

-
وجه البلاغة في تعريف الدَّين بجملة الصلة
أعني : ما الفرق بين أن يقال " وليملل المدين " وأن يقال : " وليملل الذي عليه الحق .؟
الذي يبدو أن كلمة " المدين " لن تفيد معنى جديداً في هذا السياق لكن لما أريد التأكيد على المدين بأن يعترف بما عليه أمام الشهود , والكاتب , ولما أريد تذكيره بأن ما أخذه ليس حقه , بل هو حق الدائن , والحقوق لابد أن ترجع إلى أصحابها , عرّف المدين بجملة الصلة ؛ كي تجمع كل هذه المعاني في وسيلة واحدة للتعريف .
يقول الإمام عبد القاهر : " إن اسم الموصول ( الذي ) اجتلب ليكون وصلة إلى وصف المعارف بالجمل , وإنما اجتلب حتى إذا كان قد عرف رجل بقصة , وأمرٍ جَرَى له , فتخصص بتلك القصة , وبذلك الأمر عند السامع , ثم أريد القصد إليه ذكر ( الذي ) { ( 97 ) .
وكأن من مقاصد جملة الصلة هنا إشهار المدين , وتعريفه للناس بأنه ( الذي عليه الحق ) .
أترى إلى أي مدى يكون هذا مؤثراً في المدين بين الناس ؟
حيث يشتهر بهذا الوصف العجيب , وكأنه لا يعرف باسمه , ولكن يعرف بأنه ( الذي عليه الحق ) , وفي ذلك ما فيه من التنفير لهذا النوع من المعاملات .
كما أن في اصطفاء اسم ( الحق ) تذكيراً للجميع , وعلى رأسهم المدين بوجوب عودته إلى صاحبه , ووجوب إحقاقه , والحرص على عدم تضييعه .
كما أنه متوجه أيضاً إلى الدائن ؛ طمأنة له , وتسكيناً لفؤاده من أن ماله لن يضيع .
كما أنه متوجه إلى الشاهدَين , بأن ما يشهدان عليه ليس إلا الحق , فعليهما الإقدام , وعدم التخاذل , كما أن عليهما الشهادة الصادقة التي تحفظ الحقوق .
كما أنه متوجه إلى الكاتب بأن ما سيكتبه ليس إلا الحق ؛ فلا ينبغي أن يحيد عنه , وإلا فقد ضيعه ؛ فالكلمة جرس إنذار للجميع ؛ ( ويحق الله الحق بكلماته ) .
البناء التركيبي لجملتي : " وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئاً "
والجملتان معطوفتان على ما سبق , من قوله " وليملل الذي عليه الحق " وهما أمر ونهي , والجملة المعطوف عليها هي الأخرى أمر .
وكل هذه الأوامر موجهة إلى " الذي عليه الحق " ؛ فقيل له :
" أملل – واتق الله – ولا تبخس منه شيئاً " .
وهذه الدقَّات الثلاث إنما هي إنذار وتحذير من أن يوسوس له شيطانه , بأن يتملص من بعض الحق , أو أن يأكل بعض الأموال , أو أن يفعل شيئاً يضيّع به الحق على صاحبه .
كل هذا استلزم تتابع هذه الأوامر على نحو خاص , ووضعت فيه التقوى بين الأمر بالإملال , والنهي عن البخس , لتأخذ التقوى بحُجز هذين الأمرين , فتكون كالقلب الذي يغذوهما .
فوضع التقوى في الوسط هكذا " وليملل الذي عليه الحق – وليتق الله ربه – ولا يبخس منه شيئاً .
هذا النسق يشير إلى أن الأمر بالإملال يحتاج إلى شيء من التقوى .
والنهي عن البخس يحتاج إلى شيء من التقوى ؛ فوضعت التقوى بينهما ؛ لتمدهما بحاجتهما ؛ كي يتم الأمر , والنهي على وفق مراد الشارع .
ولو قدمت التقوى , أو أخرت لزاد التشديد في جانب على حساب جانب آخر .
وتقديم الأمر بالتقوى على النهي عن البخس يفيد تهيئة النفوس التي عليها الحق لتلقي الأوامر والنواهي , بالامتثال , والطاعة .
وأسند الفعل " يتقي " إلى ضمير الغائب ؛ لأن الذي عليه الحق في مقام ضعف , ولا يرقى ليكون محل تشريف , وإعزاز ؛ حتى يباشره الله تعالى بالخطاب , وفي ذلك ما فيه من التنفير الخفي من الديون , وفي الحديث الشريف أن الرسول – صلى الله عليه وسلم – كان يقول :
" اللهم إني أعوذ بك من الكفر والدين .
فقال رجل : يا رسول الله أيعدل الدين الكفر ؟
قال : نعم .
وفي الجملة الأولى جمع ٌ بين اسم " الله " واسم " الرب " ؛ حيث قيل : " وليتق الله ربه " لحكمة بليغة , وهي كما يقول أبو حيان : " أن الله تعالى مربياً له مصلحاً لأمره , باسطاً عليه نعمه .
وقدم اسم " الله " لأن مراقبته من جهة العبودية والألوهية أسبق من جهة النعم " ( 98 )
كما أن مقام الذي عليه الحق يحتاج إلى صفات الجلال الكامنة في اسم " الله .
وكذا إلى صفات الجمال الشاخصة في اسم " الرب " .
أما صفة الجمال , فمن حيث تذكيره بأن سداد الدين يحتاج إلى عون الله تعالى , وفتح أبواب الرزق
وأما صفة الجلال فمن حيث زجره وتهديده حتى لا يبخس أو يماطل , أو ينكر الدين .
إذاً الذي عليه الحق ينبغي أن يتذكر أمرين :
الأول : يتذكر قوة الله وسلطانه وانتقامه , فلا يأكل أموال الناس .
والآخر : يتذكر رحمة الله تعالى وعطفه وامتنانه عليه , حيث أحل هذا الضرب من المعاملات والتي استطاع بسببها أن يأخذ من أموال الناس إلى حين .
أما اصطفاء لفظ البخس هنا دون غيره :
فلأن من دلالته النقص والإخفاء , وأقرب الألفاظ إلى معناه هو : الغبن .
والبخس في لسان العرب هو النقص بالتعييب , والتزهيد , أو المخادعة عن القيمة , أو الاحتيال في التزيد في الكيل , أو النقصان منه , أي : عن غفلة من صاحب الحق .
وتعدي الفعل إلى كلمة " شيئاً " وهي نكرة لإفادة العموم والإحاطة , أي : أي شيء , ولو كان حقيراً , ولذلك كله , أسند لفظ " رب " إلى الضمير العائد على المدين , فقيل : " ربه " , ولم يقل : ربكم , أو ربهم , بل " ربه " أي : الذي أنعم عليه , وأحل له أخذ هذه الأموال لينتفع بها إلى حين , ووعده
بأن يسد عنه إن هو أخلص النية في السداد .
وقد جاء في الصحيح عن أبي هريرة , أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدَّ الله عنه , ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله تعالى " ( 99 )
وكأنه رقيب عليه وحده , كما أن فيها معنى التحذير ؛ لأن ربه رقيب عليه .
وفي ذكر الجار والمجرور " منه " حيث قيل : " ولا يبخس منه شيئاً " تذكير بالحق مرة أخرى , حتى تكون الأذهان على ذكر منه دائماً , إما صراحة , وإما تقديراً فتكون العقول والقلوب مرتبطة به , فتراعي الوفاء , والضبط عند كتابته , لأنه حق .
الاستثناء بالشرط في قوله تعالى :
" فإن كان الذي عليه الحق سفيهاً أو ضعيفاً أو لا يستطيع"
للاستثناء أدوات كثيرة , منها : [ إلا , وغير , وسوى ] , وقد يستثنى بجملة الشرط , كما هو حال الجملة هنا ؛ ولذلك لما قيل : " وليملل الذي عليه الحق " , تبين أن هذا الحق قد يكون على أناس لا يستطيعون القيام بعملية الإعلام , وهم : السفيه , والضعيف , ومن به سبب عارض يمنعه من الكتابة , فاستُثنوا – ليس من الكتابة – وإنما من الإملال ؛ إذ الكتابة واجبة على الجميع , ولعل إدخال هؤلاء في دائرة الكتابة يزيد من معنى الوجوب الذي مال البحث إليه .
إلا أن الاستثناء هنا سلك طريق الشرط ؛ وذلك لأن الشرط في الأصل قيدٌ , والقيود والعقبات تتواءم مع سياق الآية , الذي يسير في فلك التشديد والتضييق .
ولكن : إذا كانت الديون تنشأ من قرض , أو بيع , أو شراء بأجل , وهؤلاء لايمكن لهم مباشرة هذه المعاملات بأنفسهم , فكيف يقع عليهم دين ثم يكتب عنهم وليُّه ؟ !
ولعل أولياءهم هم الذين يبيعون لهم بأجل , أو يشترون بأجل , أو يقترضون لهم , أو أن لبعضهم رخصة من ولي الأمر , بأن يبيع أو يشتري , كما رخص النبي صلى الله عليه وسلم لمنقذ بن عمرو , حيث قال يا رسول الله إني لا أصبر على البيع , فقال له صلى الله عليه وسلم : قل : لا خلابة "
( 100) أي : لا خداع .
ترتيب الأصناف الثلاثة :
الوقوف أمام بلاغة ترتيب هذه الأصناف الثلاثة يأتي بعد معرفة المقصود بكل صنف , " فالسفيه : من السفه , " والسين , والفاء , والهاء , أصل واحد يدل على خفة , وسخافة , وهو قياس مضطرد , فالسفه ضد الحلم " ( 101)
ولذلك قيل : " السفيه هو : الجاهل بالصواب في الذي عليه أن يُمله على الكاتب , أو هو الجاهل بالإملاء , والأمور .... ويدخل في ذلك كل جاهل بصواب ما يُمل , من صغير وكبير , وذكر وأنثى .
وقيل إن السفيه : هو مختل العقل ...
والضعيف هو : الصغير ؛ لقوله تعالى " وله ذرية ضعفاء " ( البقرة 266) ,
أما الذي لا يستطيع أن يمل : فهو العاجز , كمن به بكم , وعمى , وصمم جميعاً..." ( 102 )
ومما سبق يتضح وجه الترتيب بين هذه الأصناف ؛ فأشد الناس حاجة إلى وليّ ليقوم عنه بالإملاء هو السفيه ؛ لأنه مختل العقل , لا يُحكم الأشياء .
ثم يأتي الضعيف , وهو الذي يملك قوة لكنها ضعيفة ؛ إما لصغر سن , أو لكبر سن , أو لقلة تجربة في الحياة , وهذا يلي السفيه في حاجته إلى من يملي عنه , .
أما الأخير فهو : " الذي لا يستطيع أن يُمل هو ..." ؛ ويقصد به الذي لا يملك الصيغة المثلى , أو الأسلوب الأمثل في العقود , مع امتلاكه لمقومات العقل والقوة .
فترتيب هذه الأصناف ترتيب أولوية في حاجة كل صنف إلى من يقوم عنه بالإملاء ؛ فالسفيه أشدهم احتياجاً , ثم الضعيف , ثم الذي لا يستطيع الإملاء .
وقد صيغ الصنف الأخير في جملة فعلية , مع أن الصنفين الأولين جاءا في صورة الاسم –" السفيه , والضعيف " , أما الأخير فقيل : " أو لا يستطيع أن يمل هو " , وكان يمكن أن يقال : " أو غير مستطيع " .
ووجه ذلك , الإشارة إلى أن عدم استطاعته ليست على الدوام ؛ لأنها عارضة , وطارئة , فلما كانت غير ثابتة , عُدل بها عن الاسم إلى الفعل .
أما الضمير " هو " في قوله : " أن يمل هو " , فإنه" توكيد للضمير المستتر في " أن يمل " , وفائدة التوكيد به : رفع المجاز الذي كان يحتمله إسناد الفعل إلى الضمير , فيقال : أو لا يستطيع أن يمل ؛ فالضمير " هو " أفاد التنصيص على أنه غير مستطيع بنفسه " ( 103 ) .
وجاء الفعل هنا " يُمل " بإدغام اللام في اللام , في حين أنه جاء قبل ذلك مفكوك الإدغام , في قوله تعالى : " وليملل الذي عليه الحق , وجاء أيضاً بعد ذلك مفكوك الإدغام , في قوله : " فليملل وليه بالعدل " , فما الحكمة في ذلك ؟
لابد أولاً أن أشير إلى أن الإدغام والفك لهجتان فصيحتان للعرب ؛ فالحجازيون لهجتهم الفك , والتميميون لهجتهم الإدغام .
وهذا لا يكفي لمعرفة وجه اصطفاء الإدغام في قوله : " أو لا يستطيع أن يملّ هو " , واصطفاء الفك في الباقي .
وبالنظر يتضح أن الإدغام جاء مع الإنسان العاجز عن الإملاء , وهو الذي لا يستطيع الإملاء , كأن في لسانه حُبسة , أو نحو ذلك , وهو لا يستطيع التوضيح والتفصيل ؛ ولذلك استخدم معه " يُملّ " بالإدغام ؛ ليرسم صورةً له ؛ حيث تتداخل ألفاظه , أو تنبهم معانيه ؛ ولذلك يوكل عنه من يقوم بالإملاء .
أما الآخران اللذان يستطيعان الإملاء ويباشران ذلك بأنفسهما فجاء الفعل معهما مفكوكاً ليصور قدرتهما على التوضيح والبيان .
وعلى هذا : كانت كل صورة من صور الفعل متناغية مع حالة المتكلم , وهذا توافق عجيب معجز , بين الفعل وفاعله .
فإن كان الفاعل فصيحاً , صريحاً يؤتى معه بالفعل صريحاً , وإن كان الفاعل في لسانه , أو عقله خلل من: احتباس , أو همهمة , أو غمغمة , أو سوء فهم , أو نحو ذلك , يؤتى معه بالفعل المدغم .
******
أثر التكرار في بناء جملة : " فليملل وليه بالعدل :
وهذه الجملة هي جواب الشرط السابق ؛ أعني قوله : " فإن كان الذي عليه الحق سفيهاً , أو ضعيفاً , أو لا يستطيع أن يُملّ هو " .
والذي يتبادر إلى الذهن من هذا الشرط هو التخفيف عنهم ؛ بأن يقال مثلاً : فلا حرج عليهم ألا يكتبوا ....أو نحو ذلك .
لكن جواب الشرط جاء بالإملال , وبصيغة المضارع المقترن بلام الأمر , وهي ألزم وأشد في الوجوب , وهذا يشير إلى أن وجوب الكتابة ليس مقصوراً على أحد دون أحد فلا تسامح في هذا الأمر , حتى وإن كان الذي عليه الحق سفيهاً , أو ضعيفاً أو لا يستطيع أن يمل .
وهذه الفاء هي الواقعة في جواب الشرط ؛ لأنه فعل أمر , والمجيء بالمضارع المقترن بلام الأمر يدل على أن الوجوب الكامن في الإملال الأول على الذي عليه الحق لم يُنقض , ولم يتسامح فيه , بل هو ما عليه من الإلزام , والفرضية .
ويلحظ هنا تكرار لفظ الإملال ؛ حيث ذكر ثلاث مرات , وكأنه ركن من أركان العقد ؛ لما فيه من رفع الصوت , وسماع الجميع لقيمة الدين , وموعد سداده , فالأمر أمر إعلان , وإشاعة لمن له الحق , ومن عليه الحق , ليعلم الناسُ ذلك , وفي هذا ما فيه من إشراك للمجتمع في الشهادة ؛ ليكون ألزم للمدين بالسداد .
واللفظ الآخر في هذه الجملة هو " بالعدل " ؛ حيث ذكر قبل ذلك في قوله : " وليكتب بينكم كاتب بالعدل " .
وليس العدل هنا أو هناك بمعنى العدالة التي يوصف بها الشاهد ؛ فيقال : " رجل عدل , لأن وجود الباء يصرف عن ذلك " ( 104 )
فكلمة العدل هنا تعني الحق ؛ أي : بما يعتقده , وليس غيره , فإن إملاء ما يعتقده هو إملاء الحق .
فإذا رجعنا إلى معنى التكرار لهذا الحق , فإننا نجد أن هذا الحق ذكر عدة مرات :
1 - في قوله تعالى : "ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله " فإنها تصب في معنى الحق
2 – ثم التصريح بها في قوله : " وليملل الذي عليه الحق " .
3 - ثم التعبير عنه بالضمير في قوله : " ولا يبخس منه شيئاً " أي من الحق .
4 – ثم التصريح به مرة رابعة , في قوله : " فإن كان الذي عليه الحق سفيهاً أو ضعيفاً " .
فصرح به مرة أخرى .
5 –ثم التعبير عنه بالكناية في قوله : " ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا " ؛ فالضمير
في " تكتبوه " يمكن حمله أيضا على الحق .
فهذه المواضع تشير إلى أن "الحق " كلمة سارية في أوصال الآية ومقررة بعدة صور ؛ لتملأ على الجميع حواسهم , فلا تغيب عنهم , وفي ذلك ما فيه من إثارة النفوس إلى حفظ هذا الحق , وضمانه , والاجتهاد في إيصاله إلى أصحابه .
فإذا أضفنا إلى كل ذلك أن كلمة " العدل " يمكن حملها على معنى الحق ؛ أي يملل بالحق ؛ لظهر جلياً قيمة هذه اللفظة , وحرص الآية على إشاعتها في النفوس .
******
عوامل التوكيد في جملة : " واستشهدوا شهيدين "
هذا هو الطرف الثالث في الآية , بعد الحديث عن المتداينين , والكاتب ؛ ليكتمل بذلك توثيق العقد .
وتأخرت جملة الإشهاد عن جملة الكتابة ؛ لأنها مؤخرة عنها في الواقع , فالشاهدان يشهدان بعد تحرير الوثيقة , وليس قبلها وشهادتهما ليس مقصودا بها رؤية الأخذ والعطاء فقط , بل مقصود بها أيضاً توقيعهما على تلك الوثيقة , وإقرارهما عليها كتابة ً ؛ وذلك مستفاد من قوله تعالى : " وليكتب بينكم " , فصيغة الجمع في " بينكم " تدل على حضور الشهود , وإقرارهما بما في العقد كتابةً .
والجملة معطوفة على جملة " فاكتبوه " .
وحقيقية الشهادة : الحضور , والمشاهدة , لكن المراد بها هنا حضور خاص , وهو حضور لأجل الاطلاع على التداين " ( 105 )
و قد جاء في هذه الجملة عدة مؤكدات تبين أهميَّة الشهادة , وأثرها في حفظ الحقوق .
وأول هذه المؤكدات :
اصطفاء لفظ الشهادة دون العلم , فقال : " واستشهدوا " ولم يُقل : وأعلموا ؛ لأن الشهادة أخص من العلم ؛ وذلك أنها : علم بوجود الأشياء , لا من قبل غيرها .
والشاهد نقيض الغائب في المعنى ؛ ولهذا سمي ما يدرك بالحواس , ويعلم ضرورةً شاهداً .
فالشهادة : علم يتناول الموجود , أما العلم فيتناول الموجود والمعدوم .
كما أن الشاهد للشيء يقتضي أنه عالم به , ولهذا قيل : الشهادة على الحقوق ؛ لأنها لا تصح إلا مع العلم بها ,وذلك أن أصل الشهادة الرؤية , وقد شاهدت الشي: رأيته رؤية وسمعاً "( 106 )
ومن المؤكدات في الجملة : السين والتاء :
يقول ابن حجر : " والاستفعال بمعنى الإفعال , كالاستجابة بمعنى الإجابة " وقال الطيبي " السين للطلب وهو المبالغة " ( 107 )
وقال ابن عاشور : " إن السين والتاء لمجرد التوكيد ...ولك أن تجعلهما للطلب ؛ أي : اطلبوا شهادة شاهدين , فيكون تكليفا بالسعي للإشهاد , وهو التكليف المتعلق بصاحب الحق " ( 108 )
وعلى هذا :
فإن الألف والسين والتاء مع دلالة الطلب ,تفيد: التوكيد والتحقيق,وهو من معانيها النحوية .
ومن المؤكدات في الجملة أيضاً : تعدية الفعل إلى المفعول المطلق :
والأصل في المفعول المطلق التوكيد , أو البيان للنوع , أو للعدد , وفي بيان النوع والعدد ضرب من التوكيد أيضاً , فلما قيل : " واستشهدوا شهيدين " فُهم وجوب الإشهاد من طريقين :
الأول : من الأمر المسبوق بالسين والتاء .
والآخر: من تعدية الفعل إلى المفعول المطلق .
واشترط العدد في الشاهد , ولم يكتف بشهادة عدل واحد , لأن الشهادة لما تعلقت بحق معين لمعين
اتُهم الشاهد باحتمال أن يتوسل إليه الظالمُ , الطالب لحق مزعوم ,فيحمله على تحريف الشهادة , فاحتيج إلى حيطة تدفع التهمة , فاشترط فيه الإسلام- وكفى به وازعاً - والعدالة ؛ لأنها تزع من حيث الدين والمروءة, وزيد انضمام ثان إليه ؛ لاستبعاد أن يتواطأ كلا الشاهدين على الزور"( 109)
وفي صيغة " شهيد " نغم له مردود عظيم في قلوب المسلمين , فالصيغة تحمل معنى التضحية , والإقدام على المخاطر, ولعل في السين والتاء أيضا من المعاني ما يشعر بالجهد المبذول في السعي الجاد في طلب الشهيدين ؛ لأنهما عزيزان بين الناس , لأنه طلب وبحث " عمن تكررت منه الشهادة فهو عالم بموقعها , مقتدر على أدائها , وكأن فيها رمزاً إلى العدالة ؛ لأنه لا يتكرر ذلك من الشخص عند الحكام إلا وهو مقبول عندهم , ولعله لم يقل رجلين لذلك " ( 110 )
وإنما قال : " من رجالكم " ليضيف إلى العدل معنى الذكورة القادرة على تحمل تبعات الشهادة , ولأوائها , ثم أضيف لفظ " الرجال " إلى ضمير الخطاب , ليشير إلى شهرتهم بين الناس , فهم المعروفون المعدودون من الرجال ؛ وذلك لأن القصد من الإشهاد إحقاق الحق عند الخصومة , وهذا يتطلب معرفة الشاهدين , وسهولة إحضارهما , كما أن في هذه الإضافة معنى آخر أشار إليه ابن عاشور بقوله : " والضمير المضاف إليه أفاد وصف الإسلام " ( 111) , وعليه فلا يجوز شهادة الكافر على المسلم ؛ لأنه ليس من رجالنا .
وبعدُ : فما زلت ألمح هذا الخيط الساري بين جنبات الآية , والذي يصل أولها بآخرها , ويربط بين تراكيبها , ويبرز مع كل جملة , بل كل كلمة , هذا الخيط الذي تحدثت عنه آنفاً , والذي يضع العقبات والعراقيل أمام إشاعة الديون , فهناك الآن في بعض الدول رغبة جامحة لجعل الشعب كله مديون , وانظر قليلاً إلى هذا الطوفان الذي يهجم على الناس من خلال وسائل الإعلام , بل انظر أيضا إلى الوعود المقدمة للشباب العاطل عن العمل , فبدلا من تحريره من البطالة , وتوفير فرص للعمل يريدون تقييده بالديون , ليزداد الخناق عليه , فلا يرى , ولا يسمع , ولا يهتم بعد استدانته إلا بدينه , أو العقوبة !!!!
بلاغة التعريف بالوصف في جملة :
( فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ )
وهذه الجملة الشرطية مترتبة على سابقتها , ومكونات الشرط هنا كما يلي:
أداة الشرط : " إن " الدالة على ندرة الوقوع , فكأن الحديث هنا عن حالة نادرة .
وفعل الشرط : " يكونا رجلين " وفي دلالته ما يشير إلى أن الأصل هو البحث عن شهود
عدول , رجالاً كانوا أم نساءً , ولو كان البحث عن الرجال خاصة لقيل : فإن لم
يوجد رجلان " ...
أما جواب الشرط فهو " فرجل وامرأتان "
وهما إما فاعل لفعل محذوف , تقديره:فإن يشهد رجل وامرأتان , أو فليستشهد رجل وامرأتان
وإما مبتدأ , والخبر محذوف تقديره - يشهدان - .
وإما خبر لمبتدأ محذوف , تقديره : فالشاهد رجل وامرأتان .
وأولى هذه التقديرات – في رأيي – أن يكون قوله : " فرجل وامرأتان " فاعلاً لفعل محذوف تقديره : فليستشهد , ليوافق قوله من قبل : " فاستشهدوا " , ولأن طلب هؤلاء الثلاثة يكون أصعب , وبخاصة إذا ضم إلى هذا المعنى قوله : " ممن ترضون " .
والسياق العام للآية يضيِّق الخناق على التعامل بالدين , فكان البحث عن رجل وامرأتين يرضى عنهم المتداينين من الصعوبة بمكان ؛ لذلك كان أقرب رحماً بالغرض العام للآية .
" وجيء في الآية بـ " كان " الناقصة , مع إمكان القول – فإن لم يكن رجلان ؛ لئلا يتوهم منه أن شهادة المرأتين لا تقبل إلا عند تعذر الرجلين . .
وفيه مرمى آخر , وهو تعويدهم على إدخال المرأة في شؤون الحياة ؛ فإذا كانت في الجاهلية لا تشترك في مثل هذه الشؤون , فجعل الله المرأتين مقام الرجل الواحد " ( 112) .
وهذا وإن كان فيه توسعة – إلا أن في إشراك النساء في الشهادة على مثل هذه المعاملات هدفاً آخر , وهو إحراج المدين , والتضييق عليه .
فالرجل إذا استدان وشهد عليه الرجل يكون في حالة من الذل والضعف , ولذلك يستعيذ بالله تعالى من غلبة الدين , فهو يخجل أن يعرف عنه الناس أنه مدين , فما بالك إذا كان الشاهد عليه رجلاً وامرأتين . ؟!!!
إن في إشهاد النساء على الديون ضرباً آخر من التنفير ؛ فطبيعة المرأة لا تقوى على كتم الأسرار , وهذا يعني أن إشهادها على الديون فيه إشاعة لذلك الأمر بين الناس , وهو ما يخشاه المدين , مما يترتب عليه العزوف عن هذه الديون قدر الطاقة .
والذي يظهر في هذه الجملة من الأساليب هو أسلوب تعريف الشهود بالوصف ؛ حيث قيل : " فرجل وامرأتان ممن ترضون " , وهذا التعريف يشير إلى أن كل واحد منهم مُختَبر في مثل هذه المواقف ؛ حيث ثبت عدلُه , وصدقهُ , وهذا يقارب معنى " شهيدين من رجالكم " .
لكن قوله : " شهيدين " فيه من الشهرة ما لا يوجد في " فرجل وامرأتان " ؛ إذ الأصل في المرأة عدم الشهرة , وإن كان لا يمنع تجربة الشهادة عليها ؛ ولذلك زيد بعد الوصف قوله : " من الشهداء " , ولم يقل – من المسلمين , أو من الناس - .
فهذا يعني أن الرضا هنا رضا شهادة سابقه ، كما أن تمام الوصف قوله من الشهداء ـوقيل اللفظ المذكر إما تغليباً كما هي عادة العربية ، أو إشارة إلي أن الأصل في الشهود أن يكونوا رجالاً.
ويلحظ هنا أن الكلام جاء بالأسلوب الصريح المكشوف الخالي من الصور البلاغية ، أو اللون البديعي ؛ وذلك لأن السياق يحتاج إلي هذا الوضوح والصراحة في هذه المعاملة ؛ فالأخذ والعطاء والكتابة والشهادة كلها أمور تحتاج إلي هذه الشفافية .
لكن الزمخشري عدّ هذا اللفظ من قبيل المجاز المرسل ؛حيث قال : " وقيل لهم :شهداء قبل التحمل تنزيلاً لما يشارف منزلة الكائن"(113)
يعني: أن العلاقة هنا اعتبار ما سيكون , كما في قوله تعالى : " إني أراني أعصر خمراً " .
فلما كانوا قبل الشهادة ليسوا شهوداً أطلق اللفظ عليهم , باعتبار أنهم سيكونون شهودا ً .
وهذا وإن كان مقبولاً شكلاً إلا أنه لا يتناغم مع السياق الرامي إلى البحث عن رجل وامرأتين , ذات صفات مخصوصة .
منها : قبولهما عند كلٍّ من الدائن , والمدين .
ومنها : تجريب الشهادة عليهما من قبل .
وكل من الأمرين متعلق بالآخر كما لا يخفى .
******
أثر القراءات في تصوير المعنى في جملة :
" أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى "
" اختلف القراء في قراءة هذه الجملة ؛ فقرأ عامة أهل الحجاز , والمدينة , وبعض أهل العراق : " أن تضل إحداهما فتذكرَ إحداهما الأخرى " , بفتح الألف من " أن " ونصب " تضل " و " تذكرَ " ؛ بمعنى : فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان كي تذكر إحداهما الأخرى إن ضلت .
فهو عندهم من المقدم الذي معناه التأخير؛لأن التذكير عندهم هو الذي يجب أن يكون مكان" تضل "
وقالوا : إنما نصبنا " تذكر " ؛ لأن الجزاء لما تقدم اتصل بما قبله , فصار جوابه مردودا عليه , كما تقول في الكلام : " إنه ليعجبني أن يسأل السائل فيعطي " , بمعنى إنه ليعجبني أن يعطى السائل إن سأل , أو إذا سأل , فالذي يعجبك هو الإعطاء , دون المسألة .
ولكن قوله " أن يسأل " لما تقدم اتصل بما قبله , وهو قوله : " ليعجبني " .
وقرأ ذلك آخرون كذلك , غير أنهم كانوا يقرؤونه بتسكين الذال من " تُذْكِر : وتخفيف كافها .
... وكان بعضهم يوجهه إلى أن معناه : فتصيِّر إحداهما الأخرى ذكَراً باجتماعهما , بمعنى أن شهادتها إذا اجتمعت وشهادة صاحبتها : جازت , كما تجوز شهادة الواحد من الذكور في الدين ؛ لأن شهادة كل واحدة منهما منفردة غير جائزة فيما جازت فيه من الديون , إلا باجتماع اثنتين على شهادة واحدة , فتصير شهادتهما حينئذٍ بمنزلة شهادة واحد من الذكور .
فكأن كل واحدة منهما _ في قول متأولي ذلك بهذا المعنى- صيَّرت صاحبتها معها ذكراً , وكان آخرون منهم يوجهونه إلى أنه بمعنى الذِكرِ بعد النسيان .
وقرأ آخرون : " إن تضل إحداهما فتُذكَّرُ إحداهما الأخرى "بكسر " إن " , ورفع " فتذكر " وتشديده , كأنه بمعنى ابتداء الخبر عما تفعل المرأتان إن نسيت إحداهما شهادتها تذكرها الأخرى , من تثبيت الذاكرة الناسية , وتذكيرها ذلك ....
ومعنى الكلام : واستشهدوا شهيدين من رجالكم , فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء ؛ فإنْ إحداهما ضلت ذكرتها الأخرى , ...
يقول قتادة : " علِم اللهُ تعالى أن ستكون حقوق فأخذ لبعضهم من بعض الثقة , فخذوا ثقة الله تعالى , فإنه أطوع لربكم , وأدرك لأموالكم , ولعمري لئن كان تقياً لا يزيده الكتاب إلا خيراً , وإن كان فاجراً فبالأحرى أن يؤدي إذا علم أن عليه شهوداً ( 114 )
والضلال هنا : النسيان – كما قال أبوعبيدة – معنى " تضل " : تنسى , والضلال عن الشهادة إنما هو نسيان جزء منها , وذكر جزء , ويبقى المرء حيران بين ذلك , ضالاً , ومن نسي الشهادة جملة فليس يقال : " ضلَّ " ( 115) .
وقد جعل الزمخشري هذا اللفظ من قبيل المجاز المرسل ؛ حيث قال " أن تضل ... أي : إرادة أن تضل , فإن قلت : كيف يكون ضلالهما مرادا لله تعالى " ؟
قلت : لما كان الضلال سبباً للإذكار , والإذكار مسبباً عنه , وهم ينزلون كل و احد من السبب , والمسبب منزلة الآخر ؛ لالتباسهما , واتصالهما كانت إرادة الضلال المسبب عنه الإذكار إرادة للإذكار , فكأنه قيل : إرادة أن تذكر إحداهما الأخرى إن ضلت , ونظيره : - أعددت الخشبة أن يميل الحائط فأدعمه - , وأعددت السلاح أن يجيء عدو فأدفعه " ( 116).
والسؤال الذي يعنُّ من خلال السورة المجازية هو :
ما وجه البلاغة في إيثار " أن تضل " بدلاً من " أن تنسى " إذا كانا بمعنى واحد ؟
الذي أراه أن في الضلال معنى زائداً وهو ترتب الهلاك على النسيان ؛ ولذلك " قيل : ضلت الناقة : إذا هلكت بضياعها , وفي القرآن الكريم ( وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ) (السجدة:10) أي : هلكنا بتقطع أوصالنا ... كما أن من معانيها : الضياع , يقال : هو ضال في قومه ؛ أي : ضائع , ومنه قوله تعالى : "( وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى) (الضحى:7)؛ أي : ضائعاً في قومك , لا يعرفون منزلتك ...
وقيل : الضلال بمعنى القصد إلى الشيء ؛ ( أن تضل ) ؛ أي تقصد إلى الشهادة فتذكرها الأخرى عوناً لها , وهذا من المقلوب المستفيض في كلامهم ... ( 117 )
-----
وكل ذلك يصب في نهر واحد , وهو بيان الحكمة من وضع المرأتين موضع الرجل الواحد ؛ إذ أن الغالب على عقول النساء الانشغال بأمور المنزل , والأولاد , والقيام بأمر التربية ؛ فصلتها بالحياة العامة ضعيفة بالنسبة للرجل , لذلك كانت في حاجة إلى تذكير ....
وصياغة الجملة كان من الممكن أن يقال فيها : لتذكر إحداهما الأخرى إن ضلت ... لكن قدم الضلال إيماءً إلى شدة الاهتمام بشأن الإنكار عليه .
ولما كان " أن تضل " في معنى " لضلال إحداهما " صارت العلة في الظاهر هي الضلال , وليس كذلك , بل العلة هي ما يترتب على الضلال من إضاعة المشهود به , فتفرع عليه : " فتذكر إحداهما الأخرى " لأن - فتذكر – معطوف على – تضل – بفاء التعقيب , فهو من تكملته , والعبرة بآخر الكلام ...
ومن شأن العرب في لغتهم إذا ذكروا علة , وكان للعلة علة قدَّموا ذكر علة العلة , وجعلوا العلة معطوفة عليها بالفاء ؛ لتحصل الدلالتان معاً بعبارة واحدة ... " ( 118 )
ولا شك أن هناك " ظروفاً معينة قد لا تجعل وجود شاهدين أمراً ميسوراً , فهنا يسَّر التشريع , فيستدعي النساء للشهادة , وهو إنما دعا الرجال ؛ لأنهم هم الذين يزاولون الأعمال عادة في المجتمع المسلم السويّ الذي لا تحتاج المرأة فيه أن تعمل لتعيش , فتجور بذلك على أمومتها , وأنوثتها , وواجبها في رعاية أثمن الأرصدة الإنسانية , وهي الطفولة الناشئة الممثلة لجيل المستقبل , في مقابل لقيمات أو دريهمات تنالها من العمل , كما تضطر إلى ذلك المرأة في المجتمع النكد , المنحرف الذي نعيش فيه اليوم .
فإذا لم يوجد رجلان , فليكن رجل واحد وامرأتان .
ولكن لماذا امرأتان ؟
إن النص لا يدعنا نحدس , ففي مجال التشريع يكون كل شيء محدداً , وواضحاً ومعللاً فيقول
" أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى " , والضلال هنا ينشأ من أسباب كثيرة ..
فقد ينشا من قلة خبرة المرأة , بموضوع التعاقد ؛ مما يجعلها لا تستوعب كل دقائقه , وملابساته , ومن ثم لا يكون من الوضوح في عقلها ؛ بحيث تؤدي عنه شهادة دقيقة عند الاقتضاء , فتذكرها الأخرى بالتعاون معاً على تذكر ملابسات الموضوع كله .
وقد ينشأ من طبيعة المرأة الانفعالية ؛ فإن وظيفة الأمومة العضوية البيلوجية تستدعي مقابلاً نفسيا في المرأة يجعلها شديدة الاستجابة الوجدانية الانفعالية , لتلبية مطالب طفلها بسرعة وحيوية , لا ترجع فيها إلى التفكير البطيء , وذلك من فضل الله تعالى على المرأة , وعلى الطفولة , وهذه الطبيعة لا تتجزأ فالمرأة شخصية موحدة , هذا طابعها حيث تكون امرأة سوية , بينما الشهادة على التعاقد في مثل هذه المعاملات في حاجة إلى تجرد كبير من الانفعال , ووقوف عند الوقائع , بلا تأثر ولا إيحاء , ووجود امرأتين فيه ضمانة أن تذكر إحداهما الأخرى إذا انحرفت مع أي انفعال ؛ فتتذكر وتفيء إلى الوقائع المجردة " ( 119 ) .
ومن الإضافات التي يمكن الاستئناس بها هنا ما ذكره الشيخ عبد المجيد الزنداني في برنامجه التلفزيوني " معجزة القرآن المتجددة " في قناة ( إقرأ ) قال :
" إن عقل الرجل يوجد به مركز للنطق , ومركز للتذكر , في حين أن الموضعين نفسيهما في عقل المرأة يعملان في الكلام , وهما هما يعملان في التذكر أو الذاكرة : فالرجل إذا شهد تكلم بجزء , وتذكر بجزء آخر , أما المرأة إذا شهدت فهي تحتاج إلى عمليتين : عملية الكلام , وعملية التذكر .
ولما كان الموضعان لا يستطيعان العمل بالمهمتين في وقت واحد , كان لا بد من وجود امرأتين , إحداهما تتكلم , والأخرى تتذكر ؛ لأن الفصين في العقل يعملان نفس الوظيفة – وظيفة الكلام ووظيفة التذكر – فالمرأة الواحدة إذا تكلمت غطت المنطقة التي تتكلم على الذاكرة ؛ لذا كان لا بد من وجود امرأتين " ( 120 )
الإظهار في موضع الإضمار في قوله تعالى :
" فتذكر إحداهما الأخرى "
" إن مقتضى الظاهر أن يقال : أن تضل إحداهما فتذكرها الأخرى ؛ وذلك أن – إحدى والأخرى – وصفان مبهمان , لا يتعين شخص المقصود بهما , فكيفما وضعتهما في موضع الفاعل والمفعول كان المعنى واحدا ...
والنكتة من إعادة لفظ " إحداهما " وكان يمكن التعبير عنه بالضمير هي : الإيهام .
لأن كل واحدة من المرأتين يجوز عليها ما يجوز على صاحبتها من الضلال والتذكير , فدخل الكلام في معنى العموم ؛ لئلا يتوهم أن إحدى المرأتين لا تكون إلا مذكرة , ولا تكون شاهدة بالأصالة .
وأصل هذا الجواب لشهاب الدين الغزنوي , عصري الخفاجي عن سؤال وجهه إليه الخفاجي , وهذا السؤال هو :
يا رأس أهل العلوم السادة البررة ومن نداه على كل الورى نشره
ما سر تكرار إحدى دون تُذكرها فآية لذوي الأشهاد في البقرة
وظاهر الحال إيجاز الضمير على تكرار إحداهما لو أنه ذكره
وحملُ إحدى على نفس الشهادة في أولاهما ليس مرضياً لدى المهرة
فغص بفكرك لاستخراج جوهره من بحر علمك ثم ابعث لنا درره
فأجاب الغزنوي بقوله :
يا من فوائده بالعلم منتشرة ومَنْ فضائله في الكون مشتهرة
( تضل إحداهما ) فالقول محتمل كليهما فهي للإظهار مفتقرة
ولو أتى بضمير كان مقتضياً تعيين واحدة للحكم معتبرة
ومن رددتم عليه الحال فهو كما أشرتم ليس مرضياً لمن سبره
هذا الذي سمح الذهن الكليل به والله أعلم بالفحوى بما ذكره
وكأن المراد هنا الإيماء إلى أن كلتا الجملتين علة لمشروعية تعدد المرأة في الشهادة ؛ فالمرأة معرضة لتطرق النسيان إليها , وقلة ضبط ما يهم ضبطه , والتعدد مظنةٌ لاختلاف مواد النقص والخلل , فعسى ألا تنسى إحداهما ما نسيته الأخرى .
فقوله " أن تضل إحداهما " تعليل لعدم الاكتفاء بالواحدة ,, وقوله " فتذكر إحداهما الأخرى " تعليل لإشهاد امرأة ثانية ؛ حتى لا تبطل شهادة الأولى من أصلها ( 121 )
وعلى هذا فكل من المرأتين مُذكرة لصاحبتها , كما أن كلاً منهما ناسية لبعض التفصيلات ؛ فقوله : " إحداهما " لا يقصد به واحدة بعينها , بل على العموم , وكذلك " الأخرى " .
هذا , وقد قرئ : " فتذاكر إحداهما الأخرى " , وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والحسن : " فتُذْكِر " بسكون الذال وكسر الكاف .
فأما قراءة " فتذاكر " فإشارة إلى المفاعلة القائمة بين المرأتين , واستعانة كل منهما بالأخرى , في استرجاع الضوابط الحافظة للحقوق , والعودة إلى تفاصيل ما تم بين الدائن والمدين , حتى تكون الشهادة بالعدل , وفي هذا تناغم واضح مع سياق الآية .
كما أن هناك هدفاً آخر : وهو سكوت الآية عن تحديد وقت التذكير ؛ فالتذكير قد يكون وقت الاستدعاء لإحقاق الحق , وقد يكون قبل ذلك ؛ بمعنى أن كلاً من المرأتين تُداوِم على تذكير الأخرى قبل حلول موعد السداد , فإذا حان موعده كانت شهادتهما كاملة , وهذا بلا شك يوافق طبائع النساء , من حيث مداومة سرد هذه الأحاديث , ولا يُتصوَّر هنا ما ذكره القرطبي من أن إحداهما تجعل الأخرى ذكراً , ( 122 ) .
أما قراءة " فتُذْكر " فهي هي" فتذكِّر ", لكن التشديد , وعدم التشديد يشير إلى كمية المعلومات التي تنساها كل منهما , فإن كانت قليلة ناسبِ التعبير بالفعل " تُذكِر" بعدم التشديد , وإن كانت كثيرة ناسَبَ التعبير بالفعل " تذكَّر " بالتشديد ؛ فلكل من القراءتين وجه معتبر في المراد .
ويتوافق مع هذين الفعلين قراءة : " إن تضل " وقراءة " أن تضل " .
فالأولى توافق " تُذكِر " من حيث ندرة حدوث النسيان المدلول عليه بـ " إن " الشرطية .
والثانية توافق " تذكِّر " بالتشديد من حيث كثرة حدوث النسيان ؛ لأن النساء لسن على درجة واحدة في النسيان ؛ فمنهن من تنسى الكثير , ومنهن من هي حاضرة الذهن قليلة النسيان .
معلومات الموضوع
الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع
الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)
المواضيع المتشابهه
-
بواسطة أمـــة الله في المنتدى منتدى الأسرة والمجتمع
مشاركات: 5
آخر مشاركة: 30-12-2008, 04:23 PM
-
بواسطة فاضح النصارى في المنتدى منتدى قصص المسلمين الجدد
مشاركات: 3
آخر مشاركة: 20-08-2008, 06:52 AM
-
بواسطة دفاع في المنتدى منتديات محبي الشيخ وسام عبد الله
مشاركات: 1
آخر مشاركة: 16-04-2008, 03:16 AM
-
بواسطة ismael-y في المنتدى منتدى نصرانيات
مشاركات: 3
آخر مشاركة: 27-01-2007, 04:05 AM
الكلمات الدلالية لهذا الموضوع
ضوابط المشاركة
- لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
- لا تستطيع الرد على المواضيع
- لا تستطيع إرفاق ملفات
- لا تستطيع تعديل مشاركاتك
-
قوانين المنتدى

المفضلات