آخـــر الـــمـــشـــاركــــات


-
الباب الثانى
حقائق مهمة مهملة من قبل المسلمين النشؤيين
فى الفصل السابق من هذا الكتاب، تعرضنا لحقيقة اعتقاد بعض المسلمين فى صحة نظرية داروين، و كيف أن هذا قد يكون نتيجة قلة الوعى بآخر التطورات العلمية التى تثبت عدم صحة هذه النظرية.
فإن هذا النقص فى الوعى يؤدى إلى استمرارية اعتقاد هؤلاء المسلمين فى صحة هذه النظرية و ذلك من خلال قبول الأفكار و المعتقدات التى ينفيها العلم.
علاوة على ذلك، فإن الاعتقاد فى صحة ما تروج له هذه النظرية، يتضمن بداخله تجاهل العديد من الحقائق الخطيرة، و من هذه الحقائق المهملة، كون البنية التحتية لنظرية النشوء تعكس عقلية وثنية تعزى الألوهية إلى الصدفة والحوادث الطبيعية و تولد الكثير من الكوارث، كالاضطهادات و النزاعات و الحروب و غير ذلك مما لا يحمد عقباه من الصراعات.
فإن هذا الفصل من الكتاب سيركز – بمشيئة الله – على الحقائق التى قد تجاهلها المسلمون المؤمنون بنظرية داروين، و كذلك على دعوتهم إلى التوقف عن تأييد هذه العقلية الوثنية التى تزود الفكر المادى الإلحادى بالأساس اللازم لقيامه.
نظرية النشوء إحدى الأفكار الوثنية القديمة
على عكس ما يدعيه مؤيدو نظرية داروين، فإن النشوء و الارتقاء ما هى إلا عقيدة وثنية لا نظرية علمية.
فإن فكرة النمو و الارتقاء هذه ظهرت أولا فى المجتمعات القديمة كتلك التى كانت فى مصر القديمة و بابل، ثم انتقلت إلى الفلاسفة اليونانيين القدماء.
فسنجد أن الأوثان السومرية تحتوى على عبارات منكرة للخلق و تدعى أن الكائنات الحية قد انبثقت دون أى تدخل كنتيجة لإحدى عمليات التطور التدريجى ، فتبعا للمعتقدات السومرية، فإن الحياة نفسها قد نشأت من اضطراب وتهيج المياه.
و نجد أن المصريين القدماء فى إحدى عصورهم – مثلهم كمثل السومريين – قد اعتقدوا فى كون المخلوقات كلها قد نشأت من الطين، و كان ذلك يعد جزءا هاما من ديانتهم الخرافية أنذاك، و التى كانت تنكر بالطبع وجود الله الخالق.
و نجد أن أهم ما يدعيه الفلاسفة اليونانيون: إمبيدوكليس (القرن الخامس قبل الميلاد) و طاليس ( 546 ق.م.)
و أناكسيماندير (من بلدة ميليتاس) أن أولى الكائنات الحية قد نشأت من تلك غير الحية كالهواء و النار و الماء.
فتلك النظرية قد افترضت أن الكائنات الحية الأولى قد نشأت فجأة فى الماء، و أنه بعد ذلك، تركت بعض هذه الكائنات سكنى الماء و سكنت الأرض.
و يؤمن طاليس أن المياه هى مصدر كل حياة، و أن النبات و كذلك الحيوان بدأت من تطورالماء، و أن البشرية كانت هى الناتج النهائى لهذه العملية.
و يرى أناكسيماندير و هو أحد الفلاسفة المعاصرين لطاليس - وفىالوقت نفسه يصغره سنا - ، أن الإنسان قد نشأ من الأسماك، و أن مصدر الحياة قد نشأ بما أسماه "الكتلة الأساسية".
و تعتبر قصيدة أناكسميندير عن الطبيعة أولى الأعمال الفكرية المتاحة والمبنية على نظرية النشوء و الارتقاء.
ففى هذه القصيدة الشعرية يصف أناكسيماندير كيفية نشوء المخلوقات من مادة طينية لزجة قد جففتها الشمس. و لقد اعتقد أن الحيوانات الأولى كانت مغطاة بالقشور الشائكة و أنهم كانوا يعيشون فى البحار.
و كيف أن هذه الحيوانات الشبيهة بالأسماك قد تطورت بالتدريج، حيث انتقلت إلى العيش على اليابس بدلا من البحار، و سقطت قشورها، و صارت بشرا فى نهاية الأمر.
(لمزيد من التفاصيل انظر " ديانة نظرية داروين " لهارون يحيى, مطابع أبو القاسم , جدة , 2003).
و تعد نظرية أناكسيماندير اللبنة الأولى في البناء الحالي لنظرية داروين, لما فيها من متشابهات كثيرة مع نظرية داروين.
أما عن إمبيدوكليس , فلقد عمل على تجميع الآراء التي سبقته, و قدم اقتراحا مضمونه أن العناصر الأولية كالماء و الهواء و النار قد تجمعت مع بعضها البعض لتكوين أجسام.
كما أنه اعتقد في كون الإنسان قد تطورمن أصل نباتي, و أن الصدفة وحدها قد لعبت دورا في هذه العملية.
وكما قد تم ذكره من قبل, فإن هذه المبادىء هي الأساس الأولي الذي بنيت عليه نظرية داروين.
و لقد ادعى هراقليطس Heraclites (القرن الخامس ق.م.) أن هذا الكون كان في حالة تغير دائم, و لذلك فهو لا يرى أية أهمية للسؤال- و الذي وصفه بالخرافي- عن كيفية نشأةهذا الكون و رجح كون هذا الكون لا بداية له ولا نهاية.
و بدلا من كل ذلك فإنه- و ببساطة- يرى أن هذا الكون كان موجودا وبدون مسبب.
و باختصار, فإنه أضحى واضحا أن المذهب المادي و الذي يعتبر من الدعائم الأساسية لنظرية النشوء قد كان موجودا في الحضارة اليونانية القديمة.
و من الحقائق التاريخية أيضا, أن فكرة التطور التلقائي كانت مؤيدة من قبل الكثير من الفلاسفة الإغريق الآخرين,
و على وجه الخصوص- Aristotle ( 22-384 B.C ).
و مضمون هذه الفكرة, أن بعض الكائنات و خاصة بعض الديدان و الحشرات و كذلك النباتات قد وجدت من تلقاء نفسها في الطبيعة, و من ثم لم تكن في حاجة الى المرور بأية مرحلة من مراحل التخصيب أو التلقيح.
و لقد قام Maurice Manqua و الذي اشتهر بدراسته لأفكار Aristotle عن التاريخ الطبيعي, بتحليل بعض معتقدات و أفكار Aristotle في هذا المجال, حيث قال( Maurice ):
" إن اهتمام Aristotle الشديد بأصل هذه الحياة قد أدى به الى الإيمان بالتطور التلقائي للكائنات غير الحية حتى أصبحت كائنات حية, و ذلك حتى يكون بإمكانه تبرير العديد من الوقائع التي لم يكن بمقدوره تبريرها بأية طريقة أخرى".
من خلال الملاحظة الدقيقة, فمن الممكن رؤية تشابهات كبيرة ما بين أفكار المفكرين النشؤيين القدماء و ما بين أقرانهم من المعاصرين.
و تعتبر جذور المبدأ المادي التي نجدها جلية الوضوح في الحضارة السومرية الوثنية, أن هذا الكون لا بداية له و لا نهاية , و أن هذه الحياة قد انبثقت من اللا حياة و بمحض الصدفة, كما أنها كانت شائعة ما بين المفكرين الإغريق الماديين, و نجد كذلك أن هاتين الفكرتين النشؤيتين- القديمة و المعاصرة- لهما نفس الأسس على الرغم من البعد الزمني, و هذه الأسس تنحصرفي الإدعاء بأن هذه الحياة قد نشأت من الماء و "الكتلة الأساسية", و أن الكائنات الحية إنما تنشأ نتيجة الصدفة فقط.
و من هنا نجد أن النظرية التي يؤيدها المسلمون, إنما هي نظرية قديمة مهجورة, تمتد جذورها الى أفكار عتيقة قد تم إثبات عدم صحتها من جميع النواحي, لاسيما الناحية العلمية.
وعلاوة على ذلك, فإن هذه الأفكار تحتوي علي معاني وثنية وأخري إلحادية قد تم طرحها في بادئ الأمر من قبل مفكرين ماديين يؤمنون بالمذهب المادي.
في حقيقة الأمر, فإن مبدأ النمو و الإرتقاء لا يقتصر على الحضارات السومرية القديمة أو الفلاسفة الإغريق وحدهم, بل إنه قد امتد الى بعض المعتقدات الدينية المعاصرة كالكنفوشية, و البوذية و الTaoism .
بمعنى أخر, فإن نظرية النمو و الإرتقاء, إنما هي نظرية معادية للعقيدة الإسلامية.
فبعض المسلمين النشؤيين وعلى الرغم من تعارض النمو و الإرتقاء مع العلم يزعمون تأييد القرآن الكريم لنظرية داروين, و يستندون استنادا خاطئا لبعض الآيات القرآنية لإثبات ما يدعون, كما أنهم يدعون كذبا أن نظرية النمو
و الإرتفاء على صورتها التي نعرفها اليوم, إنما كان أساسها علماء و مفكرون مسلمون يؤمنون بما يسمى " بنظرية النشوء الخلقية" و عندما ترجمت أعمالهم إلى اللغات الأخرى من اللغة العربية, ظهرت فكرة النمو و الإرتقاء في الحضارات الغربية, محاولين إيجاد مصدر لهذه النظرية في الإسلام.
إلا أنه و من الأمثلة القليلة التي سبق ذكرها, يتضح لنا أن نظرية النمو و الإرتقاء لا يصح أن تنتسب الى الفكر الأسلامي بأي شكل من الأشكال, فهي لا تتعدى كونها فكرة بدائية يرجع أصلها إلى مجتمعات وثنية قديمة.
و هي نظرية مبنية على أسس و مبادئ مادية, لا أساس لها من الصحة سواء من الناحية العلمية أو الناحية التاريخية.
مبدأ الصدفة يتعارض مع حقيقة الخلق
إن من يدعون عدم وجود أي تناقض ما بين نظرية النمو و الإرتقاء و ما بين العقيدة الإسلامية, إنما قد أغفلوا نقطة في غاية الأهمية, فهم يعتقدون على وجه الخطأ, أن نظرية النمو و الإرتقاء تقوم أساسا على الادعاء بأن الكائنات الحية قد نشأت و تطورت من بعضها البعض.
إلا أن هذا الاعتقاد ليس بصحيح, حيث أن نظرية النمو و الإرتقاء تدعي نشأة هذه الحياة بمحض الصدفة, و عن طريق آلية غير عاقلة.
بمعنى أخر فهم يدعون أن الحياة على كرتنا الأرضية قد نشأت دون خالق و من تلقاء نفسها من مواد غير حية.
فإن مثل هذا الادعاء, ينفي وجود الخالق سبحانه و تعالى منذ البداية, و لذلك فإنه لا يصح على الإطلاق قبول مثل هذا الرأي لأي مسلم موحد.
إلا أن بعض المسلمين ممن يجهلون هذه الحقيقة لا يرون أى ضرر فى الإعتقاد فى صحة هذه النظرية، إعتقاداً منهم فى إمكانية كون الله سبحانه وتعالي قد خلق هذا الكون بتطبيق مبادئ النمو والإرتقاء.
وكذلك فهم قد أهملوا حقيقة أخرى غاية فى الخطورة، وهى انه علي الرغم من محاولتهم إثبات اتفاق نظرية النمو والإرتقاء مع الدين وعدم تعارضهما، إلا أنهم فى حقيقة الأمرإنما يؤيدون ما تدعو إليه هذه النظرية دون غيرها.
وفى الوقت ذاته، فلأن النشؤيين أنفسهم يتجاهلون هذا الأمر تماماً، وذلك خوفاً لما قد يسببه هذا الأمر من رفض المجتمع لنظريتهم، فهم يرون إعتقاد بعض الناس فى كونها ذات صلة بالدين فى صالحهم.
وبالنظر لهذا الأمر كمسلم ورع، وبالتفكر فيه في ظلال القرآن، فسنجد ان مثل هذه النظرية بكل ما تحمله من معان مغالطة لديننا الإسلامي، منافية لتعاليمه، وكل ما هى مبنية عليه من أفكار الحادية، وكونها مبنية أساساً على مبدأ الصدفة، فإنه من المستحيل أن يكون لها أي صلة بالإسلام.
فإن نظرية النمو و الإرتقاء تعتقد-والعياذ بالله- في ألوهية الصدفة و الوقت و المواد غير الحية، و تنسب لقب
" الخالق" لمثل هذه المخلوقات الضعيفة غير العاقلة .
فلا يوجد أي مسلم يمكن أن يؤمن بصحة هذه النظرية المبنية على الأساس الوثني الإلحادي، حيث أن كل مسلم يعلم أن الله - سبحانه و تعالى – هو الخالق الأوحد لهذا الكون، لا شريك له، و أنه جل وعلا قد خلق هذا الكون من عدم، ولذلك فهو يستعين بالعلم و الحجة ليحارب كل المعتقدات و الأفكار التي تتعارض مع هذه الحقيقة.
إن النمو و الإرتقاء عنصر من عناصر المذهب المادي و الذي تبعاً لأفكاره، فإن الكون لا بداية له ولا نهاية، ومن ثم فلا حاجة للإيمان بوجود الخالق سبحانه وتعالي.
فهذه الأبديولوجية المارقة ،تقترح ان هذا الكون وهذه المجرات وهذه النجوم وهذه الكواكب وكل تلك الأجسام السماوية، بما فيها من أنظمة لا يعتريها اي خلل،ولا تشوب توازنها المتكامل شائبة،إنما ناتج عن الصدفة.
وإنطلاقاً من نفس المبدأ، فإن نظرية النمو والإرتقاء تدعي نشأة البروتينات والخلايا في بادئ الأمر- مكونات الحياة الأساسية- من خلال التطور ليس إلا،هذا التطورالذي قد نتج عن سلسلة من المصادفات البحتة.
وهي كذلك تدعي انتساب كل هذه العجائب في الخلق إلي الصدفة، سواءً كانت هذه العجائب تتجلي فى الأرض أو البحر أو السماء.
وعلي الرغم من أن هؤلاء النشؤيين محاطون بكل الدلائل التي تبين وتثبت وجود الخالق سبحانه، بدءاً من أجسامهم التي يعيشون فيها في هذا الكون، فإنهم ينسبون كل هذا الكمال إلي الصدفة والعمليات غير العاقلة.
وبمعني آخر فإنهم يلجأون إلي تأليه الصدفة بدلاً من الله – جلا وعلا- قاصدين نفي وجوده سبحانه والعياذ بالله، إلا أن هذا لايغير من الواقع شئ، فالله هو خالق كل شئ ومالك كل شئ، وهو أول كل شئ، وآخر كل شئ، سبحانه وتعالي عما يصفون فإن علم الله الذي لا حدود له، وإبداعه الذي لا مثيل له إنما يتجلي وبكل وضوح في كل خلقه.
وفي حقيقة الأمر، فإن التقدمات العلمية الحديثة، إنما تعارض وبكل حسم، إدعاءات النشؤيين التي لا اساس لها، بأن الحياة قد نشات من تلقاء نفسها ومن خلال عمليات مصدرها الطبيعة.
فإن التصميم الرفيع في هذه الحياة إنما يظهر وجود خالق ذي حكمة وعلم عظيمين، وهو رب السموات والأ رض وما بينهما.
فحقيقة كون حتي ادق الكائنات الحية علي درجة عالية من التعقيد، يضع أصحاب الفكر الإرتقائي في مأزق، وهي حقيقة كثيراً ما هم انفسهم يقرون بها.
فعلي سبيل المثال، فإن عالم الرياضات والفلك البريطاني الشهير،فريد هويل يعترف بإستحالة كون الصدفة سبباً في نشاة هذه الحياة، حيث يقول:
"فإن إحتمالية كون هذه الحياة قد نشأت بطريقة عشوائية، إنما متناهية الضآلة - بكل ما تحمله هذه الكلمة من معني- إلي الحد الذي يرجح سخافة ومنافاة هذه الإحتمالية للعقل البشري."
ونجد أيضاً أن النشؤي Pierre-Paul Grasse يعترف بأن إيعاز هذه القوة الإبداعية إلي الصدفة يعتبر وهما ما بعده وهم, يقول:
"ومع ذلك فإن نظرية داروين أكثر صعوبة وتعقيداً، فإن نباتا واحدا وكذلك حيوانا واحدا قد يحتاج إلي الآلاف والآلاف من الأحداث المواتية حتي يصبح كائناً ذا وجود،ومن ثم فإن حدوث المعجزات سيصبح هو القاعدة، فالأحداث متناهية الصغر من حيث احتمالية الحدوث لن يحول هذا دون حدوثها،فعلي الرغم من عدم وجود قانون معارض لأحلام اليقظة، إلا أن العلم لا يجب أن ينغمس في مثل هذه الأحلام."
فإن هذه الكلمات التي سبق ذكرها، تظهر وبكل وضوح الورطة الفكرية التي وقع فيها أصحاب نظرية داروين، فعلي الرغم من أنهم قد اقتنعوا باستحالة الدفاع عن صحة نظريتهم، وكذلك بعدم مصداقيتها العلمية، إلا أنهم قد رفضوا أيضا ًالتخلي عن نظريتهم، ويرجع ذلك إلي الهوس الأيديولوجي بهذه النظرية.
بعبارة أخري، فإن هويل يكشف عن سبب إيمان النشؤيين بالصدفة، يقول هويل:
"بالفعل، فإن مثل هذه النظرية - كون أن الحياة قد تجمعت بقوي ذكية عليا – شديدة الوضوح، إلي الحد الذي يجعل المرء يتساءل عن أسباب عدم تقبل كون هذه النظرية تثبت نفسها.
فهذه الأسباب نفسية فضلاً عن كونها علمية."
وما يصفه هويل بكونه سبب او دافع نفسي، قد أوجب علي النشؤيين إنكار الخلق.
فكل هذه الأسباب التي تم سردها،ألا تكفي لأن تظهر للنشؤيين المسلمين أن نظرية النمو والإرتقاء ما هي إلا نظرية قد تم تصميمها لإنكار وجود الله سبحانه وتعالي.
الانتقاء الطبيعي والتحول ليس لديهما القوة الكافية لإحداث التطور
إن المسلمين الذين يتجاهلون حقيقة أن نظرية النمو والإرتقاء قد تم إثبات عدم صحتها من الناحية العلمية، يواجهون ورطة أخري، وهي الإدعاء ان المليون ونصف المليون فصيلة من الكائنات الحية قد نشأت نتيجة لأحداث طبيعية غير عاقلة.
طبقاً لما يدعيه النشؤيون، فإن الخلية الأولي قد نشات نتيجة تفاعلات كيماوية في مواد غير حية.
ومن الجدير بالذكر في هذا المقام أن هذا الإدعاء قد ثبت إستحالته علمياً، وبالإضافة إلي ذلك، فقد فشل بعض الباحثين ممن حاولوا تخليق اللبنة الأولي لهذا الكون وهي البروتين في محاولاتهم، حيث قاموا بتحضير خليط من الغازات مماثل لذلك المكون للغلاف الجوي الأولي للكرة الأرضية، إلا أنهم فشلوا علي الرغم من إجراء هذه المحاولات والتجارب تحت نفس الظروف المناخية.
وبما أنهم قد فشلوا علي الرغم من كل تلك الإمكانات التكنولوجية والعلمية المتوفرة لديهم، فمن اللامعقول واللا منطقي كون هذه التطورات قد نشأت بمحض الصدفة.
ونظرية النمو والإرتقاء تدعي أيضاً أن الحياة قد بدأت بهذه الخلية الأولي والتي إزدادت تعقيداً مع مرور الوقت، وكذلك إشتمل تطورها هذا علي تنوع هذه الخلايا، والتي انتهي بها المطاف إلي تكون الجنس البشرى.
باختصار، فالنظرية تقول أن بعض الآليات غيرالعاقلة لابد وأنها كانت السبب في تطور الكائنات الحية ونشأتها.
فعلي سبيل المثال، فإن الجرثومة الواحدة تحتوي علي ما يقرب من حوالي 2000 نوع من البروتينات، في حين أن الإنسان يحتوي علي تلك التي تخص حوالي 200,000 نوع من البروتينات.
بمعني أخر، فإن عملية أو آلية غير عاقلة واحدة لابد وأنها قد أنتجت الخصائص الجينية اللازمة لحوالي 198,000 نوع جديد من البروتينات بمرور الوقت.
فهذا هو ما تدعيه نظرية النمو والإرتقاء، ولكن هل تحتوي الطبيعة فعلاً علي آلية يمكن لها أن تصنع وتطور الخصائص الجينية لأي من الكائنات الحية؟
إلا أن النسخة المستحدثة من نظرية داروين، تأخذ فى إعتبارها عمليتين طبيعيتين أخرتين، وهما الانتقاء الطبيعي والتحول، وذلك بإعتبار آخر ما توصلت إليه الكشوفات العلمية في مجال الجينات.
فمعني الانتقاء الطبيعي، وباختصار شديد، هو أن البقاء للأقوي الذي يمكنه مجاراة التغيرات في البيئة المحيطة، والفناء للأضعف الذي لا يمكن له التكيف مع البيئة المحيطة.
فعلي سبيل المثال، فإن الانخفاض المستمر في درجة حرارة منطقة معينة علي المدى البعيد نتيحة التغيرات المناخية الطبيعية سيؤدي بالضرورة إلي فناء تلك الكائنات التي لا تستطيع تحمل درجات الحرارة المنخفضة، وبقاء تلك التي تتحمل مثل ذلك التغير المناخي.
وكذلك في حالة الأرانب، نجد أن عامل السرعة هو الذي سيؤدي إلي البقاء، فهي تعيش دوماً تحت تهديد الافتراس
- الحيوانات المفترسة - ولذلك فإن البقاء سيكون للأسرع، ومن ثم ستورث هذه الصفات لما يليها من أجيال.
إلا أنه، وبالتحليل الدقيق لهذه الحالة - حالة الأرانب - نجد أنه لم تتم نشأة أي صفة جديدة في تلك الكائنات الحية، فهؤلاء الأرانب لم يتطوروا إلى صنف آخر من المخلوقات، كما أنهم لم يكتسبوا خاصية جديدة، لذلك لا يمكن القول أن الانتقاء الطبيعي يؤدي إلى النمو والإرتقاء.
ومن ثم، فلا يبقي لأصحاب نظرية داروين المستحدثة سوى ظاهرة التحول، وحتي يمكن قبول إدعاءاتهم، فإن مثل هذه التحولات الخلقية لابد وأن تطور الخصائص الجينية للكائنات الحية التي تخضع لمثل هذه التحولات.
والتحولات، تعرف علي أنها أخطاء في جينات الكائن الحي، نتجت عن التعرض لبعض المؤثرات الخارجية كالإشعاع، أو عن عيوب في الحمض النووي.
وبالطبع فإن مثل هذه التحولات سيؤدي إلي تغيرات في هذا الكائن الحي، إلا أن مثل هذه التغيرات دوماً ما تكون مدمرة.
أو يمكن القول،- من خلال تعريف التحول -، أن التحول لا يطور الكائنات الحية، إنما يضرها.
فإن علم الجينات قد أحدث طفرة غير مسبوقة في كثير من العلوم وذلك في خلال القرن العشرين.
فلقد أثبت العلماء أن التحول، لا يعتبر تغير بيولوجي يمكن الإستناد إليه لإثبات النمو والإرتقاء، حيث تم التوصل لهذه الحقيقة من خلال الفحص الدقيق لبعض الأمراض الناتجة عن الخلل الجيني وذلك في ضوء العلوم سريعة التطور، وهذا بالطبع يتعارض مع إدعاء النشؤيين.
فالتطور في علم الجينات علي وجه الخصوص قد تسبب في الاعتراف بكون التحول سبباً في حوالي 4,500 مرض من الأمراض التي كان من المفترض كونها أمراض جينية وراثية.
وحتي يمكن الجزم بأن التحولات هذه عوامل وراثية، فيجب أن يكون حدوث مثل هذه التحولات في الحيوانات المنوية التي ينتجها الذكور، أو في البويضات التي تنتج عن الإناث، فهذا النوع من التغيرات الوراثية هو الذي يمكن تمريره إلي الأجيال التالية.
فالكثير من الأمراض الوراثية تنتج عن التحولات الخلقية في هذه الخلايا بالذات – المني والبويضات- أما بالنسبة للتحول فإنما يحدث في الأعضاء الأخري كالكبد والمخ وذلك خلال إحدى مراحل النمو، ومن ثم لا يمكن تمريره لما يلي من الأجيال بالوراثة.
ومثل هذه التحولات الخلقية او التحولات المعروفة باسم "البدنية" تسبب العديد من الأمراض السرطانية وذلك من خلال إصابة خلايا الحمض النووي (DNA ) بالتشوه ومن ثم الخلل، ويعتبر السرطان من أحسن الأمثلة التي يمكن ذكرها عند الحديث عن الضرر الذي تسببه التحولات الخلقية أو التحولات الخلقية.
فالعديد من العوامل المسببة للسرطان، كالمواد الكيماوية وكذلك الأشعة فوق البنفسجية ينتج عن التعرض لها الإصابة بمثل هذه التحولات الخلقية.
ولقد استطاع الباحثون مؤخراً التوصل إلي كيفية حدوث مثل هٍذه التحولات الخلقية وذلك بعد الكشف مؤخراً عن نوعين من الجينات التي لها علاقة وطيدة بظهور الأورام السرطانية علي وجه الخصوص، إذا ما حدث أي خلل في وظائفها،
وهذه الجينات بنوعيها ضرورية حتي يمكن للخلايا أن تتكاثر وللجسد أن يجدد خلاياه.
فإذا ما تشوهت أو أصيبت إحداهما بخلل ما، تبدأ الخلايا في النمو بدون أي تحكم وتبدأ الخلايا السرطانية في التكون.
ولمزيد من التوضيح، فيمكن مقارنة مثل هذا الموقف بما سيكون عليه الحال إذا ما انكسرت دواسة الوقود أثناء القيادة وكأن السائق مستمر في الضغط عليها إلي أسفل، دافعاً السيارة إلي مزيد من التسارع، وكذلك إذا ما تعطلت الكوابح أثناء سير السيارة، فالنتيجة واحدة، وهي حدوث الإرتطام ودمار السيارة.
وكذلك الحال في الإصابة بالسرطان، فالنمو غير المحكوم للخلايا يؤدي إلي الإصابة بالسرطان ثم إلي الوفاة.
فعندما تتشوه هذه الجينات عند الولادة، كما هو الحال في حالة الإصابة بسرطان شبكية العين، فإن الأطفال المصابة سريعا ما تموت.
إن الضرر الناتج عن مثل هذه التحولات الخلقية لا ينحصر في مثل هذه الأمثلة فقط، فإن الغالبية العظمي لما تم الكشف عنه من إصابات نتيجة مثل هذه التحولات الخلقية الخلقية إنما هي ضارة، والقليل منها فقط المحايد من حيث الأذي أوالنفع.
وعلي الرغم من كل هذا، فإن المؤمنين بصحة نظرية داروين - مشتملاً علي ذلك من هم من المسلمين- إنما يرون في مثل هذه التحولات التي قد تصل إلي حد التشوه، آلية لإحداث التطور في الخلائق.
فإن كانت الفصائل المختلفة قد تطورت من بعضها البعض كما يدعي النشؤيون فكان لابد من ظهور ملايين التحولات غيرالضارة ولأمكن تواجدها في كل الخلايا التناسلية.
فإن العلم ومن خلال إستمراره في التطور والتقدم قد كشف عن ملايين التحولات الخلقية أو التحولات المضرة وما ينتج عنها من أمراض.
وعلي الرغم من ذلك، فإن نظرية داروين إنما تواجه مأزقاً رهيباً، وهي عجز علماء النمو والإرتقاء عن الإستشهاد بأية حالة من حالات التحول أو التشوه والتى قد زودت ما تحتويه الجينات من خصائص جينية وراثية لأي خلق من المخلوقات.
فها هو Pierre-Paul Grasse أحد أشهر علماء الحيوان الفرنسيين بأكاديمية العلوم الفرنسية، يقارن التحول أو التشوه بالأخطاء الإملائية المحتمل حدوثها عند نسخ إحدي الكتابات الخطية.
فمثلها كمثل الحروف المغلوطة، فإن التحولات الخلقية إنما تقلل من المعلومات الوراثية و لا تزيدها، فهي تضر بتلك الموجودة أساسا.
و يذكر "جراسيه" هذه الحقيقة بالطريقة التالية:
"إن حدوث التحولات الخلقية مع مرور الوقت إنما يحدث دون أدنى انسجام أو ترابط.
فهذه التحولات الخلقية لا تكمل بعضها البعض، كما أنها ليست ذات أثر تراكمي ظاهر عبر الأجيال تجاه اتجاه معين.
فهي تعدل مايستمرفي البقاء، ولكن بدون أدنى نظام بغض النظر عن الكيفية.
فحالما يحدث مثل هذا الخلل أو الإضطراب- و لو كان بسيطا - في كائن منظم، ينتج عنه المرض ثم يعقبه الموت.
فليس هناك أي احتمال لأية تسوية أو أي حل وسط ما بين ظاهرة الحياة و ما بين الفوضى."
فإنطلاقا من هذه الحقيقة، و تبعا لما يقوله جراسيه عن هذه التحولات أو التحولات الخلقية، فعلى الرغم من كثرتها، فهي لا تؤدي الى أي نوع من أنواع التطور".
و يمكن مقارنة النتائج المترتبة عن مثل هذه التحولات الخلقية، بتلك الناتجة عن الزلازل، فكما أن الزلازل تدمر المدن، فإن للتحولات دوما تأثيرا سلبيا على النحو ذاته.
وبناء علي وجهة النظر هذه، فإن إدعاءات النشؤيين في شأن التحولات الخلقية أو التحولات الخلقية وماينتج عنها من تطور، لا أساس له من الصحة (لمزيد من التفاصيل، راجع "خداع النمو والإرتقاء" لهارون يحيي، مطابع طه، لندن 1999)
معلومات الموضوع
الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع
الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)
المواضيع المتشابهه
-
بواسطة شعشاعي في المنتدى الإعجاز العلمي فى القرأن الكريم والسنة النبوية
مشاركات: 1
آخر مشاركة: 26-09-2015, 10:47 PM
-
بواسطة نسيبة بنت كعب في المنتدى شبهات حول القران الكريم
مشاركات: 8
آخر مشاركة: 27-04-2012, 03:00 AM
-
بواسطة سعيد النورسي في المنتدى شبهات حول القران الكريم
مشاركات: 4
آخر مشاركة: 04-09-2011, 09:29 PM
-
بواسطة أسد الإسلام في المنتدى المنتدى العام
مشاركات: 11
آخر مشاركة: 07-10-2009, 02:34 PM
-
بواسطة محمد مصطفى في المنتدى حقائق حول الكتاب المقدس
مشاركات: 0
آخر مشاركة: 07-12-2005, 11:19 AM
الكلمات الدلالية لهذا الموضوع
ضوابط المشاركة
- لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
- لا تستطيع الرد على المواضيع
- لا تستطيع إرفاق ملفات
- لا تستطيع تعديل مشاركاتك
-
قوانين المنتدى

المفضلات