الربيع

كان سيّدنا إبراهيم يفكّر في هداية الناس إلى عبادة الله الواحد . . الناس كلّهم كانوا يعبدون الأصنام
والكواكب ويعبدون الشمس والقمر ، ويعبدون أيضاً النمرود .
حلَّ فصل الربيع وتفتَّحت الورود ، وزاد الماء في النهر .
الناس فرحوا بالربيع ، وبدأوا يستعدّون للإحتفال بموسم الربيع والخصب والنماء .
في ذلك الزمان كان الناس يذهبون إلى خارج المدينة ليقيموا الاحتفال ، يأكلون ويرقصون ، ويلعبون ، بعدها يعودون إلى المدينة ليقدّموا النذور للآلهة في المعبد ويقدّمون الهدايا إلى الكهنة .
الناس كانوا يستعدّون للذهاب خارج المدينة . . سيّدنا إبراهيم لم يستعد ولم يفكّر بالذهاب للاحتفال ، قالوا له : لماذا لا تذهب يا إبراهيم ؟
سيّدنا إبراهيم قال : أنا سقيم .
كان سيّدنا إبراهيم حزيناً من أجل الناس انهم لا يعرفون الطريق الصحيح .
سيّدنا إبراهيم كان يختلف عنهم في كل شيء ، كانت ملابسه نظيفه وكان يقلّم اظافره ويحلق شعره .
ذهب الناس إلى خارج المدينة حتى النمرود والكهنة كلّهم ذهبوا للاحتفال بالربيع .
ظلّ سيّدنا إبراهيم وحيداً في المدينة ، أخذ معه فأساً وذهب إلى المعبد الكبير .
في المعبد آلهة كثيرة كلها مصنوعة من الحجر . .
بعض الآلهة كان صغيراً ، وبعضها الآخر كان كبيراً وكان هناك صنم كبير جداً كانوا يسمّونه " مردوخ " إله الآلهة .
صعد سيّدنا إبراهيم سُلّم المعبد ، كان المعبد خالياً تماماً . . الأصنام فقط كانت موجودة . . ورائحة الدماء واللحوم المتعفّنة .
نظر إبراهيم إلى عشرات الآلهة المزيفة .فكّر في نفسه : كيف يعبد الانسان حجراً لا ينفع ولا يضرّ ؟
الأصنام جامدة في مكانها لا تتحرك ، لا تتكلم ، ولا تفعل شيئاً .
هتف سيدنا إبراهيم بغضب :
الا تأكلون ؟!
وتردّد صوته في المعبد الخالي : ألا تأكلون .
صاح سيّدنا إبراهيم :
مالكم لا تنطقون .
وتردد صوت إبراهيم في فضاء المعبد : ما لكم لا تنطقون .
أراد سيّدنا إبراهيم أن يحطّم هذه الآلهة المزيفة ، أن يثبت للناس انها مجرّد حجارة صمّاء .
لهذا استلّ فأسه وراح يهشم وجوه الآلهة الحجرية . .
كانت الأصنام تتهاوى تحت ضربات الفتى إبراهيم . .
كانت تتهاوى أنقاضاً أمام قدميه .
وصل إبراهيم إلى كبير الآلهة . . انقدحت في ذهنه فكرة .علّق الفتى إبراهيم الفأس برقبة كبير الآلهة .
غادر إبراهيم المعبد بعد أن حوّل الأصنام إلى انقاض ملأت المعبد . . كأن زلزالاً عنيفاً ضربها وحطّمها .
غادر الفتى إبراهيم المعبد ونظر إلى السماء كان هناك سرب من الحمام الأبيض يحلّق في السماء الزرقاء بسلام .
انتهت احتفالات الربيع ، عاد أهل بابل إلى المدينة كان المساء قد حلّ ، وغمر الظلام المدينة .
حان وقت تقديم النذور إلى الآلهة . . . توجهوا إلى المعبد الكبير . . كانوا يحملون المشاعل والنذور والهدايا ويتجهون إلى المعبد في موكب طويل .
الكهنة كانوا يتقدمون الموكب .
وهنا أصيب الكهنة بالدهشة . . الناس أيضاً كانوا ينظرون في ذهول . .
كان منظر الآلهة المحطّمة مدهشاً . . كل الآلهة تحوّلت إلى أنقاض ، ما عدا كبير الآلهة . .
كان سيّد الآلهة ما زال في مكانه جامداً منذ سنين طويلة . . ولكنه في هذه المرّة يحمل على عاتقه فأساً
لم يتقدّم أحد إلى كبير الآلهة ليسأله عمّا حصل
وهو أيضاً ظلّ ساكتاً كعادته لأنه مجرّد حجر
حدثت ضجّة وتساءل الكهنة من الذي تجرأ على تحطيم الآلهة المقدّسة
قال أحدهم : هناك شخص واحد يمكن أن يكون هو الفاعل . . هو الذي تجرّأ على الآلهة وكسّرها .
انّه الفتى إبراهيم . . طالما سمعناه يسخر منها ويقول عنها انها لا تضر ولا تنفع .
الكهنة كانوا غاضبين جدّاً . . غاضبين من إبراهيم انه الوحيد الذي يذكر الآلهة بالسوء

المحاكمة
جاء النمرود إلى المعبد . . لقد حدث شيء خطير يهدّد عرش الملك بالخطر . .
لهذا أصدر النمرود أمراً بالقاء القبض على إبراهيم ومحاكمته في المعبد .
اتخذ القاضي مكانه إلى جانب النمرود ، وكان المعبد يغصّ بالناس .
أحضر الجنود الفتى إبراهيم أوقفوه أمام القاضي والنمرود .


وبدأت المحكمة بحديث القاضي :
نعرف أنك تسخر من الآلهة . . ونعرف أيضاً أنك لم تشترك مع أهل بابل في احتفال الربيع .
والآن أخبرنا عن الذي فعل هذا بآلهتنا . . هل أنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم ؟
قال إبراهيم بهدوء :
بل فعله كبيرهم فاسألوهم إن كانوا ينطقون
الناس جميعاً نظروا إلى كبير الآلهة . . كان يحمل على عاتقه فأساً ، ولكنه لم يقل شيئاً أبداً .
قال القاضي :
ولكنك تعرف ان هؤلاء لا يمكنهم النطق ولا يمكنهم أن يتكلّموا حتى يكون بمقدورهم الجواب
وهنا قال إبراهيم :
فكيف تعبدون ما تنحتون بأيديكم ؟
كيف تعبدون أصناماً حجرية لا تضر‍ّ ولا تنفع ولا تتكلم ولا تستقبل نذوركم وهداياكم
كل الناس في المعبد أطرقوا برؤوسهم . . حتى القاضي أطرق برأسه . . قالوا في أنفسهم إنّ الحق مع إبراهيم ، كيف يكون الحجر إلهاً . . كيف نعبد تمثالاً جامداً لا روح فيه ولا حياة ؟
الكهنة غضبوا ليس في مصلحتهم أن يهتدي الناس ستزول سلطتهم وينتهي نفوذهم لهذا صاحوا :
كيف تغفرون لإبراهيم ما فعله بالآلهة المقدّسة
كيف تتسامحون مع إبراهيم الذي حطّم آلهتنا التي تهبنا الخير والخصب ؟؟
النمرود وقف إلى جانب الكهنة تذكر نبوءتهم القديمة عن الصبي الذي سيكون زوال ملكه على يديه
صرخ النمرود بصوت حانق :
ان ما فعله إبراهيم جريمة وهو يستحق العقوبة .
الناس جميعاً نهضوا إجلالاً للنمرود و تأييداً له . .
النمرود قال :
يحب أن ندافع عن الآلهة المقدّسة . . . وأن يعاقب إبراهيم بالقائه في النار .
الناس جميعاً حتى آزر جدّه هتفوا ضد إبراهيم .
كان هناك أفراد قلائل حزنوا من أجل إبراهيم بينهم سارة بنت خالته ولوط .
كانت سارة فتاة عاقلة آمنت بكلمات إبراهيم ، ولوط أيضاً هو الآخر كان مؤمنا بالله الواحد الأحد وبرسالة سيّدنا إبراهيم .
القي سيّدنا إبراهيم في السجن إلى حين تنفيذ الحكم .
النار التي أريد القاء إبراهيم فيها ، كانت عظيمة . . كبيرة جدّاً لهذا بدأوا بجمع الحطب .
مضت أيام وليالي وهم يجمعون الحطب . . كلّ الناس الوثنيين كانوا يسهمون بجمع الحطب من أجل الثأر للآلهة المحطّمة !
في تلك الفترة أراد النمرود أن يجادل إبراهيم حول الاله الواحد
جاء إبراهيم إلى قصر النمرود ، وقف أمام النمرود لم ينحن له ولم يسجد لم يركع له ولم يخضع .
سيدنا إبراهيم لا يخاف أحداً إلاّ الله ولا يعبد أحداً إلاّ الله سبحانه .
قال النمرود بغرور :
من هذا الاله الذي تعبده يا إبراهيم ؟
قال سيّدنا إبراهيم :
إنني أعبد الاله الذي يحيي الموتى ، ويميت الأحياء .
قال النمرود باستعلاء :
أنا أحي وأميت
صفق النمرود بيده وصاح :
أحضرو سجينا وشخصاً آخر محكوماً بالموت .
جاء الحرّاس ومعهم شخصان مقيدان بالسلاسل والأغلال .
قال النمرود للجلاّد :
اضرب عنق هذا السجين ، وأطلق سراح المحكوم بالموت .
التفت النمرود لإبراهيم وقال :
هل رأيت لقد امتّ الحيّ وأحييت الميت ؟
سيّدنا إبراهيم أعرض عن مجادلة النمرود في هذا الموضوع . . لأن ما فعله النمرود لم يكن صحيحاً لهذا قال له .
ان ربّي الذي أعبده جعل الشمس تطلع من المشرق فهل يمكنك أن تجعلها تطلع من المغرب .
فوجئ النمرود بسؤال إبراهيم !! ان أحداً لن يملك القدرة على ذلك ، لهذا بهت النمرود الكافر ولم يقل شيئاً .