و ذكر القسطلاني عن من يثق به: أن أمير المدينة أرسل عدة من الفرسان إلى هذه النار للإتيان بخبرها، فلم تجسر الخيل على القرب منها، فترجل أصحابها وقربوا منها فذروا أنها ترمي بشرر كالقصر، ولم يظفروا بجلية أمرهم، فجرد عزمه للإحاطة بخبرها، فذكر أنه وسل منها إلى قدر غلوتين بالحجر ولم يستطع أن يجاوز موقفه من حرارة الأرض وأحجار كالمسامير تحتها نار سارية ومقابلة ما يتصاعد من اللهب، فعاين ناراً كالجبال الراسيات، والتلال المجتمعة السائدات، تقذف بزبد الأحجار كالبحار المتلاطمة الأمواج، وعقد لهيبها في الأفق قتاماُ حتى ظن الظان أن الشمس والقمر كسفاً إذ سلبا بهجة الإشراق في الأفاق، ولولا كفاية الله كفتها لأكلت ما تقدم عليه من الحيوان والنبات والحجر، أهـ.
قلت: وذكر القسطلاني: إن هذه النار لم تزل مارةً على سيلها حتى اتصلت بالحرة ووادي الشظاة، وهي تسحق ما والاها، وتذيب ما لاقاها من الشجر الأخضر والحصى من قوة اللظى، وأن طرفها الشرقي أخذ بين الجبال فحالت دونه ثم وقفت، وأن طرفها الشامي وهو الذي يلي الحرم ـ اتصل بجبل يقال له: وعيرة، على قرب من شرقي جبل أحد، ومضت في الشظاة الذي في طرفه وادي حمزة رضي الله عنه، ثم استمرت حتى استقرت تجاه حرم النبي صلى الله عليه وسلم فطفئت.
و قال القسطلاني: إن ضوءها استوى على ما بطن من القيعان وظهر من التلال، حتى كأن الحرم النبوي عليه الشمس مشرقة، وجملة أماكن المدينة بأنوارها محدقة، ودام على ذلك لهبها حتى تأثرت له النيران، صار نور الشمس على الأرض تعتريه صفرة، ولونها من تصاعد الالتهاب يعتريه حمرة، والقمر كأنه قد كسف من اضمحلال نوره
قال: وأخبرني جمع ممن توجه للزيارة على طريق المشيان أنهم شاهدوا ضوءها على ثلاثة مراحل للمجدِّ وآخرون: أنهم شاهدوا من جبال سارية.
قلت: نقل أبو شامة عن مشاهدة كتاب الشريف سنان قاضي المدينة: أن هذه النار رؤيت من مكة ومن الفلاة جميعها، ورآها أهل ينبع.
صورة لثوران بركان كبير ربما يكون مشابه للبركان المدينة المنورة
قال أبو شامة: وأخبرني بعض من أثق به ممن شاهدها بالمدينة أنه بلغه أنه كتب بتيماء على ضوئها الكتب.
قال أبو شامة: وظهر عندنا بدمشق أثر ذلك الكسوف من ضعف النور على الحيطان، وكنا حيارى من سبب ذلك، إلى أن بلغنا الخبر عن هذه النار.
و كل من ذكر هذه النار يقول في آخر كلامه: وعجائب هذه النار وعظمتها يكل عن وصفها البيان والأقلام، وتجل عن أن يحيط بشرحها البيان والكلام، فظهر بظهورها معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم لوقوع ما أخبر به وهي هذه النار، إذ لم تظهر من زمنه صلى الله عليه وسلم قبلها ولا بعدها نار مثلها. قلت: قد تقدم عن القرطبي أنه بلغه أنها رؤيت من جبال بصرى.
و صرح الشيخ عماد الدين ابن كثير بما يقضي أنه أضاءت من هذه النار أعناق الإبل ببصرى، فقال: أخبرني قاضي القضاة صدر الدين الحنفي قال: أخبرني والدي الشيخ صفي الدين مدرس مدرسة بصرى أنه أخبره غير واحد من الأعراب صبيحة الليلة التي ظهرت فيها هذه النار ممن كان بحاضرة بلد بصرى أنهم رأوا صفحات أعناق إبلهم في ضوء تلك النار، فقد تحقق بذلك أنها الموعودة بها، والحكمة في إنارتها بالأماكن البعيدة من هذا المظهر الشريف حصول الإنذار، ليتم به الإنزجار.
اكتشافات علمية:
يقول علماء الجيولوجيا وعلوم الأرض أن المدينة المنورة بقع بالقرب من منطقة بركانية تسمى (حرة رهط) وتقع حرة رهط بين المدينة المنورة شمالا، ووادي فاطمة بالقرب من مكة المكرمة جنوبا لتغطي مساحة تقدر بحوالي 20,000 كيلومتر مربع. وفي حرة رهط يوجد أكثر من 700 فوهة بركانية. وحرة رهط واحدة من بين 12 حقلا بركانيا ينتشر في المملكة العربية السعودية، وتحوي حرة رهط وحدها سبعمائة مخروط بركاني.
يعد الجزء الشمالي من أكثر أجزاء تلك الحرة نشاطا والذي يقع إلى الجنوب من المدينة المنورة مباشرة بسبب أكثر من ثلاث عشرة ثورة بركانية شهدها وتدفق للحمم خلال الخمسة آلاف سنة الماضية (بما يوازي ثورة بركانية كل أربعمائة عام ) منها:
ثورة بركان رهط سنة 21 هـ (644 م)
سبقها عدد من الهزات الأرضية العنيفة وأصوات الانفجارات الشديدة.
ثورة بركان رهط سنة 654 هـ (1256 م)
في سنة 1256 م ثار البركان وتدفق تيار لابة حجمها 0.5 كم مكعب من ست أقماع scoria متراصة وتدفقت لمسافة 23 كم حتى وصلت إلى مسافة 4 كم من المدينة المنورة: وقد كان أخر ثوران. وقد كانت للحرة ثورات سابقة.
سبقها عدد من الهزات الأرضية العنيفة وأصوات الانفجارات الشديدة، والتي شكلت الثورة البركانية الأخيرة (654 هـ/1256 م) ستة مخاريط بركانية جديدة، ودفعت بطفوحها لمسافة زادت على ثلاثة وعشرين كيلومترا من الشمال إلى الجنوب، وامتدت حتى الطرف الجنوبي لموقع مطار المدينة المنورة الدولي الحالي، ثم تحولت إلى الشمال.(الويكي بيديا).
صورة توضح حرة رهط جنوب المدينة المنورة (غوغل إيرث)
صورة بالطائرة للفوهات براكين حرة رهط جنوب المدينة المنورة
صورة لشقوق ناتجة عن خروج الحمم في حرة رهط جنوب المدينة المنورة
الإعجاز الغيبي والعلمي:
إخباري النبي صلى الله عليه وسلم عن حدث مستقبلي وهو خروج نار كبيرة ما بين المدنية المنورة ومكة من جهة اليمن من شدتها تضيء لها أعناق الإبل في بصرى الشام ولقد حدث ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم.
نستقبل تعليقاتكم على المقال على الإيميل التالي:
quranmiracles@gmail.com
تخريج الأعلام
أبو شامة (599 - 665 هـ = 1202 - 1267 م) عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم المقدسي الدمشقي، أبو القاسم، شهاب الدين، أبو شامة: مؤرخ، محدث، باحث. أصله من القدس، ومولده في دمشق، وبها منشأه ووفاته. ولي بها مشيخة دار الحديث الاشرفية، ودخل عليه اثنان في صورة مستفتيين فضرباه، فمرض ومات.
القسطلاني، قطب الدين (614 - 686هـ، 1218 - 1287م). محمد بن أحمد بن علي القيسي الشاطبي، أبو بكر، قطب الدين التوزيّ القسطلاني، محدّث فقيه، أديب، ناثر، ناظم. توزي الأصل ـ نسبة إلى توز ـ وهي بلدة بفارس، مصري المولد، مكي المنشأ. رحل إلى بغداد ومصر والشام والجزيزة.كان شجاعًا عابدًا زاهدًا جامعًا للفضائل كريم النفس، فوضت له مشيخة دار الحديث الكاملية بالقاهرة إلى أن توفي. من مؤلفاته: ارتفاع الرتبة باللباس والصحبة؛ عروة التوثيق في النار والحريق (في حريق المسجد النبوي)؛ الإفصاح عن المعجم من الغامض المبهم (على حروف المعجم). ومن شعره : إذا طاب أصل المرء طابت فروعه , ومن غَلطٍ جاءت يد الشوك بالورد وقد يخبث الفرع الذي طاب أصله , ليظهر صنع الله في العكس والطرد.
القرطبي: محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فَرْح كنيته أبو عبد الله ولد بقرطبة ب(الأندلس) حيث تعلم القرآن الكريم وقواعد اللغة العربية وتوسع بدراسة الفقه والقراءات والبلاغة وعلوم القرآن وغيرها كما تعلم الشعر أيضا. انتقل إلى مصر واستقر بمنية بني خصيب في شمال أسيوط حتى وافته المنية في 9 شوال 671 هـ، وهو يعتبر من كبار المفسرين وكان فقيهًا ومحدثًا ورعًا وزاهدًا متعبدًا.
النووي : هو الإِمام الحافظ شيخ الإسلام محيي الدين أبو زكريا يحيى بن شرف بن مُرِّي بن حسن بن حسين بن محمد بن جمعة بن حِزَام، النووي نسبة إلى نوى، وهي قرية من قرى حَوْران في سورية، ثم الدمشقي الشافعي، شيخ المذاهب وكبير الفقهاء في زمانه. ولد النووي رحمه اللّه تعالى في المحرم 631 هـ.
ابن كثير: هو الامام عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير بن ضوء بن كثير، القرشي الدمشقي الشافعي ولد في سوريا سنة 700 هـ كما ذكر أكثر من مترجم له أو بعدها بقليل كما قال الحافظ ابن حجر في الدرر الكامنة، صاحب التفسير المشهور.
المصادر:
[1] مسند أحمد 5/189 برجالٍ ثقات.
[2] [ تاريخ المدينة 1/280].
[3] نقلاً عن فتح الباري 80/23.
[4] [ نقلاً عن فتح الباري80/13].
[5] [ المعجم المفهرس 3/523، البخاري: كتاب الفتن، ومسلم كتاب الفن ومسند أحمد ].
[6].[ فتح الباري: 13/78].
[7] [ النهاية في غريب الحديث 1/320 ].
[8] [مورد الظمآن إلى زوائد ابن حبان للهيثمي 467] وأخرج هذا الحديث أحمد بن حنبل، وأبو يعلى، من رواية رافع بن بشر السلمي عن أبيه، وقال الحافظ الهيثمي: رواه أحمد والطبراني، ورجال أحمد رجال الصحيح ،غير رافع، وهو ثقة، أنتهي.










رد مع اقتباس


المفضلات