آخـــر الـــمـــشـــاركــــات


-
وقد وقع البعض من طلبة العلم في التشدد والتنطع حتى أنسو الأمة يسر الدين وسماحة الشريعة، وتساهل آخرون حتى أضاعوا حدود الإسلام ونقضوا قواعده، وقد قال ابن تيمية: ( وأهل السنة والعلم والإيمان، يعلمون الحق، ويرحمون الخلق )، وعندما سئل سفيان بن عيينة عن الزهد قال: الزهد فيما حرم الله ، فأما ما أحل الله فقد أبا حكه الله، فإن النبيين قد تزوجوا وركبوا ولبسوا وأكلوا، لكن الله ينهاكم عن شيء فانتهوا عنه ). (153) وكان ابن الجوزي يصف أهل العزلة من المتظاهرين بالزهد البعيدين عن مواجهة مشكلات المجتمع المنقطعين عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بقوله : ( الزهاد في مقام الخفافيش ، فقد دفنوا أنفسهم بالعزلة عن نفع الناس، وهي حالة حسنة إن لم تمنع خيراً من لزوم جماعة واتباع جنازة وعيادة مريض ، إلا أنها حالة الجبناء ، فأما الشجعان فهم يتعلمون ، ويعلمون، وهذه مقامات الأنبياء عليهم السلام ) وقال ابن القيم:( الشجاع الشديد الذي يهاب العدو سطوته ، وقوفه في الصف ساعة، وجهاه أعداء الله، أفضل من الحج والصوم والصدقة والتطوع ) ، وقال الحسن البصري لفرقد السبخي_ وكان من الزهاد- : يا ابن فرقد إن التقوى ليس في هذا الكساد ، إنما التقوى في القلب، وصدقه العمل ) . وقد أوضح الحسن البصري وسطية الإسلام وموازنته بين التشديد والتساهل فقال:( دين الله وضع فوق التقصير ودون الغلو) .
إن بعض المنتسبين إلى العلم يتتبع الرخص ويأخذ بها، ويعيش بعيداً عن الأمة ومشكلاتها، فينصرف إلى نفسه وراحتها، ويعرف الحق فلا ينصره، ويبصر المنكر فلا ينكره، وقد نسي هؤلاء أن العالم ليس كسواه في الترخص لنفسه، بل عليه أن يأخذ بالعزيمة لأنه موضع قدوة، فلو ضل عن الحق وتابع الباطل وانتصر للأهواء فإن عامة الأمة تتأثر به فيحمل أوزار من يضل بسببه مع أوزاره. فلابد للعالم من بيان الحق وتوعية الأمة بمقاصد الشريعة وتعريفها بأحكام الدين وعقيدة المسلمين .. قال الإمام أحمد بن حنبل : ( إذا أجاب العالم تقية، والجاهل يجهل، فمتى يتبين الحق ؟ ) .
لقد كان للعلماء أثر كبير عبر مراحل التاريخ الإسلامي في نشر تعاليم الإسلام ونقلها عبر الأجيال المتلاحقة حتى انتهت إلينا، وبذلك حافظوا على هوية المجتمع الإسلامي وخصائص الشخصية الإسلامية. وقد أفاد علماء السلف من كل الوسائل المتاحة في عصورهم لنشر العقيدة وتعاليم الشريعة فلم يقتصروا على وسيلة واحدة، فكانوا يقومون بفتح المدارس والتعليم فيها، وإنشاء المكتبات وفتحها أمام طلبة العلم، وكان أغنياؤهم يجرون الجرايات على طلبة العلم ليتفرغوا للعلم وطلبه، وقد تعاهد أبو حنيفة أبا يوسف سبع عشرة سنة ينفق عليه حتى حمل من العلم ما نفع به دولة الإسلام في عصر الرشيد. (154) وقد أرسل الخليفة المتوكل للإمام أحمد بن حنبل عشرة آلاف درهم، مع أحد حجبته فامتنع الإمام أحمد عن أخذها فلما ذكره الحاجب بأن عدم أخذه للمال قد يؤدي إلى الوحشة بينه وبين الخليفة، قام بتوزيع المبلغ كله على المحتاجين من أهل الحديث وغيرهم فلم يبق منها درهم واحد ، ولم يعط لأهله منها شيئاً وهم في غاية الفقر والجهد.(155) وكان أغنياء العلماء يصلون فقراءهم، فكان الليث بن سعد يصل العديد من علماء عصره بالمال، وكان يمتلك أرضا زراعية وأموالاً كثيرة فكان ينفق منها على أهل العلم . (156)
من المجالات التي خدمها علماء السلف العناية بالعلوم الإسلامية والتأليف فيها وصرف الأموال الطائلة في هذا السبيل، سواء بالقيام بالرحلات العلمية لجمع العلم أو بجمع الكتب الكثيرة في مكتباتهم والإفادة منها في التأليف وقد بارك الله في جهودهم فأثمرت مكتبة هائلة في شتى علوم الإسلام والعربية رغم أن ما فقد منها أكثر مما وصل إلينا .
وكان العلماء يعقدون الحلقات العلمية في المساجد ويدرسون فيها ، كما كان لبعضهم دروس وندوات في بيوتهم . وكان العالم إذا اكتشف موهبة وملكة عند أحد طلبة العلم تعاهده بالرعاية الخاصة وأوصى به أصحابه من علماء عصره، فأثمر ذلك تتابع ظهور القيادات العلمية ذات المستوى العالي في المجتمع الإسلامي عبر تاريخه الطويل .
واستخدم علماء السلف المكاتبة والرسائل لتبادل المعلومات فيما بينهم وتقديم النصح لحكام عصرهم، وهكذا استنفد العلماء الوسائل المعروفة للاتصال في عصرهم. وكانوا يتنقلون بين القرى والبوادي لتعليم الأعراب والفلاحين تعاليم الإسلام .
ولا شك أن وسائل الاتصال في هذا العصر قد تنوعت وقويت وصار تبليغ العقائد والأفكار يتم عن طريق الإذاعات والتلفزة والصحافة الواسعة الانتشار والمؤلفات ذات المواصفات الفنية العالية، مما يستتبع ضرورة نشر الدعوة الإسلاميةذ في هذا العصر بالوسائل الحديثة، إذ لا يعقل أن يستغل الأعداء كل إمكانيات العصر ويقتصر المسلمون في تبليغ دينهم على ووسائل الاتصال الضعيفة التقليدية. ويعتمد نشر الفكر في هذا العصر على الدعاية المرتكزة على دراسات علوم الإعلام والنفس والاجتماع وغيرها مما يحقق لها النجاح والانتشار، ومن واجب العلماء أن يفيدوا من ثمرات العلم والتقدم ومن علوم العصر في نشر العقيدة الإسلامية .
تحمَّلتُ وحديَ مـا لا أُطيـقْ من الإغترابِ وهَـمِّ الطريـقْ
اللهم اني اسالك في هذه الساعة ان كانت جوليان في سرور فزدها في سرورها ومن نعيمك عليها . وان كانت جوليان في عذاب فنجها من عذابك وانت الغني الحميد برحمتك يا ارحم الراحمين
معلومات الموضوع
الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع
الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)
المواضيع المتشابهه
-
بواسطة Christ is muslim في المنتدى الإعجاز العلمي فى القرأن الكريم والسنة النبوية
مشاركات: 1
آخر مشاركة: 13-11-2010, 02:22 AM
-
بواسطة ronya في المنتدى منتديات المسلمة
مشاركات: 4
آخر مشاركة: 10-12-2009, 03:21 PM
-
بواسطة Ahmed_Negm في المنتدى الرد على الأباطيل
مشاركات: 0
آخر مشاركة: 04-10-2009, 02:03 PM
-
بواسطة *فتاة الإسلام* في المنتدى منتدى الأسرة والمجتمع
مشاركات: 4
آخر مشاركة: 31-01-2008, 11:57 AM
-
بواسطة عطاء الله الأزهري في المنتدى المنتدى الإسلامي
مشاركات: 0
آخر مشاركة: 06-08-2007, 04:34 PM
الكلمات الدلالية لهذا الموضوع
ضوابط المشاركة
- لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
- لا تستطيع الرد على المواضيع
- لا تستطيع إرفاق ملفات
- لا تستطيع تعديل مشاركاتك
-
قوانين المنتدى

المفضلات