الآثار السلبية للكفر على جسد الإنسان
كما أن للكفر آثاراً ضارة على المجتمع فكذلك له أثر ضار على سلامة الأفراد الجسدية والروحية، وسنتعرض في هذا الفصل لهذه الأضرار الروحية والجسدية.
كما مضت الإشارة فيما مر فإن الأشخاص الذين لا تظللهم أخلاق الإسلام يعيشون في قلق وتوتر دائمين، وهو أمر يسبب لهم أمراضا نفسية لا حصر لها. فأجسادهم تسرع إليها الشيخوخة، وذلك أن ضرر معاناتهم الروحية يمتد إلى أجسادهم فيضعفها بالأوجاع.
وهذه الآثار يمكن أن تطال حتى الأشخاص الذي يتمتعون بالصحة والشباب والجمال. إذ تبدو أعراض التغييرات الفسيولوجية ويبهت لون الشعر والعينين ويزداد تساقط الشعر والصلع في أشخاص صغار السن لكن هذه الأعراض لا تظهر عند الأشخاص المتدينين من نفس الفئة العمرية. ولأسباب فسيولوجية يخشوشن الجلد ويغلظ ويفقد نعومته في وقت قصير ثم لا يلبث أن تظهر على الجلد إمارات الاعتلال. ولا ريب أن لعدم التزام هؤلاء الناس بإرشادات القرآن المتعلقة بالنظافة دخل كبير في ذلك. وهذه ظواهر مشاهدة على نطاق واسع في المجتمعات البعيدة عن أخلاق الإسلام وعن هدي القرآن. فهي من الشيوع بحيث تعد ظاهرة طبيعية. إنهم يلقون جزاء كفرهم في الحياة الدنيا وحين تقوم الساعة ينالهم عذاب أشد وأمض.
أما المؤمنون فيحتفظون بحيويتهم وذلك بسبب تمتعهم بالصحة والاستقرار النفسي وسلامتهم من مشاعر الأسى والضغط النفسي واليأس. ولا غرو، فأن توكلهم على الله وحسن ظنهم به وطمعهم في رحمته يؤثر إيجابا على صحتهم الجسدية. وينسحب هذا الوصف على أصحاب الضمائر الحية من الناس الذين يؤمنون بالله حقا.
صحيح أن المؤمنين يمرضون ويشيخون لكن هذه الأحوال ليست وليدة أسباب نفسية كما هو الحال لدى غير المؤمنين، فالمرض والموت والكبر حتم مقضي على الناس كلهم. إلا أن سرعة وضراوة هذه العمليات لها علاقة مباشرة بالسلوك النفسي السلبي الذي يغلب على الشخص بسبب تنكبه طريق الإيمان. فالشخص الذي يقضي حياته كلها مطمئن القلب تملأ جوانحه الثقة بخالقه ويرجو خيرا في كل شر يعرض له، سيعيش سعيدا هانئ البال فيسلم بذلك من غواشي القلق والخوف وما تلحقه بصحته من أذى.
إن مجتمعا يغفل أهله عن قيم الدين حري بأن يحرم من الأمن والطمأنينة التي يسكبها الدين في قلوب من يتشبثون به، وسيذوق الثمار المرة لهذه الغفلة من أذى نفسي وجسدي. وأمثلة ذلك كثيرة ومشاهدة في المجتمعات التي تفسق عن أمر ربها.
وثمة علتان في عصرنا هذا ترتبطان بمصطلح "أمراض العصر" ألا وهما الاكتئاب والضغط النفسي. وهاتان العلتان يعاني منهما كل الناس ولكنهما ترتبطان أيضا باضطرابات فسيولوجية.
إن أشهر الاضطرابات التي ترتبط بالضغط النفسي والاكتئاب تتمثل في ثنائي: إدمان تعاطي المخدرات والأرق. ثم تأتي بعد ذلك الأمراض الجلدية والباطنية بالإضافة إلى الاضطرابات المرتبطة بضغط الدم والكلى والجهاز التنفسي والحساسية والانفلونزا والصداع النصفي والذبحة الصدرية وتضخم المخ. إن من الخطأ طبعا إرجاع أسباب هذه الأمراض إلى الضغط النفسي والاكتئاب وحدهما. إلا أن البحوث الطبية أثبتت أن هذه الأمراض ترجع في كثير من الأحيان إلى مشكلات نفسية.
إن الشخص الملتزم بمبادئ الدين يجعل توكله كله على الله ويؤمن بالقدر خيره وشره. كما يدفعه علمه بحب الله لعباده الصالحين، إلى التصرف بطريقة ينال بها رضا ربه. وفي النهاية فإن إحسان المرء في كل الظروف، يجلب نوعا من الطمأنينة التي يجدها المرء حين يستجيب لداعي ضميره.وإن حدث أن نزلت بساحة المؤمن ضراء فإنه يعلم أنها ابتلاء من الله فيتعامل معها وفق مقررات القرآن، فلا يستسلم لمشاعر الأسى واليأس والضيق. إن تركيزه على الفوز في الآخرة يجعل همه الأكبر هو أن يتصرف بطريقة تضمن له الفوز برضا الله حين يقوم الناس لرب العالمين. إن قوة إيمانه بالله تحصنه من بأس النوازل فيثبت جنانه. وهذه الطمأنينة ورباطة الجأش تعجم قناته وتقويه.
شتان بين العيش وفق مبادئ الدين والتنكر لها. إن أقصى ما يأمله الكافر ويرجوه هو أن "يعيش حياته طولا وعرضا" وأن يحافظ على قوته وصحته ليستمتع بالحياة. وهو بهذا المعنى شديد الارتباط بجسده الذي يقربه إلى طموحه هذا زلفى. وهذا، حسب اعتقاده، أفضل شيء يفعله. لكنه اعتقاد بيّن الخطأ واضح الخطل. إن شروده عن هدى القرآن يقربه من هلاكه وبواره بدلا من أن يكسبه حياة هانئة. فهو سيذوق من العذاب الأصغر في الدنيا دون العذاب الأكبر الذي ينتظره في يوم الحساب. وبهذا يغدو الجسد الذي أريد له أن يستمتع بكل مباهج الحياة عرضة لأضرار فاتكة.
لقد خلق الله عقل وجسد الإنسان لكي يلتزما بالعيش وفق هدى الدين. وقد هيأهما الله للعمل في إطار نظام تسوده قيم الدين وزودهما بمزايا وسمات ملائمة. فإن سخّر الجسد لغاية غير الغاية التي من أجلها خلق أسرع إليه الفساد وحل به الخراب. والواقع أن جسد وعقل الإنسان خلقا متشابكين متصلين. ولأن الله خلقهما فمن الضروري أن يسخرا في خدمة الغاية التي من أجلها خلقا.
في المجتمعات التي لا تلتزم بقيم الإسلام يكون الحزن والغم والضغط النفسي والسخط جزءا من حياة الناس اليومية. والحق أن كل شيء لا يحدث إلا بإذن الله، والناس الذين يقرون بهذه الحقيقة يتوسمون الخير في كل الحوادث والنوازل. أما الكفار فسيعلمون بعدم جدوى الأحداث التي أصابتهم بالهم والحزن أو الغضب حين يأتيهم الموت: " كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُون " (البقرة: 216)
أوضحنا فيما مضى من فصول هذا الكتاب كيف أن روح الإنسان تكون عرضة لعنت رهيب في هذه الحياة الدنيا متى ما تنكب الإنسان الجادة التي رسمها الله وأراد له السير فيها. كما يعاني الناكبون عن صراط الله المستقيم من رهق جسدي. إن قوة الرابطة بين الروح والجسد تتبدى في كثير من الأمثلة في المجتمع. فقد لوحظ أن الأشخاص الذين ينعمون بالاستقرار النفسي وهناء العيش، والذين ينظرون لكل حادثة بإيجابية ويرجون المنح من وراء المحن ولا يغلب عليهم التشاؤم ولا يستولي عليهم الغضب يحافظون على حيويتهم إلى آخر أيام حياتهم ويشيخون بإيقاع بطيء. وهذا هو السبب الذي يجعل المجلات والصحف الطبية والصحية تؤكد على وجوب أن يتعامل القراء بإيجابية مع أحداث الحياة ليضمنوا لأنفسهم عيشا سعيدا. وتجمع هذه المجلات على ضرورة أن يحافظ الإنسان على هدوئه وأن يكون متفائلا بغض النظر عن الظروف التي تمر به. لكن الإنسان إذا تأمل في هذه النصائح فسيجد أنها جميعا مزايا يمكن للمرء نيلها بالالتزام بمبادئ الدين. فبدون الالتصاق التام بأخلاق القرآن لا يتسنى للناس التحكم التام بأمزجتهم.
تجاهل قيم الدين يسبب التوتر النفسي
يرجع الضغط النفسي، ذلك الوباء المقلق والواسع الانتشار، إلى أسباب نفسية. وهو عبارة عن حالة عامة من التوتر الذهني والجسدي الذي يسببه الخوف واليأس والقلق ومشاعر أخرى كالخوف من فقدان الوظيفة والخوف من الإصابة بالمرض أو الخوف من موت أحد أفراد الأسرة.
يستجيب جسم الإنسان للضغط النفسي بإحداث سلسلة من التفاعلات البيوكيماوية. ولهذا يزداد معدل هرمون الأدرنالين في الدم ويصحب ذلك ارتفاع شديد في معدل استهلاك الطاقة وتسارع تفاعلات الجسم. وفي غضون ذلك تتسرب مواد السكر والكولسترول والأحماض الدهنية إلى مجرى الدم فيرتفع نتيجة ذلك ضغط الدم وتزداد ضربات القلب.
تحدث حالات الضغط النفسي المزمن ضررا بالغا بجسم الإنسان ولا سيما في وظائف الجسم. كما يحدث الضغط النفسي ارتفاعا كبيرا في نسبة هرموني الكورتيزون والأدرنالين. كما يحدث الجلكوز المتجه إلى المخ ارتفاعا في معدل الكلسترول معرضا الجسم لمخاطر شديدة. ويسبب الضغط النفسي أمراض القلب وارتفاع ضغط الدم والاكتئاب وإصابات في الجهاز التنفسي والجلد وداء الصدف إلى جانب مشكلات صحية كثيرة أخرى.
تشير مصادر علمية كثيرة إلى وجود علاقة مهمة بين الضغط النفسي والتوتر والآلام التي يسببها. فقد أشارت الدراسات أن التوتر الناشئ عن الضغط النفسي يحدث تقلصا في الأوردة مما ينتج عنه إعاقة تدفق الدم لمناطق معينة من المخ. وتحدث هذه العملية نقصا حادا في كمية الدم التي تصل إلى هذه الأجزاء من المخ. وفي غضون ذلك يحدث حرمان هذه الأجزاء من الدم لفترات طويلة أضرارا بأنسجتها. ففي حالة الضغط النفسي تزداد حاجة النسيج المتوتر إلى قدر أكبر من الأوكسجين لكن عدم حصوله على قدر كاف من الدم يدفعه إلى تنبيه أجهزة استشعار الألم. وفي غضون هذا التوتر يتم إفراز هرموني الأدرنالين والنورأدرنالين، وهما هرمونان يؤثران على الجهاز العصبي، مما ينشأ عنه بصورة مباشرة أو غير مباشرة زيادة في توتر العضلات. ويولد هذا التوتر آلاما ثم تبدأ بعد ذلك دورة شريرة من ألم يحدث توترا يفضي إلى قلق ينشئ آلاما حادة.
إن الذبحة الصدرية هي بلا شك إحدى أخطر الاختلالات الجسدية الذي يسببها الضغط النفسي. وتشير كثير من الدراسات والبحوث إلى أن خطر الإصابة بالذبحة الصدرية يزيد عند الأشخاص المصابين بالقلق وحدة الطبع وسرعة الانفعال ويقل عند الأشخاص الذين لديهم قدرة على السيطرة على أنفسهم عند الغضب. وطبقا للبحوث العلمية التي أجريت في هذا الصدد فإن الإثارة الشديدة للجهاز العصبي المتجانس تحدث زيادة في معدل الأنسولين في الدم والذي يشكل بدوره تهديدا كبيرا للصحة وذلك لأن جميع الحالات التي تؤدي إلى مرض الشريان التاجي لا يفوق ضررها الضرر الذي تسببه زيادة معدل الأنسولين في الدم.
إن هذه الحالة غير العادية التي تصيب جسم الإنسان واستمرارها لمدة طويلة من الوقت تلحق ضررا بالغا بالصحة وبالتوازن الطبيعي للجسم. إن أهم مخاطر الضغط النفسي على جسم الإنسان تتمثل في الآتي:
-الهم والخوف: قلق الشخص من فقدان السيطرة على الغضب في حياته
-التعرّق: كثافة العرق والحاجة إلى الاستخدام المتكرر للمرحاض
-تغير الصوت: تلعثم وارتعاد الصوت
-حالة النشاط الفائق: نوبات مفاجئة من تفجر الطاقة وضعف التحكم بمعدل السكر في الدم
-الأرق: الكوابيس
-أمراض الجلد: النمش والحمى والإكزيما وداء الصدف
-أمراض الجهاز الهضمي: سوء الهضم والقرحة والغثيان
-الشد العضلي: آلام الفك والظهر والعنق والكتفين
-إصابات طفيفة: الانفلونزا وغيرها
-الصداع النصفي
-تزايد ضربات القلب وألم الصدر وارتفاع ضغط الدم
-اضطرابات الكلى وبقاء السوائل داخل الجسم
-اضطرابات الجهاز التنفسي وضيق التنفس
-الحساسية بأنواعها المختلفة
-الذبحة الصدرية
-ضعف جهاز المناعة
-تضاؤل حجم المخ
-الشعور بالذنب وفقدان الشعور بالأمان
-الاضطراب وضعف القدرة على إصدار أحكام متوازنة والعجز عن التصور وضعف الذاكرة
-حدة التشاؤم والقناعة القوية بالفشل
-صعوبة الوقوف المستقر
-عدم أو ضعف التركيز
-توتر الأعصاب وفرط الحساسية
-التصرف بشكل غير عقلاني
-فقدان شهية الطعام أو شدة الجوع
إن الضغط النفسي بلاء يصيب الأشخاص الذين يجهلون المنافع التي يجلبها الالتزام بأخلاق الإسلام. وليس لهم نجاة من هذا العذاب طالما ظلت أفكارهم ونظرتهم إلى الحياة وأحداثها على ما هي عليه من جمود. وهذه الحقيقة تؤكدها توصيات الخبراء فيما يتصل بالتعامل مع الضغط النفسي. ولنوضح هذا الأمر بضرب المثال الآتي: يحث دين الله على "التغلب على الغضب". والخبراء يعلقون على الغضب، وهو أحد أهم مسببات الضغط النفسي، على النحو التالي: " لا تفقد أعصابك مهما كان مقدار الاستفزاز الذي تشكله الحالة الماثلة. لا تلجأ للعنف (إلا في حالات الدفاع عن النفس) ولو شعرت بأن لك الحق في اللجوء إلى العنف".
وكما رأينا فيما مر فإنه كلما أفلح المرء في المحافظة على هدوئه ورباطة جأشه كلما زاد حظه من السلامة من كثير من الأمراض. إن هذه حقيقة يؤكدها العلم. ومما لا شك فيه أن هدوء البال وطمأنينة النفس لا ينالا إلا بالتمسك بالدين.
الاختلالات المناعية الناشئة من الضغط النفسي
ثمة علاقة وثيقة بين الضغط النفسي وجهاز المناعة. وللضغط النفسي أثر سلبي بالغ على جهاز المناعة، فالضغط النفسي يدمر جهاز المناعة. ففي حالة الضغط النفسي يزيد المخ من معدلات هرمون الكلسترول في الجسم مما يضعف جهاز المناعة. وبعبارة أخرى، هناك ارتباط وثيق بين الهرمونات وجهاز المناعة.
لقد أظهرت الدراسات في مجال الضغط النفسي والجسدي أن حدة الضغط النفسي وبقاءه لمدة طويلة يضعف مقدرة جهاز المناعة على المقاومة تبعا للتوازن الهرموني للجسم. وقد أثبتت آخر الدراسات أن كثيرا من الأمراض، بما في ذلك السرطان، تظهر وتحتد تبعا للضغط النفسي. وهذا هو ما يجعل لهدوء البال وصفاء المزاج دور كبير في الحفاظ على سلامة أعضاء الجسد بوجه عام. وقد ظهر أن هذا الاستقرار النفسي يمنع ظهور طائفة من العوامل التي تقود إلى الإصابة بالأمراض. والحق أن الإيمان بالله يفرز مثل هذه النظرة التي تعين الفرد على التمتع بسلامة العقل والجسم. إن النظرة الإيجابية إلى كل حادثة تعرض للمرء هو نوع من العبادة بشرط أن يكون الطمع في إرضاء الله هو الدافع إلى هذا السلوك. إن القرآن يرشد المؤمنين إلى إحسان الظن بالله والثقة به والأمل فيما عنده ويسهل لهم سبيلا إلى النجاة والفوز في الدار الآخرة بالإضافة إلى ما يحققه لهم في الحياة الدنيا من حياة سعيدة وهانئة ومباركة. على أن هذا هو فقط جزء من الفضل الجزيل الذي وعد الله الذين يلتجئون إليه ويقتدون بهديه. وليس معنى ذلك أن المؤمنين لا يمرضون ولا يصيبهم مكروه، بل الأمر ببساطة هو أن المؤمنين، مقارنة بغيرهم، أقل تعرضا للأمراض وذلك لأنهم بمفازة من الضغط النفسي وتعكر المزاج.
هناك أمر مهم تجدر الإشارة إليه، وهو أن الناس لا يفزعون إلى الدين هربا من الأمراض. لكن الثقة بالله والتسليم لأمره واتباع النور الذي أنزله يفضي إلى العافية في العقل والجسد. وبعبارة أخرى، فإن سلامة صحة المؤمنين لها علاقة بقوة إيمانهم وصلابة بنيتهم الروحية.
وبصريح العبارة فإن إنسان القرن الحادي والعشرين بحاجة إلى تحقيق شيء واحد هو: أن يعود لفطرته الأولى التي فطره الله عليها وأن يلتزم بمبادئ الدين، لأنه إن لم يفعل حصد الخيبة والخسران في الدنيا والآخرة.
التشبث بقيم الدين يحل جميع المشاكل الاجتماعية
ناقشنا بتفصيل فيما مر من فصول هذا الكتاب الحالة العقلية وسمات الأشخاص الغافلين عن قيم الدين والسلوك الإنساني الذي تحدثه هذه الغفلة. وسنبين في هذا الفصل كيف أن التشبث بقيم الدين يعين على حل مشكلات اجتماعية استعصت على الحل لعقود متطاولة من الزمن.
تلاشي كافة ألوان الفساد والانحطاط

إن التفسخ الأخلاقي هو أبرز سمات المجتمعات البعيدة عن هدي الدين. ويتخلل هذا التفسخ كافة مستويات المجتمع ويزداد حدة وتمكنا بمرور الوقت. ويفاقم من هذا التفسخ غفلة الناس عن هدي القرآن وافتقارهم إلى قيم الخوف من الله والرغبة في نيل رضاه. ولا جرم أن في هذه المجتمعات بعض التقاليد والأعراف والقوانين الاجتماعية التي طورها الأفراد والقادة والتي تسهم في تشكيل السلوك العام للمجتمع، لكن لأن هذه الأعراف والقوانين هي نتاج للعقل البشري ولا يرفدها خوف من الله، فإن أثرها على المجتمع ضعيف ولا تستطيع أن تقضي على السلوك المعوّج.
والدليل على ذلك أنه لا يوجد سبب يمنع الشخص المنحرف من الإمعان في الفساد. تأمل مثلا في حال أحد ملاك الشركات، فهو إن لم يكن يؤمن بالله ولا يخاف عقابه فمعنى ذلك أنه قد وطن نفسه على التصرف بشكل غير أخلاقي وأصبح متحفزا لاستغلال كل سانحة لتمرير قراراته ووضعها موضع التنفيذ. وهو لا يرى بأسا بإساءة معاملة موظفيه واحتقارهم أو استغلالهم. كما أنه يسلك نفس هذا السلوك تجاه شركائه، فيخدعهم ويخادعهم ويحاول بشتى الطرق الملتوية أن يحوز لنفسه أكبر قدر من الثروة وفي أسرع وقت ممكن دون أن يزعه من هذا الصنيع الفاجر وازع.
كما أوضحنا من قبل فإن التصور الأخلاقي يختلف من شخص لآخر إذا لم تكن الشريعة الإلهية أصلا للمعايير الاجتماعية. فقد يعاف شخص ما سلوكا معينا في حين يعده شخص آخر سلوكا مقبولا لا بأس به. فحين يختفي تأثير القيم الدينية عن مكان ما يتخذ أهله قيما أخلاقية شتى. وفي ظل غياب منظور قيمي موحد يصبح المجتمع فيصلا وحاكما للبت في مختلف النزاعات والصراعات، ولهذا تكون الأجيال اللاحقة أسوأ أخلاقا من الأجيال السابقة.
إن الأثر السيئ للتفسخ الأخلاقي على المجتمعات في تزايد مستمر. وينتشر الفساد بسرعة في المجتمعات التي لا تؤمن بالله. وقد يكون السلوك مرفوضا في عام مقبولا في الذي يليه. ولا شك أن هذا التردي المطرد يقود إلى تدمير المجتمع ويفاقم الانحطاط الخلقي. والعجيب أن هذا التفسخ الأخلاقي يوصف بأنه "حداثة" ومعاصرة ويغدو أهم موضوع في حملات تعليم وتثقيف المجتمع، وينشط المنظرون اللادينيون في الترويج للشعار القائل: " إن إنسان القرن الحادي والعشرين يجب أن يكون حرا وطليقا من كل القيود".
إن أجيالا بكاملها تتعرض في سن مبكرة للتفسخ الأخلاقي. بل هناك زيادة كبيرة في أعداد الأطفال الذين يرتكبون جرائم قتل في أوربا وأمريكا. ومن الشرق الأقصى تأتينا الأخبار بتعرض الأطفال لأبشع ألوان الاستغلال الجنسي لتحقيق أغراض تجارية. والحق أن الانحراف الجنسي كان في الثمانينات موضوعا يتحرج الناس حتى من مجرد الخوض فيه، أما اليوم فقد أصبحوا يعدونه جزء لا يتجزأ من طبيعة الحياة العصرية بل ويتعاطفون مع الأشخاص المنحرفين جنسيا. ومن ناحية أخرى يرمى الأشخاص الذين يعارضون هذه النظرة بتهمة التخلف ومخالفة روح العصر. وقد عاب القرآن سلوك هؤلاء الناس وذلك في قوله تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُون " (النور:19)
إن من المستبعد جدا أن يشيع التفسخ الأخلاقي في مجتمع تسوده تعاليم الدين، وذلك لأن خوف أفراد هذا المجتمع من الله يعصمهم من الانزلاق في مهاوي الانحطاط الخلقي. ففي الآية التالية مثلا يتضح المعيار الأخلاقي الذي وضعه الله للناس: "إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون" (النحل:90)
إن الانحراف الخلقي يقل كثيرا في المجتمعات المؤمنة التي تراعي حدود الله التي بينها في كتابه المجيد. وإن شذ من هذه الاستقامة العامة سلوك معين فخرج على الإجماع الخلقي فإن ذلك لا يمثل مشكلة للمجتمع وذلك لأن المؤمنين سيواجهونه بالنكير لا بالتشجيع كما هو الحال في المجتمعات الضالة، وذلك لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو أحد أهم واجبات المسلم كما يوضح ذلك قوله تعالى: "وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيم" (التوبة:71)
بناء على ما تقدم يمكن القول إن المجتمع الذي تظلله قيم القرآن هو أيضا مجتمع فريد ومتميز أخلاقيا وذلك لأن أفراد هذا المجتمع: "وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ" (آل عمران:114) وثمة فضيلة أخرى يتحلى بها المؤمنون يشير إليها قوله تعالى: "وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ" (فصّلت:33) وقوله تعالى: "الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَاب" (الزمر:18)وقوله تعالى: "كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُون" (آل عمران:110).وجاء في أحد الأحاديث النبوية قوله صلى الله عليه وسلم: "المؤمن مرآة أخيه" (أبو داوود) كما حث الرسول المؤمنين على التواصي بالخلق النبيل وذلك في قوله: "أحسن الناس إسلاما أحاسنهم أخلاقا" (أبو داوود). وفي هذا شاهد قوي على أن مجتمع المؤمنين متفوق أخلاقيا على غيره من المجتمعات اللادينية.

التمسك بقيم الدين يقوي الرابطة الأسرية

إن قوة الترابط الأسري هي الدعامة التي ينهض عليها كل هيكل اجتماعي ناجح. وتفكك المجتمعات مرده إلى تفكك الأسر. ولقد كانت الأسرة هدفا أول للأيديولوجيات الهدامة مثل الشيوعية والاشتراكية، إذ هدف هؤلاء إلى هدم مؤسسة الزواج والقضاء على قيم الأمومة والإخلاص والخصوصية والشرف. وقد زعم فلاسفة ومنظرو هذه الاتجاهات أن هذه القيم لا قيمة لها. ففي الماضي كان العيش المشترك بين رجل وامرأة لا تجمع بينهما رابطة زوجية مثلا محل رفض المجتمع لكنه أصبح هذه الأيام سلوكا معتادا. وفوق ذلك فإن متوسط أعمار الأشخاص الذي يتعايشون دون رابطة زوجية يتناقص باطراد.
إن نظرة مجتمع اليوم إلى الأسرة معيبة بوجه عام. فغالب النساء ينظرن إلى الزواج كضمانة للعيش. وهذه النظرة تجعل المال المعيار الأول في اختيار الزوج. وأحيانا قد تكون المكانة الاجتماعية والجمال والبيئة عوامل مهمة في قرار الارتباط برجل معين، لكن في الأغلب يبقى المال هو المعيار الأول والأهم. ولهذا لا يستغرب المرء من تصاعد معدلات الطلاق والتي تفضح ضحالة الزيجات التي تقوم على عوامل خادعة كالمال والمكانة الاجتماعية والجمال.
وثمة مهدد آخر معروف للزواج وهو ارتفاع سقف توقعات الأزواج من زوجاتهم. فالجمال من ناحية عامة عامل مهم في اختيار الرجل لزوجته، كما قد يتأثر اختياره بعوامل أخرى مثل حظ المرأة من التعليم وتعدد مهاراتها. ولا شك أن توفر هذه المزايا في أحد الزوجين أو كليهما أمر لا اعتراض عليه، لكن إذا أسس الزواج، الذي ينبغي أن يقوم على أرضية صلبة، على هذه العوامل وحدها فستنهار الأسرة متى ما تبين لاحقا أن أحد هذه العوامل غير موجود.
إن الزواج يتطلب وفاءً وحبا واحتراما وهو نوع من المفاهيم لا يمكن أن تصبح قيما صلبة وملزمة إلا من خلال الدين. وعليه فإن الدين هو الضمانة الوحيدة لتماسك ونجاح العلاقة الزوجية.
إن الزواج القائم على هذا الفهم غير العقلاني هو زواج مؤسس على شفاء جرف هار. إذ سرعان ما تختفي من أفق الزواج معاني الحب والاحترام وتذهب المودة المتبادلة بين الزوجين جفاء. فما يمر طويل وقت على الزواج حتى تتبدى لكل طرف عيوب ونواقص الطرف الآخر، فيحتدم النقاش والاختلاف بين الزوجين ويتبادلا الاتهامات الخطيرة. لكن بعد حين من الوقت يقبل الزوجان بالأمر الواقع وتلفهما الدائرة الخبيثة ككثيرين غيرهم. ومما يجدر ذكره هنا أن الأجيال التي تخرج من كنف هذه الأسر تكون مضطربة نفسيا، وذلك لأن تأثرهم بسلوك والديهم يجردهم من معاني الحب والاحترام.
إن الأسر تتفكك عادة في المجتمعات التي لا تجعل من قيم الدين هاديا لحياتها. فللمال في هذه المجتمعات دور كبير في تشكيل العلاقات بين أفراد الأسرة. فالأب الذي ينفق بسخاء على أسرته يكافأ من قبل زوجته وأولاده حبا واحتراما، لكن إن حدث أن توقف الأب يوما ما عن الإنفاق على أسرته فإن هذا الحب والاحترام ينقلب إلى سخط، وهكذا يصبح المال سببا مستمرا للنزاع داخل الأسرة، وليس ثمة ضمانة على بقاء الزوجة مع زوجها إذا أفلس أو قل دخله. والغالب في مثل هذه الحالات أن ينتهي الزواج بالطلاق. وهذا بلا شك إحدى عواقب العيش بعيدا عن مظلة القرآن.
ثمة بون شاسع بين نظرة المؤمن ونظرة الكافر للزواج. فيقين المؤمن بأن هناك حياة أبدية تنتظر الإنسان بعد الممات تجعله يصمم على البقاء في كنف الزواج إلى الأبد. فالقرب من الله هو كل ما يرجوه المؤمن من الزواج. وبعبارة أخرى، فهو يريد من الشخص الذي سيبقى معه إلى الأبد أن يحيا وفق هدي القرآن. وذلك لأن كل السمات التي يتحلى بها الإنسان في الحياة الدنيا إنما هي عرض زائل. فاهتداء الزوجين بالقرآن يملأ حياتهما بالحب والاحترام والانسجام. فإن حدث أن أخطأ أحدهما ذكره الآخر بهدي القرآن فتزول المشكلة وذلك لأن المؤمن لا يجد حرجا فيما قضى الله بل يسلم تسليما. وعليه يمكننا، بناء على الأسباب الواردة أعلاه، أن نقول إن الأشخاص الذين يؤمنون بالله ويخافونه يقيمون زيجاتهم على قاعدة صلبة.
لكن من الخطأ حصر مفهوم الأسرة في العلاقات بين الزوجين فقط، فسلوك الأطفال تجاه والديهم وكبار السن من أفراد الأسرة مهم أيضا، وفي البيئات التي تعمرها مبادئ الدين تقوم هذه العلاقات على قاعدة الحب والاحترام. كما يخلو جو الأسرة من أنماط السلوك الفظ والزعيق والعراك والتي لا يسلم منها جو أسري في أيامنا هذه. ويسود بدلا منها جو من السلام والبهجة. فلا وجود لمزيد من الكوارث الأسرية وكل فرد يحمل أسرته في حدقات عيونه الأمر الذي يخرج إلى الوجود حياة أسرية يعز نظيرها. ويرى الأطفال في أبويهم نعمة عظيمة ويشعرون برابطة قوية تشدهم إليهما. ويشعر الأبوان أن أبناءهما إنما هم وديعة أستودعهم الله إياها واستحفظهم عليها. إن "الأسرة" تعني الدفء والحب والثقة والتضامن. ولا بد من التأكيد ثانية على أن مثل هذه الحياة الأسرية السليمة تقتضي التزاما تاما وخالصا بقيم الدين وخوفا من الله وحبا له.
رابطة الود والاحترام تقوى بين أفراد المجتمع

ذكرنا في عرضنا للآثار المعنوية للكفر على الإنسان أن الكفار لا يمكن أن يدركوا المعنى الحقيقي للحب والاحترام. فمجتمع قوامه أناس كهؤلاء لا يمكن للعلاقة بين أفراده، صغارا كانوا أم كبارا، بدوا كانوا أم حضرا، أن تتسم بالدفء. ويشعر الفرد في ظل مثل هذه الظروف بالوحشة والعزلة. فكل فرد يفكر بنفسه فقط. والواقع أن مشاعر الحب والاحترام التي يبدونها لبعضهم بعضا ليست هي التي وصفها القرآن. والسبب الأول لذلك أن قيمهم كلها مبنية على اهتمامات مادية الصبغة.
لا أحد في هذه المجتمعات يحترم شخصا آخر دون مقابل. فالموظف يحترم رئيسه خوفا من غضبه وما قد يترتب على هذا الغضب من فقدان للوظيفة. ويجل الطالب أستاذه لئلا يفشل في الامتحان. كما تشعر المرأة بالرغبة في الإحسان إلى زوجها طمعا في استمراره في الإنفاق عليها. لكن من الواضح جدا هنا أن الاحترام الذي تعكسه جميع هذه الأمثلة يقوم على المصلحة الخالصة.
لكن لا تكاد تعثر على أثر لصور التعامل هذه في المجتمعات وأنماط العيش المصبوغة بصبغة الخلق القرآني. إذ يحترم كل فرد في هذه المجتمعات وبشكل تلقائي كل مؤمن يسعى للفوز برضا الله. فلا يحتاج المرء لأن يصبح نجما مشهورا أو ثريا واسع الثراء لينال التوقير وحسن التقدير في مجتمعه. فمجرد إيمانه بالله وخوفه منه وسعيه لنيل رضا خالقه يكفي لرفع مكانته في عيون الناس في مجتمعه.
أشرنا فيما سلف من فصول هذا الكتاب إلى نمط الأخلاق والروح التي تغلب على المجتمعات الكافرة. ولنتأمل الآن، في حال مجتمع قوامه أمثال هؤلاء الناس. هل سيكون مجتمعا تسوده معاني الحب والاحترام؟ إن الإجابة هي وبلا تردد بالنفي. فمن خلا قلبه من حب الله خالقه ورازقه لا يمكن أن يحب خلق الله وعباده. وحل هذا الإشكال يكمن في قيام مجتمعات تسير حياة أفرادها وفق مبادئ الدين.
انتهاء فظائع السكر والقمار

إن أبرز ملامح هذه الصورة الكالحة للمجتمعات اللادينية هو أن السكر والقمار قد أصبحا طريقة حياة لغالبية أفراد هذه المجتمعات. إن حرمان هؤلاء الناس من هدي الإسلام جعلهم لا يدركون معاني الصبر أو الرجاء أو التوكل على الله، وهذا هو سبب فزعهم إلى السكر والقمار متى ما اعترضت سبيلهم محنة. فإن لم تجر الرياح بما يشتهون أو إذا تملكهم الغضب أو استولى عليهم الملل أو ركبهم الحزن أو حتى إن ألمت بهم حالة فرح، هرعوا إلى الكحول يطلبون عندها السلوى والعزاء، لكنهم لا يجنون من ذلك سوى الإضرار بأنفسهم وبالآخرين. فحين تبلغ سكرتهم مداها تذهب عنهم عقولهم ويغيب وعيهم فيرتاحون عندها من عذابات الضمير ووخزه الممض، ثم يأخذون في شتم الناس وإساءة الأدب والتعامل بوقاحة دون أدنى شعور بالحرج.
إن ذهاب العقل والوعي بسبب السكر وما يترتب على ذلك من نتائج مؤسفة يوضح حالة الاضطراب التي يجلبها ذلك للمجتمع. فليس بمستغرب أن يفقد شخص ما كل ما يملك في ليلة واحدة على طاولة القمار، أو أن يندفع بتأثير السكر إلى ارتكاب جريمة قتل أو ممارسة العنف أو الانتحار أو غير ذلك من الموبقات. وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الشرور وذلك في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَإِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُون " (المائدة:90-91)
يجتنب المؤمنون القمار لأن الإسلام يحرمه تحريما قاطعا. إن الخوف من الله الذي يعمر قلوبهم يضمن هذا الاجتناب ويعينهم عليه، فلا يستهويهم أبدا بالغا ما بلغت قوة الدافع وشدة الإغراء. والحق أنه ليس ثمة معاذير ومسوغات شرعية تتيح للمرء الوقوع في مثل هذا المنكر. وما كان لمؤمن أو مؤمنة أن يأثم بالتماس الأعذار وذلك لأنه لا مجال للمرونة أو التساهل في شيء حرمه الإسلام.
إنه لا يمكن الوثوق بقيم الغافلين عن قيم الدين وذلك لأنها تتغير تبعا لتغير الظروف والوقت والملابسات. لذلك تبرز تفسيرات شتى انطلاقا من هذه العوامل. فقد تجد القمار وأمثاله من المنكرات مرفوضة في بعض الأمكنة في حين تجدها مقبولة تماما حتى في نظر منكريها إذا مورست في أماكن معينة كالفنادق مثلا. فقد لا يجد الشخص الذي لا يقامر حرجا البتة في لعب القمار إذا كان المكان ملائما لذلك.
إن السلوك القويم يقتضي مجانبة الشرور في كل الأحوال. وإن تقلب سلوك المرء بحسب الظروف والرفقة دليل على ضعف الشخصية. وليس يرجى من شخص يجهل قيم الدين أن يكون ذا شخصية أو إرادة قوية.
اختفاء مشكلة المخدرات
ذكرت إحدى وكالات الأنباء نقلا عن تقرير أعدته منظمة الأمم المتحدة في عام 1997م أن 200 مليونا من سكان العالم يتعاطون المخدرات. ولا تنفك الصحف ومحطات التلفزة تعرض في كل يوم تقارير مطولة عن تعاطي وإدمان المخدرات الأمر الذي يصيب عقولنا بالخدر ويدفعنا إلى عد هذا الأمر من جملة الأشياء المعتادة. غير ن التأمل في هذه الشرور يتيح لنا فهما أفضل لوهن الأساس الذي يرتكز عليه هذا القبول. فهل يعقل أن يستسلم الإنسان الذي خصه الله بنعمة العقل وميزه بها عن كافة المخلوقات لإدمان مليجرامات قليلة من مادة ما ويفقد وعيه أو ينهار بالكامل إذا حرم منها؟
يتعاطى مدمنو المخدرات في الغالب الجرعة الأولى من المخدرات قائلين: "لا بأس من تجربة هذا الأمر مرة واحدة"، فتتولد فيهم، بوعي أو بدون وعي، نزعة تمرد. ثم يجدون أعذار "معقولة" لإدمانهم لكنها مع ذلك أعذار واهية. إن تلهي هؤلاء الأشخاص عن ضعف إرادتهم الشخصية يدفعهم إلى الإنحاء باللائمة على من حولهم من الناس، حيث تصبح المشاكل الأسرية و الفشل في الدراسة و العمل والصراعات الاجتماعية والمشكلات المالية وتصعّب الأمور أو الاكتئاب لسبب أو لآخر، أسبابا كافية للتورط في مستنقع الإثم. وما إن تتلبسهم هذه الروح حتى تتكون لديهم نظرة سلبية للأمور ثم يغوصون أكثر في لجج السلبية والتشاؤم.
يشعر هؤلاء الناس بالضعف أمام مصاعب الحياة. ولأنهم محرومون من معية الله ورفقته فإنهم لا يثقون بأحد، مما يزيّن لهم أن سداد الرأي يحتم عليهم نسيان كل شيء وأن يفقدوا الوعي الحقيقي. فتدفعهم هذه القناعة إلى زيادة كمية المخدرات التي يتعاطونها في كل يوم فيخربون حياتهم بأيديهم. كما يزيدهم إنكارهم للمعاد الأخروي وإيمانهم بأن الموت هو النهاية التي لا بعث بعدها يزيدهم حرصا على الاستمتاع بحياتهم إلى آخر مدى لكنهم يصابون بالهلع حين تتحول هذه الحياة إلى كابوس يقض مضاجعهم، فينتهون إلى ورطة وذلك حين تفتك المشكلات، التي تلقي بوطأتها الثقيلة على حياتهم اليومية، بصحتهم العقلية والجسدية.
إن هذه الحالة المرعبة من السخط والغضب الذي يجدونه إنما هو عقاب في هذه الدنيا على تهافتهم على شهواتهم بدلا من الحرص على إرضاء الله.
لقد وهب الله الإنسان حكمة وضميرا وعقلا وبشره بحياة مباركة في هذه الدنيا وفي الآخرة شريطة أن يكون همه هو إرضاء الله، فإن لم يفعل فالجحيم مصيره في الدنيا وفي الآخرة. والحق أن الذين يبتغون القرب من الله هم وحدهم الذين ينعمون بالأمن أملا في الفوز بالنعيم المقيم في فردوس الله الأعلى وطمعا في العيش الهانئ في الحياة الدنيا.
إن القرب من الله مالك السماوات والأرض وما بينهما هو بلا ريب أشد ركن يمكن أن يأوي إليه الإنسان، وهذا هو الذي يجعل المؤمنين أقوى الناس وأصلبهم قناة، قوة في الإرادة وقوة في الإدراك. إن عمق إيمانهم بالله وإخلاصهم لدينه الذي أنزل هو الذي يمدهم بهذه القوة.
إن الأمراض الاجتماعية كتعاطي المخدرات والكحول والقمار والعنف تنشأ بسبب الغفلة عن ذكر الله.
وهي آفات يسلم منها كل من يعرف نعم الله عليه ومسئولياته تجاه مسبغ هذه النعم.
اختفاء البِغاء
"وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً"(الإسراء: 32)
إن الزنا، وهو أحد الأفعال التي حرمها الله، جريمة شنعاء تحط من قدر الإنسان في الدنيا والآخرة إن لم يتب صاحبها. ويجلب الزنا للمجتمع وللأفراد الذين يمارسونه أمراضا عديدة. أما المؤمنون فيجتنبون الزنا بل ويبغضونه لأن الله حرمه. ويجب أن لا يغيب عن البال أن الله يحث على الزواج والذي هو رابطة يباركها الإسلام.
وفوق ذلك، فإن الأذى الذي يلحقه الزنا بالمجتمع عامل آخر يعزز عزيمة المؤمنين على النفور منه والابتعاد عنه. كما يحذر المؤمنون من سوء عاقبة مرتكبي جريمة الزنا التي حرمها الله في القرآن تحريما قاطعا. ولقد أركس الزنا كثيرا من الناس اليوم وسلبهم الكرامة والثقة بالنفس والاحترام وسلكهم في نمط حياة مذل. كما هدم الزنا كثيرا من الأسر وملأ حياتها بالحزن والقلق وفاقم أزماتها النفسية. وما درى هؤلاء البؤساء أنهم سيحصلون على الأمن والاستقرار النفسي وسيستعيدون ثقتهم بأنفسهم وسيحافظون على أواصر الحب والاحترام فيما بينهم إن استجابوا لأمر الله وقصروا أنفسهم على الحلال المشروع. إلى جانب أن هذه العفة ستضمن سلامة الجو الأسري وسلامة المجتمع.
إن للزنا دوراً معروفاً في تحطيم المجتمعات وذلك لأنه يستهدف الركيزة الأولى في المجتمع وهي الأسرة. ويفقد الأشخاص الذين سقطوا في حمأة الزنا هيبتهم وكرامتهم الشخصية واحترام الناس من حولهم. ومن الخطأ الظن بأن الرغبة في الحصول على المال هي وحدها التي تدفع الناس إلى ممارسة الدعارة. ففي الغالب يكون هناك ميل شخصي نحو الزنا ولكن هذا لا يغير من حقيقة أنه زنا. وينشد الناس بوجه عام في مثل هذه الحالات الراحة النفسية وذلك بزعم أنهم "لا يرمون إلى تحقيق أي مكسب مادي من وراء علاقاتهم" لكن هذا تمويه وتضليل كبير إذ لا يرجى من شخص مرد على تجاوز حدود الله أن يقف عند حدود مشروعة. ويخبرنا الله في القرآن أنه حرم كافة أشكال العلاقات الجنسية التي تحدث خارج إطار الزواج. وهذا هو السبب الذي يجعلنا نمتنع عن حصر البغاء في قالب معين واحد.
ومن جهة أخرى فإن قناعة أكثر الناس الذين يمارسون الزنا بحرمته وشناعته تملأهم هما وغما وتجعلهم فريسة لعذابات الضمير. ولن يفلح إنكارهم وجحودهم في إخفاء حقيقة أنهم قد فقدوا كرامتهم وثقتهم بأنفسهم.
إن نصب أماكن معينة لممارسة البغاء هو من الأضرار الأخرى التي تلحقها هذه الظاهرة بالمجتمع. وكلما زاد البغاء كلما زاد عدد هذه الأماكن مما يعجل بخراب المجتمع. إذ ينجذب الشباب إلى هذه المواضع وتضعف الروابط الأسرية ثم تكثر الخيانة. لكن الله يدعو إلى أوضاع يسودها الأمن والإخلاص والوفاء والثقة ويسمي ذلك نعمة.
لقد اختار كثير من الناس عبر تاريخ البشرية أن يتكسبوا بالبغاء فأركسوا بذلك أنفسهم وحطوا من أقدارها. ويعرض الزنا في أيام الناس هذه كطريق سهلة للكسب المادي. إذ تدفع الرغبة في الثراء كثيرا من الناس إلى أن يحيوا حياة مذلة مشينة. ويحذر الله الناس في القرآن من هذا الخطر فيقول: "الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء وَاللّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ" (البقرة:268)
لكن إذا لاذ الإنسان بكنف خالقه ودخل في زمرة المؤمنين فسيسوق له الله الرزق من حيث لا يحتسب ويغنيه من فضله. ولا ريب أن المؤمن الحق سينال بإذن الله الفضل في الدنيا والآخرة. لكن الله قد يبتلي عبده المؤمن فيقدر عليه رزقه، وفي هذه الحالة ينال المؤمن خيرا عند خالقه إذا تأمل حال الحياة وحتمية زوالها.
ولا بد من الإشارة هنا إلى أن الإنسان قد يقع في أي نوع من الأخطاء في حياته. وليس بمستبعد أن يأتي المرء أفعالا محرمة في القرآن أو أن يقضي حياته في البغاء أو في أي لون آخر من ألوان العلاقات الجنسية المحرمة. لكن إذا تاب المرء وأناب إلى الله وخلصت بذلك نيته فإن الله سيقبل توبته إن شاء الله. لكن يتعين على المرء أيضا أن يدرك أن التوبة التي يقبلها الله ليست هي التوبة التي تأتي عند قدوم الموت. ولقد أوضح الله هذا الأمر في القرآن فقال: "إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَـئِكَ يَتُوبُ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً {17} وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَـئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا" (النساء: 17-18)