يخيل إلى الكثيرين بأن الإنجيل هو كتاب منزل مع سيدنا وربنا يسوع المسيح !
وهذا يقودنا إلى توضيح كيفية تكوين الأناجيل : فهناك إنجيل واحد , أي بشرى واحدة , وهو إنجيل يسوع المسيح . وفي الوقت نفسه , هناك أربعة أناجيل , أي أربع روايات متكاملة عن إنجيل سيدنا يسوع المسيح . ذلك بأن يسوع لم يكتب شيئاً ( إلاّ مرّة واحدة باصبعه في الأرض : يو 8/6 ) , بل هناك أربعة إنجيليين دوّنوا البشرى . فليس الكتاب المسيحي كتاباً مُنزلاً كتبه الله , بل هو كتاب كتبه بشرٌ بإلهام الروح القدس . وانّ هذا الكتاب كان في بداية الأمر عبارة عن روايات شفهية تداولتها الجماعات المسيحيّة الأولى ودوّنها الانجيليّون الأربعة , كلٌّ باسلوبه الخاص وقصده اللاهوتي الخاص . والروح القدس ألهم هؤلاء المسيحيين بأن يدوّنوا الروايات الشفهية في أربعة أناجيل . وهذه الروايات الأربعة ليست " تحقيق صحفي " أو " كتاب تاريخ " يراد به تدوين وقائع حديث لرجل اسمه يسوع الناصري : فالأناجيل هي " شهادة " و " إعلان " ليسوع المسيح الممجّد في سرّ موته على الصليب وقيامته من بين الأموات . ومن منطلق سرّ حدث موته / قيامته كمحور ومركز هدف , ذهبت الأناجيل إلى سرد أحداث حياة يسوع الناصري من ميلاد ومعجزات وأعمال وأقوال ...
لقد قلب اختبار الفصح كل شيء رأساً على عقب . وفي الفصح , وفي العنصرة , لم يكن لدى التلاميذ أي شيء مخطوط , لكنهم كانوا يملكون بشرى أي خبر مفرح : ان الله أقام يسوع وأفاض روحه , وحانت الأزمنة الأخيرة التي يُفتتح فيها ملكوت الله ! هذا ما كانوا يحيون به وما أخذوا يبشرون به . اذا كانت هذه البشرى كافية في البداية , فسرعان ما أضطر التلاميذ الى روايتها بالتفصيل , متذكّرين أعمال يسوع وأقواله ومعلقين عليها . أمّا الجماعات , من جماعة أورشليم أولاً , إلى جماعات السامرة وانطاكية وآسية الصغرى ... , فإنها أخذت تنمو فأخذ المهتدون يتساءلون : كيف نحيا في الواقع كل يوم بيسوع القائم من الموت ؟ لم يكن للرسل أي كتاب تعليم ديني ولا أي كتاب أخلاقيات . لم يكن لهم سوى الكتب المقدسة ( العهد القديم ) وشخص يسوع , كما عرفوه , وكما لم يزل يعيش معهم على وجه خفيّ . بدافع من الروح القدس , أخذوا يلتفتون إلى حياة يسوع , ويفسرونها في ضوئين : حدث الفصح - الكتاب المقدس . ولهذا قد سبق الأناجيل المكتوبة تقليد شفهيّ . فيسوع مات وقام , بحسب المعتقد المسيحيّ , حوالي السنة 30 . وأتباعه الذين عرفوه , وشاهوا أعماله , وسمعوا أقواله , حفظوا ما تذكّروه عن يسوع . ولمّا أخذ المسيحيّون الأوائل يجتمعون للصلاة , استعادوا في حلقاتهم روايات تلك الأعمال والأقوال , وراحت هذه الروايات تتبلور وتزداد حجماً . من ذلك نفهم أنّ الله كان يهدي الجماعة ويلهمها بواسطة الروح القدس طوال السنين الثلاثين المصيريّة ( 30-60 ) التي لم يكن فيها أناجيل مكتوبة , بل كانت أقوال يسوع وأفعاله تُنقل مشافهة . والروح عينه ألهم الإنجيليّين الأربعة فكتبوا أناجيلهم وأودعوها ما اختاروا من أقوال يسوع وأفعاله الكثيرة . وممّا حقّقه الروح القدس نفسه بنوعٍ خاصّ أنّه كوّن وهدى نظرة الإنجيليّين اللاهوتيّة في شأن ما يريد الله أن ينقله إلى البشريّة من خلال حياة يسوع وموته وقيامته . وأخيراً , وبهديٍ من الروح نفسه , اعترفت الجماعة المسيحيّة الأولى , من بين كتابات مسيحيّة كثيرة بـ 27 كتاباً , بما فيها الأناجيل الأربعة , وقرّرت بأنّها حُرّرت بإلهام من الله . وسُمّيت هذه الأسفار كتب العهد الجديد التي تم تدوينها لنهاية القرن الأول الميلادي .