• في الإصحاح /27/ من إنجيله انفرد متى بين الأناجيل الأربعة بذكر ندم يهوذا و ذهابه لرؤساء الكهنة لإعادة الفضة التي أخذها ثمناً لتسليمه يسوع. فيقول متى [3-10] :

فلمَّا رأى يَهوذا الّذي أسلَمَ يَسوعَ أنَّهُم حكَموا علَيهِ، ندِمَ ورَدَّ الثَّلاثينَ مِنَ الفِضَّةِ إلى رُؤساءِ الكَهنَةِ والشّيوخِ، وقالَ لهُم: ((خَطِئتُ حينَ أسلَمتُ دمًا بريئًا)). فقالوا لَه: ((ما علَينا؟ دَ.بَّرْ أنتَ أمرَكَ.)) فرَمى يَهوذا الفِضَّةَ في الهَيكلِ واَنْصرفَ، ثُمَّ ذهَبَ وشَنقَ نفسَهُ. فأخَذَ رُؤساءُ الكَهنَةِ الفِضَّةَ وقالوا: ((هذِهِ ثمنُ دمِ، فلا يَحِلُّ لنا أنْ نضَعَها في صُندوقِ الهَيكَلِ.)) فاَتَّـفَقوا أنْ يَشتَروا بِها حَقلَ الخَزّافِ ليَجعَلوهُ مَقبرَةً لِلغُرَباءِ. ولِهذا يُسَمّيهِ النَّاسُ حقلَ الدَّمِ إلى هذا اليومِ. فتَمَّ ما قالَهُ النَّبـيُّ إرميا: ((وأخذوا الثَّلاثينَ مِنَ الفِضَّةِ، وهيَ ما اَتَّفقَ بَعضُ بَني إِسرائيلَ على أنْ يكونَ ثمنُهُ، ودَفَعوها ثَمنًا لِحَقلِ الخزّافِ. هكذا أمرَني الرَّبُّ.))

نجد أن العلماء الاثنين و الثلاثين قد أضافوا التعليق التالي على هذه النبوءة:
Other ancient authorities read Zechariah or Isaiah
http://bible.oremus.org/?passage=Matthew+27
و ترجمته: مخطوطات قديمة أخرى تذكر زكريا أو إشعياء

لمذا هذا التخبط في المخطوطات بين إرميا و إشعيا و زكريا؟ أي من هؤلاء الثلاثة قال مثل هذا القول؟ هل الإهمال الذي وصل إليه النساخ جعلهم يغيرون صاحب النبوءة فتارة هو إرميا و تارة هو إشعيا و تارة زكريا؟ ما هو السبب في ذلك؟
لو أنك قرأت سفر إرميا عشرات المرات فلن تجده يتفوه بمثل هذه الكلمات أو ما يشابهها، فهل كان مؤلف الإنجيل على درجة من الجهل جعله يخلط بين الأنبياء؟ لذلك نرى أن مخطوطات قديمة أخرى قد أصلحت هذا الخطأ فقامت بتعديل الإسم بكل حرية إلى زكريا صاحب النبوءة الحقيقي دونما أي اعتبار لأي قدسية للأسفار الموحى بها زعماً!
و لكن يبقى سؤال أخير: طالما أن زكريا هو صاحب هذا القول، فلماذا نجد أن مخطوطات أخرى نسبت هذه النبوءة إلى إشعيا؟ لذلك لابد من دراستها.

ورد هذا القول في سفر زكريا [11: 12-13] و قد جاء في السياق التالي:
فرَعَيتُ الغنَمَ المُهيَّأةَ للذَّبحِ، ورعَيتُها لِتُجارِ الغنَمِ وأخذتُ لي عصَوَينِ، فسَمَّيتُ الواحدةَ نِعمةَ، وسَمَّيتُ الأُخرى صِلَةَ، ورعَيتُ الغنَمَ. وفي شهرٍ واحدٍ أزلْتُ الرُّعاةَ الثَّلاثةَ، لأنَّ نفْسي ضاقَت بِهِم، ونُفوسُهُم أيضًا سئِمَت مِنِّي. فقُلْتُ لِلغَنَمِ: ((لا أرعاكُم. فمَنْ يمُتْ فليَمُتْ، ومَنْ يَتوارَ فليَتوارَ، والبَقيَّةُ فليَأكُلْ بَعضُها لَحمَ بَعضٍ.)) وأخذتُ عصاتي نِعمةَ وكسَرتُها لأنقُضَ عَهدي الذي قطعتُهُ معَ جميعِ الشُّعوبِ. فنُقِضَ في ذلِكَ اليومِ، وهكذا علِمَ تُجارُ الغنَمِ الذينَ يُراقبونَني أنَّ هذا تَدبيرٌ مِنَ الرّبِّ. فقُلتُ لهُم: ((إنْ حَسُنَ في عُيونِكُم، فهاتوا أُجرتي وإلاَ فاَمتنِعوا.)) فَوَزَنوا أُجرتي ثلاثينَ مِنَ الفِضَّةِ. فقالَ ليَ الرّبُّ: ((ألقِها في الخزانةِ، وفي بَيتِ الرّبِّ، ثَمنًا كريمًا ثَمَّنوني بهِ)). فأخذتُ الثَّلاثينَ مِنَ الفِضَّةِ وألقيتُها في الخزانةِ، في بَيتِ الرّبِّ. وكسَرتُ عَصايَ الأخرى صِلةَ، فنقَضْتُ صِلةَ الإخاءِ بَينَ يَهوذا وإِسرائيلَ.

و هنا لا بد أن نكرر ما قاله متى لتسهيل المقارنة:
فتَمَّ ما قالَهُ النَّبـيُّ إرميا: ((وأخذوا الثَّلاثينَ مِنَ الفِضَّةِ، وهيَ ما اَتَّفقَ بَعضُ بَني إِسرائيلَ على أنْ يكونَ ثمنُهُ، ودَفَعوها ثَمنًا لِحَقلِ الخزّافِ. هكذا أمرَني الرَّبُّ.))

بمجرد مقارنة بسيطة نرى كم التحريف الذي وقع على النص المنقول من هذا السفر!
نلاحظ أن هذا النص ليس نبوءة عن يهوذا، و لا نبوءة عن بيع المسيح إطلاقاً، إنما هو شرح حال وقع قبل آلاف السنين مع النبي زكريا الذي يسرد ما حدث بينه و بين شعبه. فهل لأحد أن يبين لنا ما هي الخزانة و بيت الرب في زمن المسيح؟ من هم الرعاة الثلاثة الذي أزيلوا في شهر واحد؟ و ما شأن الغنم التي كان زكريا يرعاها، و العصوين "نعمة و صلة" بالمسيح و يهوذا؟ و شتان بين الثمن الكريم المدفوع لنبي الله زكريا الذي ألقي في بيت الرب و الثمن المدفوع ليهوذا كثمن للخيانة! حتى يهوذا نفسه رفضه و لم يقبله على نفسه و رفضه الكهنة أيضاً و امتنعوا عن وضعه في صندوق الهيكل.

بعد هذه الدراسة يمكننا أن نستشف السبب الذي جعل النساخ يغيرون صاحب هذه النبوؤة المزعومة بين إرميا و زكريا و إشعيا.

هل من مزيد في هذه الفقرة؟ نعم! في تعليقهم على نص هذه النبوءة نجد أن العلماء الاثنين و الثلاثين و بعد دراستهم للمخطوطات يقولون عن هذا النص:
http://bible.oremus.org/?passage=Matthew+27
Or I took
Or the price of the precious One
Other ancient authorities read I gave
أي أن بعض المخطوطات قد ذكرت هذا النص كالتالي:
وأخذت الثَّلاثينَ مِنَ الفِضَّةِ، وهيَ ما اَتَّفقَ بَعضُ بَني إِسرائيلَ على أنْ يكونَ ثمناً للغالي، ودَفَعتها ثَمنًا لِحَقلِ الخزّافِ. هكذا أمرَني الرَّبُّ.

باختصار: النص بهذا الشكل ينسب القول ليهوذا و ليس لزكريا أو أرميا أو إشعيا! بل و يقول أن ما فعله يهوذا كان أمراً من الرب! فهل أمر الرب يهوذا أن يسلم المسيح بثلاثين من الفضة؟ إن ما يقوله يوحنا في إنجيله عن خيانة المسيح هو أن الشيطان دخل في يهوذا فدفعه لخيانة المسيح، و من ثم يقول لنا متى أن الرب أمر بذلك؟

أترك الحكم للقارئ على صحة هذا النص من الأساس!