ولما كان الرسول الملكي والرسول البشري والذكر المنزل أمورا متلازمة
يلزم من ثبوت واحد ثبوت الآخرين ومن الإيمان بواحد الإيمان بالآخرين
فيلزم من كون القرآن حقا كون جبريل ومحمد حقا
وكذلك يلزم من كون محمد حقا كون جبريل والقرآن حقا
ويلزم من كون جبريل حقا كون القرآن ومحمد حقا
ولهذا جمع الله بين الإيمان بالملائكة والكتب والرسل في مثل قوله :
( آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ..)
فتعليم محمدوتذكيره وشهادته هو تعليم روح القدس وروحه ...
ويقال :
الفارقليط روح الحق وروح القدس يشهد لي وهو يعلمكم وهو يذكركم ونحو ذلك
فإن الفارقليط يتضمن ذكر جبريل ومحمد جميعا
وقول أحدهما هو قول الآخر
ومعروف في اللغة بدل الاشتمال كقوله :
( يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه .. )
والشهر ليس هو نفس القتال لكن لما اشتمل على القتال أبدل أحدهما من الآخر
وقوله :
( قد أنزل الله إليكم ذكرا رسولا )
ومن هذا النمط أبدل الرسول من الذكر لاشتماله عليه
وهذا : الثاني اشتمل على الأول
والرسول البشري كان الرسول الملكي يتصل به في الباطن فيثقل عليه الوحي حين ينزله
وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها
أن الحارث بن هشام قال :يا رسول الله كيف يأتيك الوحي ؟
قال :
( أحيانا يأتيني في مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي فيفصم عني وقد وعيت ما قال
وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول )
قالت عائشة :
ولقد رأيته ينزل عليه في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا
والفصم الفك والفصل من الأمور اللينة ...
وبالقاف هو الكسر الذي يكون في الأمور الصلبة
فبين
أن الملك حين ينزل الوحي عليه يتصل به ويلتبس به ثم بعد ذلك ينفصل عنه وينفك عنه
وهذا الاشتمال والانفصال أبلغ من غيره فيحسن معه أن يكون إبدال أحدهما من الآخر أحسن من غيره
فيقال هذا القرآن بلغه الرسول النبي وبلغه جبريل عن الله
ونظائر هذا متعددة في جميع بشارات المسيح
يذكر أن الأب وهو في لغتهم : الله الذي يرسل الفارقليط
وفي بعضها قال : أنا أطلب من الأب يعطيكم فارقليطا آخر يثبت معكم إلى الأبد
وفي بعضها : والفارقليط روح الحق الذي يرسله أبي هو يعلمكم كل شيء
فقد بين أن الله يرسله
وأنه يطلب من الله أن يرسله
وأما قوله في بعض الألفاظ : فإذا انطلقت أرسلته إليكم
فيكون معناه إني أرسله بدعاء أبي وطلبي منه أن يرسله ...
ومما ينبغي أن يعلم أن الله إذا قضى ما يكون الشيء فإنه يقدر له أسبابا يكون بها
ومن تلك الأسباب دعاء طائفة من عباده به
فيكون في ذلك من النعمة في إجابته دعاء هذا وهذا وهذا
ومحمد دعا به الخليل عليه السلام فقال :
( ربنا وابعث فيهم رسولا منهم )
مع أن الله قضى بإرساله وأعلن باسمه قبل ذلك
كما قيل له يا رسول الله متى كنت نبيا ؟ قال :
( وآدم بين الروح والجسد )
فلا يمتنع أن يكون المسيح سأل ربه بعد صعوده أن يرسل محمدا
ويكون هذا من أسباب إرساله
لكن إبراهيم سأل في الدنيا فذكر الله ذالك
بخلاف سؤال المسيح فإنه كان بعد صعوده إلى السماء
الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح
لشيخ الإسلام ابن تيمية
تحقيق وتعليق : د.علي بن حسن /د.عبد العزيز بن إبراهيم /د.حمدان بن محمد
باختصار (5/248-318)
تم نقل الموضوع بعون الله






وتذكيره وشهادته هو تعليم روح القدس وروحه ...
رد مع اقتباس


المفضلات