوا ، وبكوا ، وندموا ، واستغفروا .
هذه الآية ، أيها المسلمون نحن نعيش ظلالها هذه الأيام ن فلا ينقذنا ـ والله ـ من الله ، ومن عذاب الله ، ولا من نقمة الله ، ولا من تدمير الله إلا هو ، والله لن تنقذنا أمريكا ، ولا غير أمريكا ، ولا بريطانيا ، ولا فرنسا ، ولا دول الأرض ، فإن الله إذا غضب ، فلن يقوم لغضبه أحد ، فالمفر ، إلى الله الذي يقول : ( فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ) (الذريات:50)، والذي يعتقد أن قوى الأرض وأن أركان الأرض هم الذين يحولون بينه وبين أخذ الله ـ والله ـ هو واهم .
فعلينا أن نحفظ النعم بالشكر ، ولا نكون كالبلد الذي رأيناه ، كان بلداً ناعماً سعيداً بات هادئاً وما علم أنه سوف يجتاح في الصباح .
يـا راقـد الـلـيـل مـسـروراً بـأولـه إن الحـوادث قـد يـطـرقـن أسـحـــارا

ولكن ( وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ ) (هود: من الآية102) ، ( وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) (النحل:112).
إذا غضب الله فلا يقوم لغضبه أحد ، يقول سبحانه وتعالى : ( إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) (هود: من الآية102) ، ويقول سبحانه : ( وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَت) (الطلاق: من الآية8) عتت : أي تمردت على آياتنا ، ناعمة ، لكن لا يصلى أهلها جماعة في المساجد ، ويخرجون على شريعة الله ، ويتعدون حدود الله ، ويسهرون على معاصي الله (عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً وَعَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُكْراً (8) فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْراً ) (الطلاق:9).