

-
وكان الإمبراطور شارل الخامس حينما أصدر قراره بتنصير المسلمين وَعَدَ بتحقيق المساواة بينهم وبين النصارى في الحقوق والواجبات. ولكن هذه المساواة لم تتحقق قط، وشعر هؤلاء أنهم ما زالوا موضع الريب والاضطهاد، ففرضت عليم ضرائب كثيرة لا يخضع لها النصارى. وكانت وطأة الحياة تثقل عليهم شيئًا فشيئًا حتى أصبحوا أشبه بالرقيق والعبيد. ولما شعرت السلطات بميل الموريسكيين إلى الهجرة صدر قرار في سنة 948 هـ=1514م يحرم عليهم تغيير مساكنهم، كما حرم عليهم النزوح إلى بلنسية، التي كانت دائمًا طريقهم المفضل إلى الهجرة. ثم صدر قرار بتحريم الهجرة من هذه الثغور إلا بترخيص ملكي نظير رسوم فادحة. وكان ديوان التحقيق يسهر على حركة الهجرة ويعمل على قمعها بشدة.
ولم تمنع هذه الشدة من ظهور اعتدال من الإمبراطور في بعض الأوقات. ففي سنة 950 هـ- 1543م أصدر عفوًا عن بعض المسلمين المتنصرين تحقيقًا لرغبة مطران طليطلة، وأن يسمح لهم بتزويج أبنائهم وبناتهم من النصارى الخلص، ولا تصادر المهور التي دفعوها للخزينة بسبب الذنوب التي ارتكبوها. وهكذا لبثت السياسة الأسبانية أيام الإمبراطور شارل الخامس 922هـ- 1516م حتى 963هـ- 1555م إزاء الموريسكيين تتردد بين الشدة والقسوة وبين بعض مظاهر اللين والعفو. إلا أن هؤلاء المسلمين تعرضوا للإرهاق والمطاردة والقتل، ووجدت فيهم محاكم التحقيق الكنسية مجالا مفضلا لتعصبها وإرهابها.
وكانت الأمة الأندلسية خلال هذا الاستشهاد المحزن الذي فُرِض عليها تحاول بكل وسيلة أن تستبقي دينها وتراثها، فكان الموريسيكيون بالرغم من دخولهم في النصرانية يتعلقون سرًّا بالإسلام، وكثير منهم يؤدون شعائر الإسلام خفية. وكانوا يحافظون على لغتهم العربية، إلا أن السياسة الإسبانية فطنت إلى أهمية اللغة في تدعيم الروح القومية، لذلك أصدر الإمبراطور شارل الخامس سنة 932هـ- 1526م أول قانون يحرم التخاطب بالعربية على الموريسكيين، ولكنه لم يطبق بشدة لأن هؤلاء الموريسكيين دفعوا له 100 ألف دوقة حتى يسمح لهم بالتحدث بالعربية. ثم أصدر الإمبراطور فيليب الثاني سنة 964هـ- 1566م قانونًا جديدًا يحرم التخاطب بالعربية، وطبق بمنتهى الشدة والصرامة. وفرضت القشتالية كلغة للتخاطب والتعامل، ومع ذلك وجد الموريسكيون في القشتالية متنفسًا لتفكيرهم وأدبهم، فكانوا يكتبونها سرًّا بأحرف عربية، وأسفر ذلك بمضي الزمن عن خلق لغة جديدة هي "ألخميادو"، وهي تحريف إسباني لكلمة "الأعجمية". ولبثت هذه اللغة قرنين من الزمان سرًّا مطمورًا، وبذلك استطاعوا أن يحتفظوا بعقيدتهم الإسلامية. وألف بها بعض الفقهاء والعلماء كتبًا عما يجب أن يعتقد المسلم ويفعله حتى يحتفظ بإسلامه. وشرحوا آيات القرآن باللغة الألخميادية، وكذلك سيرة النبي صلى الله عليه وسلم. وكان من أشهر كتاب هذه اللغة الفقيه المسمى: فتى أبيرالو، وهو مؤلف لكتب التفسير وتلخيص السنة، ومن الشعراء محمد ربدان، الذي نظم كثيرًا من القصائد والأغنيات الدينية. وبذلك تحصن الموريسيكيون بمبدأ التقية، فصمدوا في وجه مساعي المنصرين الذين لم تنجح جهودهم التبشيرية والتعليمية والإرهابية في الوصول إلى تنصير كامل لهؤلاء الموريسيكيين، فجاء قرار الطرد بعد هذه الإخفاقات. ولم تفلح مساعي الموريسيكيين في الحصول على دعم خارجي فعال من الدولة العثمانية أو المماليك في مصر رغم حملات الإغارة والقرصنة التي قام بها العثمانيون والجزائريون والأندلسيون على السفن والشواطئ الأسبانية، ودعم الثوار الموريسيكيين.
واستمرت محاكم التحقيق في محاربة هؤلاء المسلمين طوال القرن السادس عشر الميلادي، وهو ما يدل على أن آثار الإسلام الراسخة في النفوس بقيت بالرغم من المحن الرهيبة وتعاقب السنين. ولعل من المفيد أن نذكر أن رجلا أسبانيًا يدعى "بدية" توجه إلى مكة المكرمة لأداء فريضة الحج سنة 1222هـ- 1807م، أي بعد 329 سنة من قيام محاكم التحقيق. وبعد مرور أربعة قرون على سقوط الأندلس أرسل نابليون حملته إلى أسبانيا وأصدر مرسوما سنة 1808 م بإلغاء دواوين التفتيش في المملكة الأسبانية.
ولنستمع إلى هذه القصة التي يرويها لنا أحد ضباط الجيش الفرنسي الذي دخل إلى أسبانيا بعد الثورة الفرنسية. كتب الكولونيل ليموتسكي أحد ضباط الحملة الفرنسية في إسبانيا، قال: "كنت سنة 1809 ملحقا بالجيش الفرنسي الذي يقاتل في إسبانيا، وكانت فرقتي بين فرق الجيش الذي احتل مدريد العاصمة، وكان الإمبراطور نابيلون أصدر مرسوما سنة 1808 بإلغاء دواوين التفتيش في المملكة الإسبانية. غير أن هذا الأمر أُهْمِل العمل به للحالة والاضطرابات السياسية التي سادت وقتئذ. وصمم الرهبان الجزوبت أصحاب الديوان الملغى على قتل وتعذيب كل فرنسي يقع في أيديهم انتقاما من القرار الصادر وإلقاءً للرعب في قلوب الفرنسيين حتى يضطروا إلى إخلاء البلاد فيخلوا لهم الجو. وبينما أسير في إحدى الليالي أجتاز شارعا يقل المرور فيه من شوارع مدريد إذ باثنين مسلحين قد هجما عليّ يبغيان قتلي، فدافعت عن حياتي دفاعا شديدا، ولم ينجني من القتل إلا قدوم سرية من جيشنا مكلفة بالتطواف في المدينة، وهي كوكبة من الفرسان تحمل المصابيح وتبيت الليل ساهرة على حفظ النظام. فما إن شاهدها القاتلان حتى لاذا بالهرب. وتبين من ملابسهما أنهما من جنود ديوان التفتيش. فأسرعت إلى المارشال سولت الحاكم العسكري لمدريد وقصصت عليه النبأ، وقال: لا شك بأن من يُقْتَل من جنودنا كل ليلة إنما هو من صنع أولئك الأشرار. لا بد من معاقبتهم وتنفيذ قرار الإمبراطور بحل ديوانهم. والآن خذ معك ألف جندي وأربع مدافع وهاجم دير الديوان واقبض على هؤلاء الرهبان الأبالسة".
ثم يتابع قائلا: "أصدرتُ الأمر لجنودي بالقبض على أولئك القساوسة جميعا وعلى جنودهم الحراس توطئةً لتقديمهم إلى مجلس عسكري، ثم أخذنا نبحث بين قاعات وكراسيّ هزازة وسجاجيد فارسية وصور ومكاتب كبيرة. وقد صنعت أرض هذه الغرفة من الخشب المصقول المدهون بالشمع. وكان شذى العطر يعبق أرجاء الغرف فتبدو الساحة كلها أشبه بأبهاء القصور الفخمة التي لا يسكنها إلا ملوك قصروا حياتهم على الترف واللهو. وعلمنا بعد أنَّ تلك الروائح المعطرة تنبعث من شمع يوقد أمام صور الرهبان. ويظهر أن هذا الشمع قد خلط به ماء الورد.
وكادت جهودنا تذهب سدى ونحن نحاول العثور على قاعات التعذيب. إننا فحصنا الدير وممراته وأقبيته كلها، فلم نجد شيئا يدل على وجود ديوان للتفتيش، فعزمنا على الخروج من الدير يائسين. كان الرهبان أثناء التفتيش يُقْسِمون ويؤكدون أن ما شاع عن ديرهم ليس إلا تهما باطلة، وأنشأ زعيمهم يؤكد لنا براءته وبراءة أتباعه بصوت خافت وهو خاشع الرأس توشك عيناه أن تطفرا بالدموع، فأعطيت الأوامر للجنود بالاستعداد لمغادرة الدير. لكن اللفتنانت دي ليل استمهلني قائلا: أيسمح لي الكولونيل أن أخبره أن مهمتنا لم تنته حتى الآن؟ قلت له: فتشنا الدير كله، ولم نكتشف شيئا مريبا. فماذا تريد يا لفتنانت؟ قال: إنني أرغب أن أفحص أرضية هذه الغرف، فإن قلبي يحدثني بأن السر تحتها.
عند ذلك نظر الرهبان إلينا نظرات قلقة، فأذنت للضابط بالبحث، فأمر الجنود أن يرفعوا السجاجيد الفاخرة عن الأرض، ثم أمرهم أن يصبوا الماء بكثرة في أرض كل غرفة على حدة. وكنا نرقب الماء، فإذا بالأرض قد ابتلعته في إحدى الغرف. فصفق الضابط دي ليل من شدة فرحه، وقال: ها هو الباب،. انظروا. فنظرنا فإذا بالباب قد انكشف. كان قطعة من أرض الغرفة، يُفتح بطريقة ماكرة بواسطة حلقة صغيرة وضعت إلى جانب رجل مكتب رئيس الدير. أخذ الجنود يكسرون الباب بقحوف البنادق، فاصفرت وجوه الرهبان، وعلتها الغبرة. وفُتح الباب، فظهر لنا سلم يؤدي إلى باطن الأرض، فأسرعت إلى شمعة كبيرة يزيد طولها على متر كانت تضئ أمام صورة أحد رؤساء محاكم التفتيش السابقين. ولما هممت بالنزول وضع راهب يسوعى يده على كتفي متلطفا، وقال لي: يابني، لا تحمل هذه الشمعة بيدك الملوثة بدم القتال. إنها شمعة مقدسة.
قلت له: يا هذا إنه لا يليق بيدي أن تتنجس بلمس شمعتكم الملطخة بدم الأبرياء. وسنرى من النجس فينا، ومن القاتل السفاك. وهبطت على دَرَج السلم يتبعني سائر الضباط والجنود شاهرين سيوفهم حتى وصلنا إلى آخر الدرج، فإذا نحن في غرفة كبيرة مرعبة، وهي عندهم قاعة المحكمة، في وسطها عمود من الرخام به حلقة حديدية ضخمة، ورُبِطَتْ بها سلاسل من أجل تقييد المحاكمين بها. وأمام هذا العمود كانت المصطبة التي يجلس عليها رئيس ديوان التفتيش والقضاة لمحاكمة الأبرياء. ثم توجهنا إلى غرف التعذيب وتمزيق الأجسام البشرية التي امتدت على مسافات كبيرة تحت الأرض. رأيت فيها ما يستفز نفسي ويدعوني إلى القشعريرة والتـقزز طوال حياتي. رأينا غرفا صغيرةً في حجم جسم الإنسان، بعضها عمودي وبعضها أفقي، فيبقى سجين الغرف العمودية واقفا على رجليه مدة سجنه حتى يموت، ويبقى سجين الغرف الأفقية ممدا بها حتى الموت، وتبقى الجثث في السجن الضيق حتى تبلى، ويتساقط اللحم عن العظم، وتأكله الديدان. ولتصريف الروائح الكريهة المنبعثة من جثث الموتى فتحوا نافذة صغيرة إلى الفضاء الخارجي. وقد عثرنا في هذه الغرف على هياكل بشرية ما زالت في أغلالها. كان السجناء رجالا ونساءً تتراوح أعمارهم ما بين الرابعة عشرة والسبعين. وقد استطعنا إنقاذ عدد من السجناء الأحياء وتحطيم أغلالهم، وهم في الرمق الأخير من الحياة. كان بعضهم قد أصابه الجنون من كثرة ما صبوا عليه من عذاب. وكان السجناء جميعا عرايا حتى اضْطُرّ جنودنا إلى أن يخلعوا أرديتهم ويستروا بها بعض السجناء. أخرجنا السجناء إلى النور تدريجيا حتى لا تذهب أبصارهم. كانوا يبكون فرحا، وهم يقبّلون أيدي الجنود وأرجلهم الذين أنقذوهم من العذاب الرهيب وأعادوهم إلى الحياة. كان مشهدا يبكي الصخور. ثم انتقلنا إلى غرف أخرى فرأينا فيها ما تقشعر لهوله الأبدان. عثرنا على آلات رهيبة للتعذيب منها آلات لتكسير العظام وسحق الجسم البشري. كانوا يبدؤون بسحق عظام الأرجل ثم عظام الصدر والرأس واليدين تدريجيا حتى يهشم الجسم كله، ويخرج من الجانب الآخر كتلة من العظام المسحوقة والدماء الممزوجة باللحم المفروم. هكذا كانوا يفعلون بالسجناء الأبرياء المساكين. ثم عثرنا على صندوقٍ في حجم جسم رأس الإنسان تماما يوضع فيه رأس الذي يريدون تعذيبه بعد أن يربطوا يديه ورجليه بالسلاسل والأغلال حتى لا يستطيع الحركة. وفي أعلى الصندوق ثقب تتقاطر منه نقط الماء البارد على رأس المسكين بانتظام، في كل دقيقة نقطة. وقد جُنّ الكثيرون من هذا اللون من العذاب، ويبقى المعذب على حاله تلك حتى يموت. وآلة أخرى للتعذيب على شكل تابوت تثبت فيه سكاكين حادة. كانوا يلقون الشاب المعذب في هذا التابوت، ثم يطبقون بابه بسكاكينه وخناجره. فإذا أغلق مزق جسم المعذب المسكين، وقطعه إِرْبًا إِرْبًا. كما تم العثور على آلات كالكلاليب تغرز في لسان المعذب ثم تشد ليخرج اللسان معها، ليقص قطعة قطعة، وكلاليب تغرس في أثداء النساء وتسحب بعنفٍ حتى تتقطع الأثداء أو تبتر بالسكاكين. وتم العثور على سياط من الحديد الشائك يُضرب بها المعذبون وهم عراة حتى تتفتت عظامهم، وتتناثر لحومهم" (محمد عبد الله عنان/ نهاية الأندلس وتاريخ العرب المتنصرين، وليونارد باتريك هارفي/ تاريخ الموريسكيين السياسي والاجتماعي والثقافي).
على أننا بعد ذلك كله لا نوافق رَسِلْ فى قوله إن التحمس الدينى وحده وبالذات هو الذى يدفع إلى اضطهاد المخالفين فى الرأى، فالمشكلة فى الإنسان أولا، وإلا فكيف نفسر ضروب الاضطهاد وألوان العسف والترويع فى ظل الفاشية والنازية والشيوعية والاستعمار؟ وكيف نفسر ما صنعته بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا والبرتغال وبلجيكا بشعوب مستعمراتها؟ وكيف نفسر ما تصنعه أمريكا الآن فى العراق وأفغانستان وغيرهما من بلاد العرب والمسلمين؟ إن هذه كلها صور من الاضطهاد السياسى، وهو وضع مروّع كما نرى. وعلى الضفة الأخرى فإن تاريخ الإسلام لم يعرف شيئا من هذا الترويع المنظم لأتباع الأديان الأخرى ولم يخطر له يوما العمل على إبادتهم بغية الانفراد وحده بالساحة كما رأينا الكنيسة تفعل. إن الدين الذى نزل على محمد عليه الصلاة والسلام شىء مختلف تماما من هذه الناحية، كما أن أتباعه كانوا قمة فى التسامح وسعة الأفق والرحمة تجاه الأديان الأخرى ومعتنقيها. ولو أنهم جَرَوْا على ما عوملوا به من قِبَل المسيحيين فى الأندلس مثلا ما بقى هناك مسيحى واحد بين ظَهْرانَيْهم. أما ما نشاهده الآن من وجود الأقليات الدينية فى بلاد المسلمين تمارس حياتها دون أن يتعرض لها أحد بسوء فبرهان ساطع على ما قاله كل منصف قرأ تاريخ الإسلام والدول الإسلامية رغم أن المسلمين لم يكونوا دائما على مستوى دينهم وقيمه العظيمة، بل كانوا وما زالوا يقصّرون أحيانا عن بلوغ ذراه السامقة. ومع هذا نرى المسيحيين يتصايحون بأنهم مضطهدون مظلومون رغم تمتعهم بما هو أكبر كثيرا جدا جدا من حقهم. إنهم يريدون أن تكون السلطات كلها فى أيديهم حتى يعيدوا عصور محاكم التفتيش للمسلمين فينكلوا بهم ويسملوا أعينهم وينزعوا ألسنتهم ويخوزقوهم ويسحقوا عظامهم وينصّروا أولادهم بالقوة والإكراه، ثم يزعموا مع هذا أنهم متسامحون وُدَعاء يولون خدهم الأيسر لمن يصفعهم على الخد الأيمن...
ودفاعا عن أهمية الإيمان بالله يؤكد د. توفيق الطويل أن "نتائج التعصب المتزمت، بالغة ما بلغت فظاعتها، لا تبرر نزوع أحرار الفكر إلى القضاء على الإيمان فى كل صوره لأن الإنسان بطبيعته لا يستطيع، بالغا ما بلغ احترامه لشريعة العقل، أن يحيا فارغ القلب. وليس الإلحاد الصادق فى كل صوره إلا إيمانا انحرف عن طريقه المرسوم. ومن هنا قال الملحدون الذين أرخوا لظاهرة التدين عند الناس: لا يموت فى قلب الإنسان إله حتى يحتل مكانه إله آخر. ناهيك بما يترتب على الإيمان من النفع المادى والأدبى على السواء. إن الإيمان يشيع الطمأنينة فى النفس ويملأ شعابها غبطة ورَوْحا، وهذه الطمأننية زاد لا يستغنى عنه إنسان. هذا بالإضافة إلى ما يترتب على الإيمان من نفع مادى يعبر عنه فولتير بقوله: إذا لم يكن الله موجودا لوجب اختراعه. يجب أن نؤمن بالله حتى تكون زوجتى أكثر وفاء لى، وخادمى أقل رغبة فى السرقة. وهو رأى أعرق فى القدم من فولتير بصرف النظر عن تدين أصحابه أو إلحادهم" (د. توفيق الطويل/ قصة الاضطهاد الدينى فى المسيحية والإسلام/ الزهراء للإعلام العربى/ 1412هـ- 1991م/ 28- 29).
وفى ختام المحاضرة يلح رَسِلْ على أن الدين مؤسَّس في صميمه على الخوف أولا وأخيرا: الخوف من المجهول، والخوف من الهزيمة، والخوف من الموت. ثم يقفز الفيلسوف البريطانى من ذلك إلى القول بأن الخوف هو أبو الوحشية. ومن ثم لا يرى أى عجب فى أن الدين والوحشية قد سارا معا يدا بيد. وهو يرى أن العلم قادر على مساعدتنا فى تخطي هذا الخوف الذي سيطر على عقول البشر لأجيال طويلة فلا نحتاج بعدها إلى البحث عن حلفاء وهميين في السماء، مكتفين بالعمل هنا على ظهر البسيطة لجعل هذا الكوكب مناسبا لنا فنتخذه بديلا من ملكوت السماوات الذي بشرتنا به الكنيسة طوال قرون.
وبادئ ذى بدء أعلن مخالفتى لرَسِلْ فى حملته الشاملة على الخوف، تلك الحملة التى لا ترى فى الخوف أية قيمة نافعة، مع أننا نجده، فى حالات كثيرة لا تحصى ولا تعد، ذا فائدة عظيمة محققة. ترى لو أن الطالب لم يخف من الرسوب فى الامتحان، أكان يستذكر دروسه ويتعلم؟ ترى لو أن الموظف لم يخف من العقوبة التى يمكن أن ينزلها به رئيسه، أكان يهتم بإنجاز ما هو مفروض عليه من مصالح الجمهور؟ ترى لو أن اللص لم يخف من القانون والمحاكم والسجون، أكان يمتنع عن سرقة الآخرين؟ ترى لو أن القاتل لم يخف من عقوبة الإعدام، أكان يتراجع عن إزهاق الأرواح البريئة؟ ترى لو أن المريض لم يخف من عاقبة المرض، أكان يذهب إلى الطبيب بحثا عن الشفاء؟ ترى لو لم يخف برتراند رسل نفسه من طغيان الكنيسة، أكان يلقى هذه المحاضرة؟ ترى لو لم يخف العلماء من عواقب المشكلات التى تواجه البشر فى كل مناحى الحياة، أكانوا يقومون ببحوثهم ويسهرون فى معاملهم جريا وراء اكتشافاتهم العلمية؟ ترى لو لم يخف رجال الجيش من هجوم أعداء وطنهم عليه، أكانوا يقضون ليلهم دون نوم حذرا من أن يفاجئهم عدو بلادهم على حين غِرّة؟ وهكذا يرى القارئ أن الخوف فى كثير من الحالات نعمة من النعم، وقيمة كبيرة لا يصح التحقير منها. نعم إن الخوف فى غير موضعه ضار، وقد يحول حياة الإنسان إلى جحيم. إلا أن ذلك لا يجوز اتخاذه تكأة للهجوم على كل ضروب الخوف، وإلا فما من شىء فى دنيا الناس إلا وله سياقات يصير فيها مزعجا بل مؤذيا، فهل نتخلص من كل شىء فى الدنيا لهذا السبب؟ وفى أمثالنا الشعبية: "من خاف سَلِم"، وهذه حكمة القرون المتطاولة التى لا يصح الاستهانة بها.
ونصل إلى الخوف من الله، وإنى لأتساءل: وماذا فى أن نخاف منه؟ إن عدم الخوف هو المصيبة الكبرى. يا عم برتراند، فليكن الخوف من الله شبيها بالخوف من القانون، فهل تريد أن تمحو الخوف من القانون؟ تعست البشرية إذن وهلكت! ولا يقول بهذا عاقل. على أن الخوف من الله إذا لم يحكمه الاتزان والحكمة تحول إلى شىء ضار أشد الضرر، فالذين لا يعرفون عنه سبحانه وتعالى إلا أن لديه أنكالا وجحيما، وطعاما ذا غصة وعذابا أليما، تتتحول حياتهم إلى جحيم من قبل الأوان بأوان. بل إنهم لييأسون ويقنطون وينتهى بهم أمرهم إلى الوبار والدمار. ومن هنا وجدنا القرآن يقول: "وخُِلق الإنسان ضعيفا"، "فتلقَّى آدم من ربه كلمات فتاب عليه. إنه هو التواب الرحيم"، "من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها، ومن جاء بالسيئة فلا يُجْزَى إلا مثلها، وهم لا يُظْلَمون"، "قل: يا عبادىَ الذين أسرفوا على أنفسهم، لا تقنطوا من رحمة الله. إن الله يغفر الذنوب جميعا. إنه هو الغفور الرحيم"، "ورحمتى وَسِعَتْ كل شىء"، "يغفر لمن يشاء بغير حساب". ونجد الرسول الكريم أيضا يقول: "إن الله كتب كتابا قبل أن يخلق الخلق: "إن رحمتي سبقت غضبي"، فهو مكتوب عنده فوق العرش"، "والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله، فيغفر لهم". ترى كيف يشل الخوف عقل شخص وهو يسمع أن رسوله يجعل التبسم فى وجوه الآخرين صدقة، وأن إماطة الأذى عن الطريق صدقة، وأن الكلمة الطيبة صدقة، وهو ما يعنى أن باب الثواب مفتوح على مصراعيه فى كل وقت، وأن النجاة فى يد كل إنسان وبأبسط الوسائل فى حالات كثيرة؟ صحيح أن من الوعاظ من يرعب الناس من الله فلا يعرفون عن ربهم سبحانه إلا كل ما هو مُوئِس، إلا أن العيب إنما هو عيب هؤلاء الوعاظ الحمقى بل المرضى الذين بدلا من تحبيب الناس فى الدين والدنيا ينفرونهم من الاثنين معا. وإنى لأذكر هنا أن أقصى ما كنت أقوله لابنى الصغير إذا أخطأ ولم يصغ لنصحى إياه إن الله سوف يخاصمه، أو سوف يشده من أذنه. أما النار وأهوالها فكيف لمثله أن يستوعبها؟ أو كيف يصح أن يخوَّف بها، وهوالطفل الصغير؟ إنها كفيلة بتحويل حياته إلى رعب دائم.
وعلى كل حال فإن حياتنا لا يمكن أن تخلو يوما من الخوف. ترى هل سيمكن يوما أن نقضى على المرض مثلا أو الفقر أو الجريمة أو الشك أو الفشل؟ فكيف يمكن أن نتخلص من الخوف إذن؟ وها نحن أولاء الآن قد تقدم العلم على أيدينا تقدما يدير العقل، فهل تخلصنا من الخوف؟ بل هل تخلص العلماء أنفسهم منه؟ ترى كيف يمكن أن يتخلص المصلحون من خوف السجن والإعدام بالغةً ما بلغت شجاعتهم ومقدرتهم على التضحية بالغالى والنفيس فى سبيل مبادئهم؟ أو كيف نتغلب على الخوف من اللصوص والقتلة وقطاع الطريق والمستبدين والمستعمرين والخائنين والجشعين والأنانيين والمرتشين والكاذبين ومخلفى الوعود؟ ثم كيف نعلو فوق الخوف من المستقبل؟ هل سيأتى اليوم الذى نعرف فيه كل ما سوف يحدث قبل وقوعه؟ ولنفترض أننا وصلنا إلى ذلك المدى من العلم، فهل هذا بمانع لنا أن نخاف من وقوع ما لا نريد؟ والخوف من الصراصير عند بعض النساء أو العناكب مثلا رغم أن الخوف منها يبعث على الضحك لتفاهتها وانتفاء أى خطر منها، ترى كيف نلغيه ونلغى كل المخاوف الشاذة التى من هذا النوع والتى كان يعانى من عدد منها ويرهقك بها، يا برتى، تلميذك وخليفتك الألمانى العبقرى وتجنشتاين (Wittgenstein)؟ إن ذلك معناه أن ماضى كل إنسان وتجاربه المؤلمة لا تزال تتحكم فيه وفى مشاعره. أى أن المستقبل ليس هو الزمن الوحيد الذى يلقى فى قلوبنا الخوف، بل يشركه الماضى أيضا. ولنضف إليهما الحاضر كذلك متمثلا فى جيراننا وزملائنا ورؤسائنا وأقاربنا الذين ليست علاقتنا بهم على ما يرام ونتوقع منهم، بحقٍّ أو بغير حق، الضرر والأذى... وهكذا دواليك.
إن الخوف عنصر أصيل فى الطبيعة البشرية لا مَعْدَى عنه ولا فى مجال العلم. وكلما استطاع العلماء مساعدة الناس على التغلب على منبع من منابع الخوف ظهر بدل هذا المنبع منابع جديدة. وعبثا يحاول الإنسان التخلص من الخوف مثلما من العبث محاولته الهروب من ظله. إنه، حتى فى أشد لحظات سروره وابتهاجه، يشعر بالخوف، كما هو الحال فى مباريات كرة القدم مثلا حيث تكون الإثارة والمتعة فى أقصى مداهما، ومع هذا يخاف المشاهد أن ينهزم الفريق الذى يشجعه، ويظل طول الوقت متأرجحا بين متعة المشاهدة وألم الخوف من الهزيمة. فكيف يا ترى يمكن التخلص من مثل ذلك الشعور كما يتوهم رَسِلْ؟ بالله كيف يمكن أن يواجه الإنسان هذا الكون اللامتناهى دون خوف، بل دون مخاوف لا تنتهى؟ بالله كيف نستطيع أن نتصور العلم وقد قضى على كل لون من الخوف، ونحن نرى العلماء أنفسهم والفلاسفة والمفكرين يخافون من نتائج التقدم العلمى، تلك النتائج التى أثمرت القنابل النووية والهيدروجينية مثلا، ومنهم مؤمنون كثيرون أكثر من الملحدين، ومنهم غربيون كثيرون لا يكتفون بذلك بل يدخلون الإسلام باقتناع وسعادة وراحة ضمير؟ ثم ها هو ذا برتراند رَسِلْ نفسه يتحدث فى مقدمة "سيرته الذاتية" عما لابس حياته، وهو العالم الفيلسوف، من مخاوف وأحزان وآلام! فإذا كان هو، بجلالة فلسفته وعلمه، يشعر بكل هذا القدر من المخاوف والآلام، فما بالنا بغيره ممن ليس بفيلسوف ولا عالم ولا عنده تلك الآمال الطِّوَال العِرَاض فى إمكانات العلم الخارقة التى يعلقها هو عليه؟
المرصد الاسلامي لمقاومة التنصير
التعديل الأخير تم بواسطة طالب عفو ربي ; 17-04-2010 الساعة 01:32 AM
معلومات الموضوع
الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع
الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)
المواضيع المتشابهه
-
بواسطة عبدالحليم عون في المنتدى منتدى نصرانيات
مشاركات: 10
آخر مشاركة: 15-03-2012, 06:05 PM
-
بواسطة miloudi2009 في المنتدى منتدى نصرانيات
مشاركات: 9
آخر مشاركة: 28-12-2009, 11:23 PM
-
بواسطة ياحبيبي يامحمد في المنتدى الرد على الأباطيل
مشاركات: 2
آخر مشاركة: 07-11-2009, 02:21 AM
-
بواسطة فداء الرسول في المنتدى منتدى نصرانيات
مشاركات: 10
آخر مشاركة: 29-08-2008, 12:38 AM
-
بواسطة islamic commando في المنتدى المنتدى العام
مشاركات: 8
آخر مشاركة: 07-11-2007, 09:31 PM
الكلمات الدلالية لهذا الموضوع
ضوابط المشاركة
- لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
- لا تستطيع الرد على المواضيع
- لا تستطيع إرفاق ملفات
- لا تستطيع تعديل مشاركاتك
-
قوانين المنتدى

المفضلات