لا أحد يتكسب بفعل غير مشروع

أشرنا فيما مضى من فصول هذا الكتاب إلى حقيقة أن الناس المحرومين من قيم الدين لا يدركون حقيقة اليوم الآخر ولذلك تصبح الدنيا أكبر همهم ولا يعرفون حدودا في انسياقهم وراء شهواتهم. فهؤلاء الناس لا يتورعون عن عمل أي شيء في سبيل إشباع رغباتهم ولو أدى بهم ذلك إلى التضحية بكرامتهم. فهم، حسب منطقهم المعوج، سيموتون في نهاية المطاف ويتحولون إلى تراب ولذلك يتعين عليهم أن يستمتعوا بكل لحظة من حياتهم القصيرة. فيصبح المال بغيتهم الأولى وذلك لأنه في نظرهم الطريق الموصلة إلى النجاح والوسيلة التي يحصلون بها على ما يريدون. وهنا يتجلى ضعفهم الأخلاقي فيتكون لديهم استعداد لعمل كل شيء يجلب لهم المال بطريقة هينة ميسورة.
حري بهؤلاء الناس أن يقعوا في كل ما يمكن تصوره من ألوان الشرور كالخداع والخيانة والغش والسرقة والنصب والابتزاز وشهادة الزور. وإن في الأخبار التي تفيض بها الصحف اليومية عن هذه الممارسات لتأكيد لهذه الحقيقة، فمن منا لم يسمع بجرائم القتل التي أرتكبت بغرض الحصول على ميراث القتيل، ومن منا لم يسمع بتشجيع أناس لزوجاتهم وبناتهم وجيرانهم على ممارسة البغاء للحصول على المال أو غير ذلك من ضروب الغش.
لكن المؤمنين يعلمون أن الله هو الرزاق المتين. وليس معنى ذلك أنهم يجلسون في بيوتهم ينتظرون الرزق أن يأتيهم بل يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله، لكن طمعهم في الدنيا محدود ولا يرد على خواطرهم هم باكتساب العيش من غير وجوهه المشروعة. إنهم يدركون أن رضوان الله لا ينال ألا بالصدق وبالتقوى، كما جاء في الحديث: "إن الله يحب المؤمن يحب أن يكون رزقه حلالا" (الطبراني). لكن الله يكافئهم على زهدهم في الحياة بأن يسبغ عليهم آلائه الكثيرة.
ماذا يحدث للمجتمعات عندما يتشبث أفرادها بأخلاق الإسلام؟

إن وجود قيم الدين يملأ النفوس بحب الله. ولهذا الحب تأثير إيجابي بالغ على الناس كافة. إن تطلع المؤمنين إلى نيل رضا الله وعفوه يدفعهم إلى التحلي بأفضل الأخلاق وإبداء المحبة والاحترام لبعضهم البعض فتتخلل معاني الرحمة والتسامح والعطف جميع مفاصل المجتمع ويتسابق الناس ويتنافسون على فعل الخيرات.
وفي المقابل، تحول خشية الله بين الناس وبين الوقوع في الإثم وبهذه الطريقة يقضى بسهولة على كل أنواع الشر وينفذ دفء الدين وروحه إلى سائر جوانب الحياة. ولا ريب أن المقصود بالدين هنا هو العقيدة الأصلية التي جاء بها القرآن والاستمساك بها بتجرد وإخلاص.
إن للأسرة وظيفة جوهرية في تكوين وبقاء أي مجتمع من المجتمعات. وحين يتمسك الناس بمبادئ الدين ويقيموا لها وجوههم تزدهر العلاقات وتقوى بين أفراد الأسرة ويسود الحب والاحترام الحقيقيين. وحين تفقد الأسرة يفقد مفهوم الدولة معناه، وذلك لأن الأسرة والدولة مفهومان متداخلان. إن تفكك الأسرة يعجل بنهاية المجتمع والدولة. وفي المجتمعات البعيدة عن هدى الدين ينزع الناس إلى التمرد والفوضى والخروج على سلطان الدولة. وإذا دعت الحاجة إلى إظهار القيم الأخلاقية وحمايتها يحجم الأشخاص الذين تخلو قلوبهم من خوف الله عن المشاركة في تحقيق هذا الهدف. وحين تتعارض مصالح المجتمع مع المصالح الشخصية يسارع الأشخاص المجردون من قيم الدين، حكاما كانوا أو محكومين، إلى تفضيل مصالحهم الفردية. ومما يجدر ذكره هنا أن هذا التفضيل للمصالح الشخصية يحمل صاحبه إلى التهرب من خدمة قومه حين تدعو الحاجة. ولهذا فليس بمستغرب أبدا أن يمارس هؤلاء الأشخاص أنشطة إرهابية. لكن الشخص المقتدي بهدي الدين لا يفرط في واجباته الوطنية بل لديه استعداد لتعريض حياته للخطر ذبا عن القيم التي يؤمن بها. إن مصالح الوطن في نظر مثل هذا الشخص مقدمة على مصالحه الشخصية.
في المجتمعات التي يسود فيها الوعي الديني يشعر الطلاب بالحب والاحترام تجاه الدولة ويدعمونها ولا يهاجمون قوات الشرطة أو قوات الجيش كما يحدث في المجتمعات الأخرى. إنهم يثمنون دور قوات الشرطة والجيش في حفظ الأمن. ويثق أفراد المجتمع بوجه عام بدولتهم وجيش وشرطة بلادهم ويعينونهم. وتنتهي انتفاضات الطلاب والصراعات بين الأخوة والنزاعات بين اليمين واليسار. وذلك لأنه لا يبقى شيء يشتجر حوله الناس بعد أن توحدت كلمتهم بشأن كتاب الله وما فيه من تعاليم تحث على التعاون والتعاضد.

إن حكم الدولة يصبح في ظل هذه الأوضاع سهلا ميسورا ويعم الأمن والرخاء ربوع البلاد. أما الأشخاص الذين يتولون إدارة شئون البلاد فيعاملون مواطنيهم برفق وإنصاف ولا يسومونهم الظلم والخسف. ويرد المواطنون التحية بأحسن منها فيحترمون مسئوليهم. ولا ريب أن دولا بهذا الوصف لتنهض على أساس متين.
إن البعد عن أخلاق الإسلام يجعل الأب عدوا لابنه وبالعكس، ويولد الشقاق بين الاخوة، ويدفع أصحاب العمل إلى ظلم موظفيهم وهكذا تنتظم الفوضى الاجتماعية كافة قطاعات المجتمع، فتتوقف المصانع والشركات عن العمل بسبب الفوضى ويستقل الأثرياء عرق الفقراء. أما في مجال العمل التجاري فيغلب الغش على كافة المعاملات. وهكذا تصبح الفوضى والصراعات طريقة حياة لأفراد المجتمع. وسبب ذلك كله تجرد الناس من خشية الله. وذلك لأن الشخص الذي لا يرجو لله وقارا لا يتورع عن الظلم أو عن اللجوء إلى العنف المفرط والقسوة، بل وحتى القتل. كما يدفعهم موت الضمير إلى الإصرار والتبجح بفعالهم المقبوحة. وعلى النقيض من ذلك فإن الشخص الذي يخاف عذاب الله الذي أعده للظالمين يوم القيامة يحجم عن إتيان هذه المعاصي. إن منظومة الخلق الإسلامي تمنع وقوع هذه الأفعال وذلك لأن كل شيء يعالج برفق وهدوء وبالتي هي أحسن، فلا أخطاء ولا تجاوزات قانونية تحدث وتخلو ساحات المحاكم ومراكز الشرطة من القضايا والمرافعات.
إن الاستقرار العقلي الذي ينعم به أفراد المجتمع قاطبة يعود بالخير والبركة على المجتمع. وتنتعش حركة البحث العلمي فلا يمر يوم دون حدوث تقدم تقني أو اكتشاف علمي جديد ثم يسخر كل ذلك في خدمة المجتمع ككل. وتزدهر الثقافة ويسعى القادة لتحقيق الرفاه العام للمجتمع. وهذا الازدهار هو نتيجة لتحرر أرواح الناس وعقولهم من الضغوط. وذلك لأن هدوء البال يشحذ الذهن ويعمّق الفكر. إن الحياة القائمة على الاستقامة الخلقية تجلب للناس السعادة والنجاح الاقتصادي والزراعي والصناعي.
إن الفقر والجوع وسفك الدماء والعنف الذي ينتظم العالم تعود جذوره إلى المنطق الذي يعد جميع هذه الشرور أمرا معتادا ولا مناص منه. ويسمح هذا المنطق بقتل النساء والأطفال المساكين لا لشيء إلا لأنهم ينتمون لعرق آخر، أو يسمح بتجويعهم في الوقت الذي يعاني فيه الآخرون ممن التخمة. وجميع هذه الأمور تحدث لأن هذا المنطق المذكور يعدها من "قوانين الحياة الثابتة". لكن هذا العنف ليس "قانونا من قوانين الحياة" بل هو أحد "قوانين الكفر". وهذه البشاعات ستتلاشى إلى الأبد وسيسود العدل والرحمة ربوع العالم إذا آب الناس لقيم القرآن.
أما في مضمار الفنون والآداب فتحدث نهضة كبيرة. فالناس الذين تتبخر أحلامهم ويضيق أفقهم بما يجابهون من فتن وأزمات يومية يمكنهم التخلص من هذه المشكلات بالتشبث بقيم الدين. وكأثر لذلك يبدع الناس في الفنون وتبلغ قدراتهم ومواهبهم غايتها القصوى. والشخص الذي يدرك أن الله قد نفخ فيه من روحه وبشره بجنة تزخر بالمجد والفن وغير ذلك من آلاء يأتي دونها الحصر يتولد فيه تشوف وتطلع إلى بلوغ غايات الكمال الفني والجمالي. وفوق ذلك، فإن الحب الذي تنطوي عليه جوانحه لمن حوله من الناس سيعزز التزامه بتقديم أفضل ما عنده.
لكن الناس المحرومين من أخلاق وقيم الدين لا تجد فيهم اهتماما ولا تطلعا إلى إثراء أرواحهم. فلا يشعرون البتة بالرغبة في التعامل مع الآخرين بخلق حسن وذلك لأن هؤلاء الآخرين ليسوا في نظرهم سوى أحفاد قرود مآلهم إلى الفناء. وغاية هؤلاء الناس في الحياة هي أن يتبعوا شهواتهم التي تمليها عليهم غرائزهم الأنانية الحيوانية. غير أن تتبع شهوات النفس لا يسعد الروح الإنسانية ولا يزكيها بل يصيبها بالتبلد والتحجر. فهؤلاء الناس لا يرجى منهم إضافة شيء ذي بال إلى الفن والأدب، كما أنهم يفقدون القدرة على تذوق الفن والجمال والانفعال بهما. والبلد الذي لا يستمتع أهله بالفن والجمال الحقيقي يصاب أهل الفن والأدب فيه بالإحباط فتعقم قرائحهم أن تنتج إبداعا فنيا حقيقيا. ويغدو الجري وراء المال والشهرة الهدف الأول للفنانين والأدباء فتأتي أعمالهم الفنية ممسوخة وزائفة.
وختاما، فإنه حين يتمسك الناس بقيم الدين التي جاء وصفها في القرآن تستحيل حياتهم إلى فردوس ويغدو الانسجام والتناسق الاجتماعي الذي هفت إليه أفئدة الناس في كل العصور وأصبح في نظرهم حلما صعب التحقق، يغدو واقعا معاشا في فترة زمنية قصيرة.
قيم القرآن هي الحل
تطرقنا عبر فصول هذا الكتاب إلى وجهة نظر وأنماط سلوك الأشخاص البعيدين عن قيم الدين وناقشنا السمات الأساسية للمجتمع الذي يتكون من مثل هؤلاء الأفراد. وحللنا طريقة عيشهم الموبوءة بالمشكلات والأزمات المعضلة وما يترتب عليها من ضرر نفسي وجسدي. كما تعرضنا بالوصف للحياة المباركة لمجتمعات المؤمنين وذكرنا أن ما تتسم به حياة المؤمنين من سلام وأمن ليس سوى انعكاس لحقيقة أن القرآن يطرح الحلول لكافة أنواع المشاكل. بل يوفر القرآن الحل الأنجع والأعقل لأي مشكلة أو معضلة كانت.
إن التمسك بأخلاق القرآن يسكب السعادة والأمن في الروح الإنسانية ويضع حدا لكل صنوف الظلم والصراعات والحروب والإجحاف والسرف والقلق والتعصب والقسوة والعنف. ويرشد ويوجه العلاقات الاقتصادية والتجارية والاجتماعية ويضع حدا للتدافع بين أفراد الأسرة والأقارب والمجتمع ككل. لقد جاء القرآن بأفضل وأكمل وأنجع الحلول. وفوق ذلك، يرشد القرآن الإنسان إلى أقوم الخلق وأفضل السلوك للتعامل مع أي قضية وفي ظل أي ظرف. وإن مجتمعا يكون أفراده مثالا يتجلى فيه هذا السمو الأخلاقي سيهتدي إن شاء الله إلى أفضل الهياكل الاجتماعية التي لهث وراءها البشر من قديم العصور. إن اشتمال القرآن على حلول لجميع المشكلات تبينه الآية التي يقول فيها رب العزة: "لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَـكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُون" (يوسف: 11)
لا يمكن للناس بدون هدي القيم الإسلامية أن يأتوا بحلول عملية لمشكلاتهم الشخصية والاجتماعية. والحق أن التاريخ يزخر بمشكلات كثيرة ظلت بلا حل حتى نزول القرآن. وطالما استمر الإنسان في تجاهله للدين الحق فإنه لا محالة سيواجه مشكلات وأزمات يعجز عن التعامل معها. وهذا هو المصير الذي ينتظر الغافلين عن الدين في الحياة الدنيا أما العذاب الذي ينتظرهم في الدار الآخرة فهو أنكى وأبقى.
إن الله هو وحده المحيط بأحوال الإنسان، وقد زود الله الإنسان في كل العصور بكل أنواع التفسيرات والتوضيحات والمعارف من خلال الدين الحق. ويخبرنا الله في القرآن أن الإنسان سينال السعادة في الدنيا إذا اقتفى أثر القرآن: "مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُون" (النحل: 97).لكن إذا أصر الإنسان على التنكر لهدي الله وأخلد إلى الأرض واتبع هواه فستناله سيئات ما قدمت يداه. وذلك لأن تجاهل القرآن يعني الحرمان من نور الله. فلا تجارب الإنسان الشخصية ولا تجارب الأجيال السابقة ستغني عن الإنسانعند التعامل مع المشكلات التي سيواجهها في مسيرة حياته. بل سيغرق في مستنقع الغم والهم والضغط النفسي والحيرة والفشل. وبعد حين سيستسلم هذا الإنسان لهذا الوضع ويحيا حياته الحاضرة معتقدا أن النكبات التي تحل به، والتي هي في الحقيقة ثمرة للكفر، حقائق حياتية لا تتغير.
إن سبيل الخلاص واضحة بينة، ألا وهي الالتفات إلى الله خالق الكون والركون إليه وابتغاء السعادة وراحة البال في التمسك بالدين الذي ارتضاه الله لنا. لقد أخبرنا الله تبارك وتعالى أن الالتفات إلى الدين هو طوق النجاة في الحياة وبشرنا أنه سينجي عباده المخلصين من الخوف بشرط أن يسمعوا ويطيعوا له: "وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُون" (النور-55)
المصدر : موقع هارون يحيى www.harunyahya.com