نكمل اخوانى بارك الله فيكم
قلنا ان قوله صلى الله عليه وسلم وسلم :" إِنْ كَانَ الشُّؤْمُ فِي شَيْءٍ فَفِي الدَّارِ وَالْمَرْأَةِ وَالْفَرَسِ ". ملاحظ منه أنَّ ( إِنْ ) الشرطية بمعني ( لو) تفيد بُعد وقوع الفعل بعدها
ويتضح ذلك من قولِ اللهِ سبحانه وتعالى لنبيهصلى الله عليه وسلم فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءكَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ))
والنبى صلى الله عليه وسلم لم يشك ولم يسأل فحديث النبى صلى الله عليه وسلم ان كان الشؤم فى شىء ففى الدار والمرأة والفرس لا يستفاد منه ابدا اقرار النبى صلى الله عليه وسلم بثبوت ووجود الشؤم فى هذه الثلاثة
قال ابن حجر فى فتح البارى
قلت: فمشى ابن قتيبة على ظاهره، ويلزم على قوله أن من تشاءم بشيء منها نزل به ما يكره، قال القرطبي: ولا يظن به أنه يحمله على ما كانت الجاهلية تعتقده بناء على أن ذلك يضر وينفع بذاته فإن ذلك خطأ وإنما عني أن هذه الأشياء هي أكثر ما يتطير به الناس، فمن وقع في نفسه شيء أبيح له أن يتركه ويستبدل به غيره، قلت: وقد وقع في رواية عمر العسقلاني - وهو ابن محمد ابن زيد بن عبد الله بن عمر - عن أبيه عن ابن عمر كما سيأتي في النكاح بلفظ " ذكروا الشؤم فقال: إن كان في شيء ففي " ولمسلم " إن يك من الشؤم شيء حق " وفي رواية عتبة بن مسلم " إن كان الشؤم في شيء " وكذا في حديث جابر عند مسلم وهو موافق لحديث سهل بن سعد ثاني حديثي الباب، وهو يقتضي عدم الجزم بذلك بخلاف رواية الزهري، قال ابن العربي: معناه إن كان خلق الله الشؤم في شيء مما جرى من بعض العادة فإنما يخلقه في هذه الأشياء، قال المازري: بحمل هذه الرواية إن يكن الشؤم حقا فهذه الثلاث أحق به، بمعنى أن النفوس يقع فيها التشاؤم بهذه أكثر مما يقع بغيرها
وقال ايضا
وقيل المعنى ما جاء بإسناد ضعيف رواه الدمياطي في الخيل " إذا كان الفرس ضروبا فهو مشئوم، وإذا حنت المرأة إلى بعلها الأول فهي مشئومة، وإذا كانت الدار بعيدة من المسجد لا يسمع منها الأذان فهي مشئومة.
وقال ايضا
وقال المهلب ما حاصله: أن المخاطب بقوله " الشؤم في ثلاثة " من التزم التطير ولم يستطع صرفه عن نفسه، فقال لهم: إنما يقع ذلك في هذه الأشياء التي تلازم في غالب الأحوال، فإذا كان كذلك فاتركوها عنكم ولا تعذبوا أنفسكم بها، ويدل على ذلك تصديره الحديث بنفي الطيرة.
قال ابن القيم رحمه الله
وقالت طائفة أخرى لم يجزم النبي صلى الله عليه و سلم بالشؤم في هذه الثلاثة بل علقه على الشرط فقال إن يكن الشؤم في شيء ولا يلزم من صدق الشرطية صدق كل واحد من مفرديها فقد يصدق التلازم بين المستحيلين قالوا ولعل الوهم وقع من ذلك وهو أن الراوي غلط وقال الشؤم في ثلاثة وإنما الحديث إن كان الشؤم في شيء ففي ثلاثة قالوا وقد اختلف على ابن عمر والروايتان صحيحتان عنه قالوا وبهذا يزول الإشكال ويتبين وجه الصواب.
وكما قلنا على فرض رواية الشؤم فى ثلاثة وعدم ورود رواية ان كان الشؤم فى شىء فهل يستحيل الجمع بين الاحاديث لنقول بالتناقض؟
الحديث وردت فيه كلمة (الشؤم) وهي مصدر في اللغة العربية، ونفهم من الحديث أنّه إن كان يمكننا التشاؤم من شيء فمن المرأة أو الدابة أو الدار، ولا مجال لفهم الحديث على أنّه اعتبار لحصول التشاؤم مطلقا من المرأة والدابة والدار، فإنّ الرسول الكريم صلى الـله عليه وسلم تزوج النساء وروي أنه قال: (حبب إلي من دنياكم الطيب والنساء وجعلت قرة عيني في الصلاة)، وصحّ عن النبي أنه اتخذ دارا للسكنى وركب في سفره الدواب، وعليه فإنّ الادعاء بأن المراد من الحديث توكيد حصول التشاؤم مطلقا من المرأة والدار والدابة ادعاء مردود لغة وشرعا وعقلا تبطله طرق الحديث المتعددة، كرواية أحمد وابن حبان والحاكم عن سعد عن النبي صلى الـله عليه وسلم " من سعادة ابن آدم ثلاثة المرأة الصالحة والمسكن الصالح والمركب الصالح ، ومن شقاوة ابن آدم ثلاثة المرأة السوء والمسكن السوء والمركب السوء"..
غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب
وقيل المراد بالشؤم هنا عدم [ ص: 417 ] الموافقة . وشؤم المرأة عدم ولادتها وسلاطة لسانها وتعرضها للريب . وشؤم الفرس أن لا يغزى عليها . وقيل حرانها وغلاء ثمنها .
وقال الحافظ الدمياطي : ومن أغرب ما وقع لي في تأويله ما رويناه بالإسناد الصحيح عن يوسف بن موسى القطان عن سفيان بن عيينة عن الزهري عن سالم عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { البركة في ثلاث : في الفرس والمرأة والدار } فقال يوسف سألت ابن عيينة عن معنى هذا الحديث فقال سفيان : سألت عنه الزهري فقال الزهري : سألت عنه سالما فقال سالم : سألت عنه أبا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما فقال : سألت عنه النبي صلى الله عليه وسلم فقال : { إذا كان الفرس ضروبا فهو مشئوم ، وإذا كانت المرأة عرفت زوجا غير زوجها فحنت إلى الزوج الأول فهي مشئومة ، وإذا كانت الدار بعيدة عن المسجد لا يسمع فيها الأذان والإقامة فهي مشئومة ، وإذا كن بغير هذه الصفات فإنهن مباركات } .
قلت : وتقدم بعد الدار عن المسجد ومدحه فلعل ما هنا إن صح لعدم سماع الأذان دون نفس البعد والله الموفق . وفي الطبراني ومستدرك الحاكم وصححه عن أنس رضي الله عنه { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من رزقه الله امرأة صالحة فقد أعانه على شطر دينه فليتق الله في الشطر الباقي } ورواه البيهقي بلفظ { إذا تزوج العبد فقد استمسك نصف الدين فليتق الله في النصف الباقي }
وننقل بعض ما اورده ابن القيم رحمه الله فى هذه المسألة واقوال العلماء بها فى مفتاح دار السعادة
وقالت طائفة أخرى شؤم الدار مجاورة جار السوء وشؤم الفرس أن يغزى عليها في سبيل الله وشؤم المرأة أن لا تلد وتكون سيئة الخلق وقالت طائفة أخرى منهم الخطابي هذا مستثنى من الطيرة أي الطيرة منهى عنها إلا أن يكون له دار يكره سكناها أو امرأة يكره صحبتها أو فرس أو خادم فليفارق الجميع بالبيع والطلاق ونحوه ولا يقيم على الكراهة والتأذي به فإنه شؤم وقد سلك هذا المسلك أبو محمد بن قتيبة في كتاب مشكل الحديث له لما ذكر أن بعض الملاحدة اعترض بحديث هذه الثلاثة .
ومن هذا اخوانى يتضح ان المقصود بالشؤم ليس على اطلاقه بل مقيد بعدم الغزو عليها
وأخرج أحمد وصححه ابن حبان والحاكم من حديث سعد مرفوعا: " من سعادة ابن آدم ثلاثة المرأة الصالحة والمسكن الصالح والمركب الصالح , ومن شقاوة ابن آدم ثلاثة المرأة السوء والمسكن السوء والمركب السوء".. فنجد على سبيل المثال هنا نسب النبى صلى اله عليه وسلم السعادة والشقاوة بحسب الافعال وليس بذات الاعيان الواردة فى الحديث
وفي رواية للحاكم : " ثلاثة من الشقاء المرأة تراها فتسوؤك وتحمل لسانها عليك .
والدابة تكون قطوفا، فإن ضربتها أتعبتك وإن تركتها لم تلحق أصحابك , والدار تكون ضيقة قليلة المرافق"..
نعود لما اورده ابن القيم رحمه الله من اقوال
وقالت طائفة أخرى معنى الحديث إخباره صلى الله عليه و سلم عن الأسباب المثيرة للطيرة الكامنة في الغرائز يعنى أن المثير للطيرة في غرائز الناس هي هذه الثلاثة فأخبرنا بهذا لنأخذ الحذر منها فقال الشؤم في الدار والمرأة والفرس أي أن الحوادث التي تكثر مع هذه الأشياء والمصائب التي تتوالى عندها تدعو الناس إلى التشاؤم بها فقال الشؤم فيها أي أن الله قد يقدره فيها على قوم دون قوم فخاطبهم صلى الله عليه و سلم بذلك لما استقر عندهم منه صلى الله عليه و سلم من إبطال الطيرة وإنكار العدوى ولذلك لم يستفهموا في ذلك عن معنى ما أراده صلى الله عليه و سلم كما تقدم لهم في قوله لا يورد الممرض على المصح فقالوا عنده وما ذاك يا رسول الله فأخبرهم أنه خاف في ذلك الأذى الذي يدخله الممرض على المصح لا العدوى لأنه صلى الله عليه و سلم أمر بالتوادد وإدخال السرور بين المؤمنين وحسن التجاوز ونهى عن التقاطع والتباغض والأذى.
ونلاحظ اخوانى انه ليس شرطا ان يكون الشىء مسبب للتشاؤم لكثير من الناس ثبوت الامر فيه فانما كان اخبار النبى صلى الله عليه وسلم عن حال كثير من الناس وان تشاؤمهم يكون بسبب هذه الثلاثة فليس فيه اقرار النبى صلى الله عليه وسلم بأن الشؤم حا فى هذه الامور الثلاثة
وقالت طائفة أخرى الشؤم في هذه الثلاثة إنما يلحق من تشاءم بها وتطير بها فيكون شؤمها عليه ومن توكل على الله ولم يتشاءم ولم يتطير لم تكن مشؤمة عليه قالوا ويدل عليه حديث أنس الطيرة على من تطير وقد يجعل الله سبحانه تطير العبد وتشاؤمه سببا لحلول المكروه به كما يجعل الثقة والتوكل عليه وإفراده بالخوف والرجاء من أعظم الأسباب التي يدفع بها الشر المتطير به وسر هذا أن الطيرة إنما تتضمن الشرك بالله تعالى والخوف من غيره وعدم التوكل عليه والثقة به كان صاحبها غرضا لسهام الشر والبلاء فيتسرع نفوذها فيه لأنه لم يتدرع من التوحيد والتوكل بجنة واقية وكل من خاف شيئا غير الله سلط عليه كما أن من أحب مع الله غيره عذب به ومن رجا مع الله غيره خذل من جهته وهذه أمور تجربتها تكفي عن أدلتها والنفس لا بد أن تتطير ولكن المؤمن القوي الايمان يدفع موجب تطيره بالتوكل على الله فان من توكل على الله وحده كفاه من غيره قال تعالى فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون
مما سبق اخوانى نعلم ان النبى صلى الله عليه وسلم لم يثبت الشؤم فى هذه الثلاثة وانما قال ان كان فى شىء ففى الدار والمرأة والفرس وهو اقرب الى النفى من الاثبات اى اقرب الى نفى الشؤم من اثباته
ثانيا ان العلماء بينوا ان رواية الشؤم فى ثلاثة ليس المقصود بها نسبة الشؤم الى هذه الثلاثة وانما المقصود ان اكثر من يتشائم يتشائم بها او ان الشؤم فيها بحسب الافعال المتعلقة بها فقد يتواجد او لا يتواجد فيكون الشؤم بالفرس ان لم يغزى بها فى سبيل الله وليست نسبة الشؤم اليها لازمة لذات الفرس
او ان الشؤم يلح من تشائم بها
اما بخصوص حديث البركة فى نواصى الخيل
تحفة الاحوذى
وفي الحديث بيان أن الخيل إنما تكون في نواصيها الخير والبركة إذا كان اتخاذها في الطاعة أو في الأمور المباحة وإلا فهي مذمومة . والحديث أخرجه الترمذي مختصرا , ورواه مسلم مطولا وفيه الخيل ثلاثة : فهي لرجل أجر , ولرجل ستر , ولرجل وزر , فأما الذي هي له أجر فالرجل يتخذها في سبيل الله ويعدها له فلا تغيب شيئا في بطونها إلا كتب الله له أجرا ولو رعاها في مرج , ما أكلت من شيء إلا كتب الله له بها أجرا , ولو سقاها من نهر كان له بكل قطرة تغيبها في بطونها أجر , حتى ذكر الأجر في أبوالها وأرواثها ولو استنت شرفا أو شرفين كتب له بكل خطوة تخطوها أجر . وأما الذي هي له ستر فالرجل يتخذها تكرما وتحملا ولا ينسى حق ظهورها وبطونها في عسرها ويسرها , وأما الذي هي عليه وزر فالذي يتخذها أشرا وبطرا وبذخا ورياء الناس , فذاك الذي هي عليه وزر , الحديث .
وقال ابن حجر فى
فتح البارى
قوله: (البركة في نواصي الخيل) كذا وقع، ولا بد فيه من شيء محذوف يتعلق به المجرور وأولى ما يقدر ما ثبت في رواية أخرى فقد أخرجه الإسماعيلي من طريق عاصم بن علي بن شعبة بلفظ " البركة تنزل في نواصي الخيل " وأخرجه من طريق ابن مهدي عن شعبة بلفظ " الخير معقود في نواصي الخيل " وسيأتي في علامات النبوة من طريق خالد بن الحارث عن شعبة بلفظ حديث عروة البارقي إلا أنه ليس فيه " إلى يوم القيامة " قال عياض إذا كان في نواصيها البركة فيبعد أن يكون فيها شؤم، فيحتمل أن يكون الشؤم الآتي ذكره في غير الخيل التي ارتبطت للجهاد وأن الخيل التي أعدت له هي المخصوصة بالخير والبركة أو يقال الخير والشر يمكن اجتماعهما في ذات واحدة، فإنه فسر الخير بالأجر والمغنم، ولا يمنع ذلك أن يكون ذلك الفرس مما يتشاءم به.
وفى شرح النووى على مسلم
قوله صلى الله عليه وسلم : الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة ، الأجر والغنيمة وفي رواية الخير معقوص بنواصي الخيل وفي رواية ( البركة في نواصي الخيل ) المعقود والمعقوص بمعنى ، ومعناه ملوي مضفور فيها ، والمراد بالناصية هنا الشعر المسترسل على الجبهة . قال الخطابي وغيره : قالوا : وكنى بالناصية عن جميع ذات الفرس ، يقال : فلان مبارك الناصية ، ومبارك الغرة ، أي الذات . وفي هذه الأحاديث استحباب رباط الخيل واقتنائها للغزو وقتال أعداء الله ، وأن فضلها وخيرها والجهاد باق إلى يوم القيامة .
وأما الحديث الآخر : " الشؤم قد يكون في الفرس " فالمراد به غير الخيل المعدة للغزو ونحوه ، أو أن الخير والشؤم يجتمعان فيها ، فإنه فسر الخير بالأجر والمغنم ، ولا يمتنع مع هذا أن يكون الفرس مما يتشاءم به
ومن هذا اخوانى يتضح جليا انه لاثم اى تناقض بين الحديثين ومن يعترض على ذلك فعليه باثبات استحالة الجمع بين الاحاديث
الشمس اجمل في بلادي من سواها والظلام... حتي الظلام هناك اجمل فهو يحتضن الكنانة ..
المفضلات