الباب السابع
القرآن صوت الله
عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ما من الأنبياء نبي إلا أعطى من الآيات ما مثله أمن عليه البشر ، وإنما كان الذي أوتيت وحيا أوحاه الله إلي ، فأرجو أني أكثرهم تابعا يوم القيامة(130) ) . .
إن هذا الحديث النبوي يعين جوانب بحثنا الصحيحة ، فهو يقول : إن أهم وسائلنا لمعرفة النبي هو الكتاب الذي جاء به ، مدعيا أنه من عند الله ، والقرآن هو ، رسالة الرسول بين ظهرانينا ، كما أنه يبرهن على صدقه .
فما الخصائص التي تبرهن على أن القرآن من عند الله ؟
إنها متعددة الجوانب كثيرة ، نستطيع أن نلخصها في الفصول التالية :
أولا-إعجاز القرآن :
أول خاصة يتنبه إليها الباحث في العلوم القرآنية هي ذلك التحدي الصريح الذي القرآن إلى الناس كافة ، منذ أربعة عشر قرنا ، وبخاصة أولئك الذين ينكرون رسالة القرآن ، ولم يستطع أحد من عباقرة البشر أن يرد التحدي الآن . لقد أعلن القرآن بصوت عال ، لا إبهام فيه ولا غموض :
(وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله ، وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين)(131).
إنه أغرب تحد في التاريخ ، وأكثره إثارة للدهشة ، فلم يجرؤ أحد من الكتاب في التاريخ الإنساني – وهو بكامل عقله – أن يقدم تحديا مماثلا ، فإن مؤلفا ما لا يمكن أن يضع كتابا ، يستحيل علي الآخرين أن يكتبوا مثله ، أو خيرا منه. . فمن الممكن إصدار مثيل من أي عمل إنساني في أي مجال ، ولكن حين يدعي أن هناك كلاما ليس في إمكان البشر الإتيان بمثله ثم تخفق البشرية علي مدي التاريخ في مواجهة هذا التحدي ، حينئذ يثبت تلقائيا أنه كلام غير إنساني وأنها كلمات صدرت عن صميم المنبع الإلهي Divineorigin ، وكل ما يخرج من المنبع الإلهي لا يمكن مواجهة تحدياته.
* * *
وفي صفحات التاريخ بعض الوقائع ، غر أصحابها الغرور فانطلقوا يواجهون هذا التحدي.
وأولي هذه الوقائع ما حدث من الشاعر العربي لبيد بن ربيعة الشهير ببلاغة منطقه ، وفصاحة لسانه ، ورصانة شعره. فعندما سمع أن محمدا يتحدي الناس بكلامه قال بعض الأبيات ردا علي ما سمع ، وعلقها علي باب الكعبة ، وكان التعليق علي باب الكعبة امتيازا لم تدركه إلا فئة قليلة من كبار شعراء العرب ، وحين رأي أحد المسلمين هذا أخذته العزة فكتب بعض آيات الكتاب الكريم وعلقها إلي جوار أبيات لبيد ومر لبيد بباب الكعبة في اليوم التالي ولم يكن قد أسلم بعد فأذهلته الآيات القرآنية حتي أنه صرخ من فوره قائلا: (والله ما هذا بقول بشر ، وأنا من المسلمين)(132).
وكان من نتيجة تأثر هذا الشاعر العربي العملاق ببلاغة القرآن أنه هجر الشعر وقد قال له عمر بن الخطاب رضي الله تعالي عنه يوما: يا أبا عقيل: أنشدني شيئا من شعرك فقرأ سورة البقرة وقال: ما كنت لأقول شعرا بعد إذ علمني الله البقرة وآل عمران(133).
وأما الحادث الثاني فهو أغرب من الأول وهو عن ابن المقفع أورده المستشرق (ولاستن) في كتابه وعلق عليه قائلا:
(. . . إن اعتداد محمد بالإعجاز الأدبي للقرآن لم يكن علي غير أساس ، بل يؤيده حادث وقع بعد قرن من قيام دعوة الإسلام(134)).
والحادث كما جاء عن لسان المستشرق هو أن جماعة من الملاحدة والزنادقة أزعجهم تأثير القرآن الكبير في عامة الناس فقرروا مواجهة تحدي القرآن ، واتصلوا لإتمام خطتهم بعبد الله بن المقفع(727م) ، وكان أديبا كبيرا وكاتبا ذكيا. يعتد بكفائته فقبل الدعوة للقيام بهذه المهمة. . وأخبرهم أن هذا العمل سوف يستغرق سنة كاملة واشترط عليهم أن يتكفلوا بكل ما يحتاج إليه خلال هذه المدة. .
ولما مضي علي الاتفاق نصف عام عادوا إليه ، وبهم تطلع إلي معرفة ما حققه أديبهم لمواجهة تحدي رسول الإسلام ؛ وحين دخلوا غرفة الأديب الفارسي الأصل ، وجدوه جالسا والقلم في يده وهو مستغرق في تفكير عميق ، وأوراق الكتابة متناثرة أمامه علي الأرض ، بينما امتلأت غرفته بأوراق كثيرة كتبها ثم مزقها.
لقد حاول هذا الكاتب العبقري أن يبذل كل مجهود عساه أن يبلغ هدفه ، وهو الرد علي تحدي القرآن المجيد. . ولكنه أصيب بإخفاق شديد في محاولته هذه ، حتي اعترف أمام أصحابه ، والخجل والضيق يملكان عليه نفسه أنه ، علي الرغم من مضي ستة أشهر حاول خلالها أن يجيب علي التحدي ، فإنه لم يفلح في أن يأتي بآية واحدة من طراز القرآن ! وعندئذ تخلي ابن المقفع عن مهمته مغلوبا مستخذيا. .(135)
* * *
وهكذا لا يزال تحدي القرآن الكريم قائما ومستمرا علي مر القرون والأجيال ، وهي خاصة عظيمة ورائعة في صالح القرآن ، تثبت دون مرية ، أنه كلام من فوق الطبيعة. وأي إنسان يتمتع بكفائة التفكير والإمعان في حقيقة الأمر ، يكفيه ذلك ليؤمن بهذا الكتاب.
ومما لا شك فيه أن العرب-وهم الذين لم يعرف لهم مثيل في التاريخ ، في البلاغة والبيان حتي أطلقوا علي غيرهم اسم (العجم) لشدة اعتزازهم ببيانهم- قد اضطروا أن يركعوا أمام القرآن معترفين بعجزهم عن الإتيان بمثله ، فلزمتهم بذلك الحجة. .
ومما جاء في كتب الحديث عن ابن عباس أن (ضمادا) قدم مكة. وكان من ازد شنوءة. وكان يرقي(136) من هذه الريح (الجنون ومس الجن). فسمع سفهاء من أهل مكة يقولون: إن محمدا مجنون. فقال: لو أني رأيت هذا الرجل لعل الله يشفيه علي يدي.قال فلقيه ؛ فقال: يا محمد ! إني أرقي من هذه الريح ،وإن الله يشفي علي يدي من شاء فهل لك ؟ فقال رسول الله: (إن الحمد لله ، نحمده ونستعينه من يهده فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله.أما بعد.) قال: فقال: أعد علي كلماتك هؤلاء ، فأعادهن عليه رسول الله صلي الله عليه وسلم ثلاث مرات ، قال: فقال: (لقد سمعت قول الكهنة ، وقول السحرة ، وقول الشعراء ، فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء ، ولقد بلغن ناعوس البحر (قعره الأقصي(137)).
إن هناك عددا لا يحصي من الاعترافات التي أدلي بها أرباب الشعر والأدب والفكر ، في شأن القرآن الكريم ، سطرت في صفحات التاريخ القديم ، كما أنها توجد بكثرة في تاريخ العصر الحاضر.
ثانيا- نبوءات القرآن:
الجانب الثاني من عظمة القرآن الكريم يتجلي في تنبؤاته المختلفة التي ثبتت صحتها فيما بعد بطرق عجيبة.
إن عددا كبيرا من أذكياء الناس ومن العباقرة ، قد جرؤوا علي أن يتنبأوا عن أنفسهم أو عن غيرهم. ولكننا نعرف أن الزمان لم يصدق هذه النبوءات مطلقا ، بل جاء يكذبها بكل قسوة ، ولقد تحفز الفرص المواتية والأحوال المساعدة والكفاءات العالية وكثرة الأعوان والأنصار ، والنجاح الخارق في البداية الكثيرين- وهم يرون أنهم يسيرون تجاه نتائج مرضية- أن يتنبأوا بنتيجة معينة بكل يقين ، ولكن الزمن يبطل هذه الدعاوي ويكذبها دائما. . والزمن نفسه هو الذي أثبت صحة ما جاء في القرآن من التنبؤات في حين أنها جميعا جاءت في أحوال غير مواتية ، إن هذه التنبؤات- وقد وقعت فعلا علي ما يحدثنا التاريخ- تجعل علومنا المادية حائرة عند تفسيرها. وما دمنا ندرسها في ضوء علومنا المادية. فلن نستطيع إدراك حقائقها ، إلا أن ننسبها إلي مصدر غير بشري.
* * *
كان نابليون بونابرت من أعظم قواد الجيوش في عصره ، وقد دلت فتوحاته الأولي علي أنه سوف يكون ندا لقيصر ، والإسكندر المقدوني. وترتب علي ذلك أن وجد الغرور منفذه إلي رأس نابليون ، فأصبح يتوهم أنه هو مالك القدر. وازداد هذا الشعور لديه. حتي إنه ترك مستشاريه ، وادعي أنه لم يكتب في قدره غير الغلبة الكاملة علي من في الأرض. ولكنا جميعا نعرف النهاية التي كتبت له في لوح القدر.
سار نابليون من باريس يوم 12 من يونية سنة1815 ، مع جحفله العظيم ليقضي علي أعدائه وهم في الطريق. ولم تمض غير ستة أيام حتي ألحق (دوق ولنجتون) شر هزيمة بجيش نابليون الجبار ، في (ووترلو) بأراضي بلجيكا. وكان (الدوق) يقود جنود انجلترا وألمانيا وهولندا. ولما يئس نابليون وأيقن من مصيره المحتوم فر هاربا من القيادة الفرنسية متوجها إلي أمريكا ولم يكد يصل إلي الشاطىء ، حتي ألقت شرطة السواحل القبض عليه وأرغمته علي ركوب سفينة تابعة للبحرية البريطانية ، وانتهي به القدر إلي أن أرسل إلي جزيرة غير معمورة بجنوب الأطلنطي ، هي جزيرة (سانت هيلينا) ، ومات القائد العسكري في هذه الجزيرة بعد سنوات طويلة من البؤس والشقاء والوحدة ، في 5 مايو سنة1821.
* * *
والبيان الشيوعي المعروف الذي صدر سنة1848 ، تنبأ بأن أول البلاد التي ستقود الثورة الشيوعية هي (ألمانيا) ، ولكن ألمانيا علي الرغم من مضي مائة وعشرين عاما من هذه النبوءة ، لا تزال صفحات تاريخها خالية من مثل هذه الثورة. .
ولقد كتب كارل ماركس في مايو سنة1849 قائلا: (إن الجمهورية الحمراء تبزغ في سماء باريس!) ورغم أنه قد مر علي هذه النبوءة أكثر من قرن ، فإن شمس الجمهورية الحمراء البازغة لم تشرق علي أهالي باريس!
* * *
وقد قال أدولف هتلر في خطابه الشهير الذي ألقاه بميونيخ في14 من مارس سنة1931:
(إنني سائر في طريقي ، واثقا تمام الثقة بأن الغلبة والنصر قد كتبا لي (138)). والعالم بأجمعه يعرف اليوم الذي كتب في قدر الجنرال الألماني العظيم كان هو الهزيمة والانتحار. .
* * *
وقد شاهدنا وقائع عديدة من هذه النبوءات المضحكة في (الهند). . فقد أعلن زعيم الشيوعيين: س .ب. جوشي ، في المؤتمر الثالث للحزب الشيوعي الهندي ، الذي انعقد في (مدوراي) بجنوب الهند ، في يناير سنة1954 ، بأن الحزب الشيوعي سوف يحكم ، مستقلا بنفسه ، في الانتخابات العامة القادمة ، في ولايات: تراونكو-كوتشين (كيرالا) ، ومدارس ، وآندهرا ، والبنغال الغربية ، وآسام. وقد أجريت ثلاثة انتخابات عامة (وانتخابات تكميلية أخري) في هذه المدة الطويلة ، ولم يستطع الحزب الشيوعي تأليف وزارة مستقلة في أية ولاية من ولايات الهند (139).
* * *
وسط هذه الجحافل من المتنبئين والنوءات ، لا نجد غير (القرآن) الذي تحققت نبوءاته حرفا حرفا. وهذا الواقع يكفي في ذاته لإثبات أن هذا الكلام صادر من عقل وراء الطبيعة يمسك بزمام الأحوال والحوادث ، وهو علي معرفة بكل ما سيحدث منذ الأزل إلي الأبد ،
وسوف نورد هنا خبرين من التنبوءات الكثيرة التي أدلي بها رسول الإسلام ، وتحققت بكاملها. والشهادتان اللتان سنذكرهما ، تتعلق إحداهما بغلبة الإسلام نفسه ، علي حين تتعلق بغلبة الروم مرة أخري. .
* * *
(أ) عندما بدأ النبي صلي الله عليه وسلم دعوته وقفت الجزيرة العربية كلها ضده ، وكان علي النبي مواجهة ثلاث جبهات في وقت واحد:
أولاها: القبائل المشركة ، بعد أن أصبحوا أعداء حياته.
وثانيتها: الرأسمالية اليهودية.
وثالثتها: أولئك المنافقون الذين تسربوا داخل المسلمين للقضاء علي حركتهم ، من داخل معاقلهم.
وكان الرسول يجاهد في سبيل رسالته السامية علي كل هذه الجبهات: قوة المشركين ، والرأسمالية اليهودية ، والطابور الخامس. وقد وقف أمام هذا الطوفان الطاغي وقفات رائعة لا مثيل لها ، ولم يسانده في مواقفه غير حفنة من المهاجرين والأنصار ، وجماعة من العبيد. ومما لا شك فيه أنه قد انضم إليه بعض كبار قريش ، ولكن سرعان ما انقطعوا عن أهلهم وذويهم ، وعادتهم قريش كمعاداتها للنبي.
وقد سارت هذه الحركة بمكة قدما ، تكافح وتناضل ، حتي اجتمع شملهم في المدينة المنورة ، وهم في أشد حالات العوز والفقر ، بعد ما تركوا ثرواتهم في مكة- موطنهم الأصلي. ويمكن قياس بؤس هؤلاء المهاجرين بتلك الجماعة التي عاشت في المسجد النبوي ، حيث لم تكن لديهم بيوت ، وكانوا ينامون علي (صفة) في فناء المسجد النبوي ، فأطلق عليهم (أهل الصفة). ومما روي في كتب التاريخ أن تعداد هؤلاء الصحابة الكرام ، الذين عاشوا علي (الصفة) ، بلغ في بعض الأحيان أربعمائة صحابي.
فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: رأيت سبعين من أهل الصفة يصلون في ثوب ، فمنهم من يبلغ ركبتيه ، ومنهم من هو أسفل من ذلك ؛ فإذا ركع أحدهم قبض عليه مخافة أن تبدو عورته. .
وعنه (أبي هريرة) رضي الله عنه أنه قال: (لقد رأيتني أصرع بين منبر رسول الله صلي الله عليه وسلم ، وبين حجرة عائشة رضي الله عنها ، فيقول الناس: إنه مجنون ، وما بي جنون ، ما بي إلا الجوع!).
* * *
وفي هذه الحالة البائسة ، حيث كان المسلمون في أسوأ أحوالهم ؛ مكشوفين في عراء المدينة المنورة ، خائفين يترقبون الأعداء من كل جانب ، مخافة أن يختطفون في أي وقت ؛ في هذه الحالة نجد القرآن يبشرهم مرة بعد أخري:
(كتب الله لأغلبن أنا ورسلي(140))
وقال أيضا:
(يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم ، والله متم نوره ولو كره الكافرون. هو الذي أرسل رسوله بالهدي ودين الحق ليظهره علي الدين كله ، ولو كره المشركون(141)).
ولم تمض علي هذه البشري أيام طويلة ، حني وجد المسلمون الجزيرة العربية كلها تحت أقدامهم ؛ فقد انتصرت أقلية ضئيلة لا تملك الخيول ولا الأسلحة ، علي أعداء يملكون الجيوش الكبيرة ، والعدة ، والعتاد.
وليس بوسعنا تفسير هذه التنبؤات في ضوء المصطلحات المادية ، إلا أن نسلم بأن صاحب هذا الإخبار بالغيب لم يأت به من عند نفسه ، وإنما كان خليفة عن الله ؛ فلو أنه كان إنسانا عاديا لاستحال كل الاستحالة أن تصنع كلماته أقدار التاريخ. وكما قال البروفيسور (ستوبارت)
(إنه لا يوجد مثال واحد في التاريخ الإنساني بأكمله يقارب شخصية محمد.)
وهو يضيف قائلا:
( ألا. . ما أقل ما امتلكه من الوسائل المادية ، وما أعظم ما جاء به من البطولات النادرة ، ولو أننا درسنا التاريخ من هذه الناحية ، فلن نجد فيه اسما منيرا هذا النور ، وواضحا هذا الوضوح ، غير اسم النبي العربي (142)).
إن هذا الأمر هو أعظم دليل علي كونه صلي الله عليه وسلم مرسلا من لدن الحق تبارك وتعالي. وقد اعترف السير وليام ميور ، ذلك العدو اللدود للإسلام ، بهذا الأمر بطريقة غير مباشرة ، حين قال:
(لقد دفن محمد مؤامرات أعدائه في التراب ، وكان يثق بانتصاره ليل نهار ، مع حفنة من الأنصار والأعوان ، رغم أنه كان مكشوفا عسكريا من كل ناحية ن وبعبارة أخري: كان يعيش في عرين الأسد ، ولكنه أظهر عزيمة جبارة ، لا نجد لها نظيرا غير ما ذكر في الإنجيل ، من أن نبيا قال لله تعالي: (لم يبق من قومي إلا أنا(143)!) .
* * *
(ب) أما النبوءة الثانية التي وردت في القرآن ، فهي الإخبار بغلبة الروم علي الفرس. وقد جاء في أول سورة الروم قوله تعالي:
(بسم الله الرحمن الرحيم. ألم. غلبت الروم في أدني الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين)
كانت الامبراطورية الفارسية تقع شرقي الجزيرة العربية ، علي الساحل الآخر للخليج العربي ، علي حين كانت الامبراطورية الرومانية تمتد من غربي الجزيرة علي ساحل البحر الأحمر إلي ما فوق البحر الأسود. وقد سميت الأولي-أيضا- بالإمبراطورية الساسانية ، والأخرى بالبيزنطية. وكانت الإمبراطوريتين تصل إلي الفرات ودجلة ، في شمال الجزيرة العربية. وكانتا أقوي حكومتين شهدهما ذلك العصر.
ويبدأ تاريخ الامبراطورية الرومانية-كما يري المؤرخ (جبن)- في القرن الثاني بعد الميلاد ، وكانت تتمتع حينئذ بمكانتها كأرقي دولة حضارية في العالم.
وقد شغل المؤرخين تاريخ زوال الروم ، كما لم يشغلهم زوال أية حضارة أخري(144). وليس يغني كتاب من الكتب التي ألفت حول هذا الموضوع عن الكتب الأخرى ، ولكن يمكن اعتبار كتاب المؤرخ (إدوارد جبن): (تاريخ سقوط واندحار الامبراطورية الرومانية)(145) أكثرها تفصيلا وثقة ، وقد ذكر المؤرخ في الجزء الخامس من كتابه الوقائع المتعلقة ببحثنا هنا.
* * *
اعتنق الملك (قسطنطين) الدين المسيحي عام325م ، وجعله ديانة البلاد الرسمية ، فآمنت بها أكثرية رعايا الروم. وعلي الجانب الآخر ، رفض الفرس-عباد الشمس- هذه الدعوة.
وكان الملك الذي تولي الامبراطورية الرومانية في أواخر القرن السابع الميلادي هو (موريس) ، وكان ملكا غافلا عن شئون البلاد والسياسة ، ولذلك قاد جيشه ثورة ضده ، بقيادة (فوكاسPhocas.) وأصبح فوكاس ملك الروم ، بعد نجاح الثورة والقضاء علي العائلة الملكية بطريقة وحشية؛ وأرسل سفيرا له إلي إمبراطور إيران (كسري أبرويز الثاني) ، وهو ابن (أنو شيروان) العادل.
وكان (كسري) هذا مخلصا للملك (موريس) إذ كان قد لجأ إليه عام590-591م ، بسبب مؤامرة داخلية في الامبراطورية الفارسية ، وقد عاونه (موريس) بجنوده لاستعادة العرش. ومما يروي أيضا أن (كسري) تزوج بنت (موريس) ، أثناء إقامته بلاد الروم ، ولذلك كان يدعوه (بالأب).
ولما عرف بأخبار انقلاب الروم ، غضب غضبا شديدا وأمر بسجن السفير الرومي وأعلن عدم اعترافه بشرعية حكومة الروم الجديدة.
وأغار (كسري أبرويز) علي بلاد الروم وزحفت جحافله عابرة نهر الفرات إلي الشام. ولم يتمكن (فوكاس) من مقاومة جيوش الفرس التي استولت علي مدينتي (أنطا كية والقدس) فاتسعت حدود الامبراطورية الفارسية فجأة إلي وادي النيل. وكانت بعض الفرق المسيحية-كالنسطورية واليعقوبية- حاقدة علي النظام الجديد في روما فناصرت الفاتحين الجد وتبعها اليهود مما سهل غلبة الفرس.
* * *
وأرسل بعض أعيان الروم رسالة سرية إلي الحاكم الرومي في المستعمرات الإفريقية ، يناشدونه إنقاذ الامبراطورية فأرسل الحاكم جيشا كبيرا بقيادة ابنه الشاب (هرقل) ، فسار بجيشه في الطريق البحرية ، بسرية تامة. . حني إن (فوكاس) لم يدر بمجيئهم إلا عندما شاهد الأساطيل ، وهي تقترب من السواحل الرومانية ، واستطاع هرقل-دون مقاومة تذكر- أن يستولي علي الامبراطورية ، وقتل (فوكاس) الخائن.
بيد أن هرقل لم يتمكن-برغم استيلائه علي الامبراطورية وقتله (فوكاس)- من إيقاف طوفان الفرس. . فضاع من الروم كل ما ملكوا من البلاد في شرقي العاصمة وجنوبيها. لم يعد العلم الصليبي يرفرف علي العراق والشام وفلسطين ومصر وآسيا الصغرى ، بل علتها راية الفرس: (درفش كاوياني)! ! وتقلصت الامبراطورية الرومانية في عاصمتها ، وسدت جميع الطرق في حصار اقتصادي قاس ؛ وعم القحط ؛ وفشت الأمراض الوبائية ؛ ولم يبق من الإمبراطورية غير جذور شجرها العملاق. وكان الشعب في العاصمة خائفا يترقب ضرب الفرس للعاصمة ، ودخولهم فيها ؛ وترتب علي ذلك أن أغلقت جميع الأسواق ، وكسدت التجارة ، وتحولت معاهد العلم والثقافة إلي مقابر موحشة مهجورة.
وبدأ عباد النار يستبدون بالرعايا الروم للقضاء علي المسيحية. . فبدءوا يسخرون علانية من الشعائر الدينية المقدسة ، ودمروا الكنائس ، وأراقوا دماء ما يقرب من100,000من المسبحين المسالمين وأقاموا بيوت عبادة النار في كل مكان وأرغموا الناس علي عبادة الشمس والنار واغتصبوا الصليب المقدس وأرسلوه إلي (المدائن).
ويقول المؤرخ (جبن) في المجلد الخامس من كتابه:
(ولو كانت نوايا (كسري) طيبة في حقيقة الأمر لكان اصطلح مع الروم بعد قتلهم (فوكاس) ولاستقبل (هرقل) كخير صديق أخذ بثأر حليفه وصاحب نعمته (موريس) ، بأحسن طريقة ؛ ولكنه أبان عن نواياه الحقيقية عندما قرر مواصلة الحرب.)(146)
ويمكن قياس الهوة الكبرى التي حدثت بين الروم والفرس من خطاب وجهه (كسري) إلي (هرقل) من بيت المقدس قائلا:
(من لدن الإله كسري الذي هو أكبر الآلهة وملك الأرض كلها ، إلي عبده اللئيم الغافل: هرقل: إنك تقول: إنك تثق في إلهك! فلماذا لا ينقذ إلهك القدس من يدي؟ !).
واستبد اليأس والقنوط بهرقل من هذه الأحوال السيئة وقرر العودة إلي قصره الواقع في (قرطاجنة) علي الساحل الإفريقي. . فلم يعد يهمه أن يدافع عن الامبراطورية ، بل كان شغله الشاغل إنقاذ نفسه. وأرسلت السفن الملكية إلي البحر ، وخرج (هرقل) في طريقه ليستقل إحدي هذه السفن إلي منفاه الاختياري.
وفي هذه الساعة الحرجة تحايل كبير أساقفة الروم باسم الدين والمسيح ، ونجح في إقناع (هرقل) بالبقاء وذهب (هرقل) مع الأسقف إلي قربان (سانت صوفيا) يعاهد الله تعالي علي أنه لن يعيش أو يموت إلا مع الشعب الذي اختاره الله له.
وبإشارة من الجنرال الإيراني سين(Sain) أرسل (هرقل) سفيرا إلي 0كسري) طالبا منه الصلح ؛ ولكن لم يكد القاصد الرومي يصل إلي القصر ، حني صاح (كسري) في غضب شديد: (لا أريد هذا القاصد! وإنما أريد (هرقل) مكبلا بالأغلال تحت عرشي ؛ ولن أصالح (الرومي) حني يهجر إلهه الصليبي ويعبد الشمس إلهتنا1)(147).
* * *
وبعد مضي ستة أعوام علي الحرب ، رضي الإمبراطور الإيراني أن يصالح (هرقل)علي شروط معينة هي أن يدفع ملك الروم:
(ألف تالنت(148) من الذهب ، وألف تالنت من الفضة ، وألف ثوب (149) من الحرير ، وألف جواد ، وألف فتاة عذراء).
ويصف (جبن) هذه الشروط بأنها (مخزية) دون شك ، وكان من الممكن أن يقبلها (هرقل) ، لولا المدة القصيرة التي أتيحت له لدفعها من المملكة المنهوبة ، والمحدودة الأرجاء ، ولذلك آثر أن يستعمل هذه الثروة كمحاولة أخيرة ضد أعدائه.
* * *
وبينما سيطرت علي العاصمتين الفارسية والرومية هذه الأحداث ، فقد سيطرت علي شعب العاصمة المركزية في شبه الجزيرة العربية- وهي (مكة) المكرمة- مشكلة مماثلة: كان الفرس مجوسا من عباد الشمس والنار ، وكان الروم من المؤمنين بالمسيح ، وبالوحي ، وبالرسالة ، وبالله تعالي. وكان المسلمون مع الروم- نفسيا- يرجون غلبهم علي الكفار والمشركين كما كان كفار مكة مع الفرس ، لكونهم من عباد المظاهر المادية. وأصبح الصراع بين الفرس والروم رمزا خارجيا للصراع الذي كان يدور بين أهل الإسلام وأهل الشرك في (مكة). وبطريقة نفسية كانت كل من الجماعتين تشعر بأن نتيجة هذا الصراع الخارجي هي نفس مآل صراعهما الداخلي. فلما انتصر الفرس علي الروم عام616م. واستولوا علي جميع المناطق الشرقية من دولة الروم انتهزها المشركون فرصة للسخرية من المسلمين ، قائلين: لقد غلب إخواننا علي إخوانكم ، وكذلك سوف نقضي عليكم ، إذا لم تصطلحوا معنا تاركين دينكم الجديد! ! وكان المسلمون بمكة في أضعف وأسوأ أحوالهم المادية ، وفى تلك الحالة البائسة ، صدرت كلمات من لسان الرسول صلي الله عليه وسلم:
(بسم الله الرحمن الرحيم. ألم. غلبت الروم في أدني الأرض. وهم من بعد غلبهم سيغلبون. في بضع سنين. لله الأمر من قبل ومن بعد ، ويومئذ يفرح المؤمنون. بنصر الله ، ينصر من يشاء ، وهو العزيز الرحيم. وعد الله ، لا يخلف الله وعده ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون).-الروم:1-6.
وتعليقا علي هذه النبوءة يكتب(جبن):
(في ذلك الوقت حين تنبأ القرآن بهذه النبوءة ، لم تكن أية نبوءة أبعد منها وقوعا ، لأن السنين الاثنتي عشرة الأولي من حكومة (هرقل) كانت تؤذن بانتهاء الإمبراطورية الرومانية(150)).
ولكن من المعلوم أن هذه النبوءة جاءت من لدن من هو مهيمن علي كل الوسائل والأحوال ، من بيده قلوب الناس وأقدارهم ، ولم يكد جبريل يبشر النبي بهذه البشري ن حتى أخذ انقلاب يظهر علي شاشة الإمبراطورية الرومانية! !
ويرويه (جبن) علي النحو التالي:
(إنها من أبرز البطولات التاريخية ، تلك التي نراها في (هرقل). فقد ظهر هذا الإمبراطور غاية في الكسل والتمتع بالملذات وعبادة الأوهام في السنين الأولي والأخيرة من حكومته ، كان يبدو كما لو كان متفرجا أبله ، استسلم لمصائب شعبه ، ولكن الضباب الذي يسود السماء ساعتي الصباح والمساء ، يغيب حينا من الوقت لشدة شمس الظهيرة ، هذا هو ما حدث بالنسبة إلي هرقل ، فقد تحول (أرقاديوس(151)القصور) إلي (قيصر ميدان الحرب(152)) فجأة ، واستطاع أن يستعيد مجد الروم خلال ست حروب شجاعة شنها ضد الفرس. وكان من واجب المؤرخين الروم أن يزيحوا الستار عن الحقيقة ، تبيانا لأسرار هذه اليقظة والنوم ، وبعد هذه القرون التي مضت يمكننا الحكم بأنه لم تكن هناك دوافع سياسية وراء هذه البطولة ، بل كانت نتيجة غريزة هرقل الذاتية ، فقد انقطع عن كافة الملذات ، حني إنه هجر ابنة أخته (مارتينا)-التي تزوجها لشدة هيامه بها ، رغم أنها كانت محرمة عليه(153) ).
* * *
هرقل-ذلك الملك الغافل الفاقد العزيمة- وضع خطة عظيمة لقهر الفرس ، وبدأ في تجهيز العدة والعتاد ، ولكن رغم ذلك كله ، عندما خرج هرقل مع جنوده بدا لكثيرين من سكان (القسطنطينية) أنهم يرون آخر جيش في تاريخ الإمبراطورية البيزنطية.
وكان هرقل يعرف أن قوة الفرس البحرية ضعيفة ، ولذلك أعد بحريته للإغارة علي الفرس من الخلف. وسار بجيوشه عن طريق البحر الأسود إلي (أرمينيا) ، وشن علي الفرس هجوما مفاجئا في نفس الميدان الذي هزم فيه الأسكندر جيوش الفرس ، لما زحف علي أراضي مصر والشام. ولم يستطع الفرس مقاومة هذه الغارة المفاجئة فلاذوا بالفرار.
وكان الفرس يملكون جيشا كبيرا في (آسيا الصغرى) ، ولكن (هرقل) فاجأهم بأساطيله مرة أخري ، وأنزل بهم هزيمة فادحة ، وبعد إحراز هذا النصر الكبير عاد (هرقل) إلي عاصمته (القسطنطينية) عن طريق البحر ، وعقد معاهدة مع الأفاريين (Avars) ، واستطاع بنصرتهم أن يسد سيل الفرس عند عاصمتهم.
وبعد الحربين اللتين مر ذكرهما ثلاثة حروب أخري ضد الفرس في سنوات 623 ،624 ، 625 م. واستطاع أن ينفذ إلي أراضي العراق القديم (ميسو بوتانيا) عن طريق البحر الأسود ، واضطر الفرس إلي الانسحاب من جميع الأراضي الرومية ، نتيجة هذه الحروب ، وأصبح (هرقل) في مركز يسمح له بالتوغل في قلب الإمبراطورية الفارسية ، وكانت آخر هذه الحروب المصيرية- تلك الحرب التي خاضها الفريقان في (نينوا9 علي ضفاف (دجلة) في ديسمبر عام627م.
* * *
ولما لم يستطع (كسري أبرويز) مقاومة سيل الروم ، حاول الفرار من قصره الحبيب (دستكرد) ، ولكن ثورة داخلية نشبت في الإمبراطورية ، واعتقله ابنه (شيرويه) ، وزج به في سجن داخل القصر الملكي حيث لقي حتفه لسوء الأحوال في اليوم الخامس من اعتقاله ، وقد قتل ابنه (شيرويه) ثماني عشرة من أبناء أبيه (كسري) أمام عينيه.
ولكن (شيرويه) هو الآخر لم يستطع ان يجلس علي العرش أكثر من ثمانية أشهر ، حيث قتله أحد أشقائه ، وهكذا بدأ القتال داخل البيت الملكي ، وتولي تسعة ملوك زمام الحكم في غضون أربعة أعوام. ولم يكن من الممكن أو المعقول في هذه الأحوال السيئة ، أن يواصل الفرس حربهم ضد الروم. . . فأرسل (قباد الثاني) ابن كسري أبرويز الثاني يرجو الصلح ، وأعلن تنازله عن الأراضي الرومية ، كما أعاد الصليب المقدس ، ورجع (هرقل) إلي عاصمته (القسطنطينية) في مارس عام 628م في احتفال رائع ، حيث كان يجر مركبته أربعة أفيال ، واستقبله آلاف مؤلفة من الجماهير خارج العاصمة وفي أيديهم المشاعل وأغصان الزيتون(154) ! !
* * *
وهكذا صدق القرآن الكريم عن غلبة الروم في مدته المقررة أي في أقل من عشر سنين ، كما هو المراد في لغة العرب من كلمة: (بضع)!
وقد أبدي (جبن) حيرته وإعجابه بهذه النبوءة ولكنه كي يقلل من أهميتها ربطها برسالة النبي صلي الله عليه وسلم إلي (كسري).
يقول جبن:
(وعندما أتم الإمبراطور الفارسي نصره علي الروم وصلته رسالة من مواطن خامل الذكر ، من (مكة) دعاه إلي الإيمان بمحمد ، رسول الله ، ولكنه رفض هذه الدعوة ومزق الرسالة وعندما بلغ هذا الخبر رسول العرب ، قال: سوف يمزق الله دولته تمزيقا وسوف يقضي علي قوته.
(ومحمد الذي جلس في الشرق علي حاشية الإمبراطورتين العظيمتين طار فرحا مما سمع عن تصارع الإمبراطوريتين وقتالهما ، وجرؤ في إبان الفتوحات الفارسية وبلوغها القمة أن يتنبأ بأن الغلبة تكون لراية الروم بعد بضع سنين. وفي ذلك الوقت ، حين ساق الرجل هذه النبوءة ، لم تكن أية نبوءة أبعد منها وقوعا لأن الأعوام الاثني عشر الأولي من حكومة هرقل كانت تشي بنهاية الإمبراطورية الرومانية(155).)
بيد أن جميع مؤرخي الإسلام يعرفون معرفة تامة أن هذه النبوءة لا علاقة لها بالرسالة التي وجهها النبي إلي (كسري أبرويز) ، لأن تلك الرسالة إنما أرسلت في العام السابع من الهجرة ، بعد صلح الحديبية ، أي عام628م ، في حين أن آية النبوءة المذكورة نزلت بمكة عام616م ، أي قبل الهجرة بوقت طويل فبين الحدثين فاصل يبلغ اثني عشر عاما (156).
* * *
ثالثا: القرآن والكشوف الحديثة:
والميزة الثالثة التي سوف أدرسها في هذا الباب للإبانة عن صدق القرآن وحقيته ، هي أنه رغم نزول القرآن قبل قرون كثيرة من عصر العلوم الحديثة ، لم يتمكن أحد من إثبات أية أخطاء علمية فيه ، ولو أنه كان كلاما بشريا لكان هذا ضربا ن المستحيل.
* * *
كانت بعثة لطلبة الصين تدرس بجامعة كاليفورنيا منذ بضع سنين ، وقد ذهب اثنا عشر من هؤلاء الطلبة إلي كاهن (كنيسة بركلي) طالبين منه أن ينظم لهم دراسة حول الدين المسيحي في أحد أيام الأحد ، وقالوا له بكل صراحة: إننا غير راغبين في اعتناق المسيحية ، ولكننا نريد أن نعرف مدي تأثير هذا الدين علي الحضارة الأمريكية ، اختار القسيس عالما في الرياضة والفلك هو البروفيسور (بيتر و.ستونر) للتدريس لهؤلاء الشبان وبعد أربعة أشهر من هذا الواقع اعتنقوا الدين المسيحي! !
أما الدوافع وراء هذا العمل المدهش فلنسمعها من الأستاذ نفسه:
(لقد كان السؤال الأول أمامي: ماذا أقول لهم عن الدين؟ إنهم لا يؤمنون بالإنجيل إطلاقا وتدريس الإنجيل علي الطريقة التقليدية لن يأتي بفائدة ما ، وفي ذلك الوقت تذكرت أني إثناء دراستي كنت ألاحظ علاقة كبيرة بين العلوم الحديثة وسفر التكوين في الإنجيل ، ولذلك رأيت أن أعرض هذا الكلام أمام هذه الجماعة من الشباب.
(وكنا-أنا والطلبة- نعرف بطبيعة الحال أن ما جاء في هذا الكتاب عن بدء الكون قد كتب قبل آلاف السنين من كشوف العلوم الحديثة عن الأرض والسماء ، وكنا نشعر كذلك أن أفكار الناس في زمن موسي ستبدو لغوا باطلا ، لو درسناها في ضوء معلومات العصر الحاضر.
(وقد أمضينا فترة الشتاء كلها ندرس في سفر التكوين ، وكان الطلبة يكتبون الأسئلة حول ما جاء في هذا السفر ، ثم يبحثون عن أجوبتها بكل جهد في مكتبة الجامعة. وعند انتهاء الشتاء أخبرني القسيس أن الطلبة حضروا إليه ليخبروه أنهم يريدون اعتناق المسيحية ، وقد أقروا أنه ثبت لهم أن الإنجيل كتاب موحي من عند الله(157).)
* * *
وعلي سبيل المثال يقول سفر التكوين عن حالة الأرض في بداية الأمر:
(لقد غشي علي الأغوار ظلام)(158)
وهذا هو أحسن تصوير للحالة التي وجدت في الأرض في ذلك الوقت ن كما عرفناها من العلوم الحديثة ، فكان سطح الأرض حارا جدا ، وتبخرت المياه بسبب هذه الحرارة ، ولم يصل النور إلي سطح الأرض ، لأن مياه بحارنا كانت في صورة سحب كثيفة في الفضاء ، وكان ظلام يسود الأرض.
* * *
إننا نؤمن بأن الإنجيل والتوراة من الكتب الإلهية ، مثل القرآن الكريم ، ولذلك توجد فيهما قبسات من العلم الإلهي ، ولكن النصوص الأصلية قد ضاعت وطرأ فارق كبير بين الإنجيل الحقيقي وإنجيل هذا العصر ، بعد مضي ألفي عام حافلة بعمليات الترجمة من لغة إلي أخري ، ثم بأعمال التحريف البشريHuman Interpolation الذي أصاب النسخة الإلهية أكثر ما أصاب ، علي حد تعبير العالم الأمريكي (كريسي موريسون)(159).
ولما كانت هذه الصحائف قد فقدت قيمتها نتيجة لما حدث فقد أرسل اله تعالي (طبعة جديدة) من كتابه إلي البشر وهذا الكتاب هو (القرآن الكريم) وهو يحمل من أجل صحته وكماله ، كل المميزات والخصائص التي لا توجد منها سوي لمحات في الكتب القديمة.
وسوف أستعرض هنا هذه الخاصة دليلا ثالثا من أدلتي علي صدق القرآن الكريم ، ولقد أنزل القرآن قبل عصر النهضة ، ولكن أحدا من الناس لم يستطع إبطال شيء مما جاء به ولو كان هذا القرآن من كلام البشر ، لعد ذلك ضربا من ضروب الإحالة.
* * *
نزل القرآن في عصر لم يكن الإنسان يعرف فيه عن الطبيعة إلا القليل النادر ، وكانوا يرون أن الأمطار تنزل من السماء ، وأن الأرض مستوية كالفراش وأن السماء سقف الأرض ، وكانوا يرون أن النجوم مسامير لامعة من الفضة مركبة في قبة السماء ، أو أنها قناديل معلقة في الفضاء! وكان أهل الهند الأقدمون يؤمنون بأن الأرض محمولة علي أحد قرني (البقرة الأم) ، وهي حين تقوم بنقل الأرض من قرن إلي آخر يحدث زلزال علي البسيطة(160). وكان العلماء يرون أن الشمس ساكنة بلا حراك وأن الأرض تدور حولها ، إلي أن جاء (كوبرنيك)(1473/1543م) وعرض فكرته الشهيرة عن حركة الشمس.
* * *
وهكذا تقدم العلم رويدا رويدا ، إلي أن زادت قوة المشاهدة والدراسة لدي الإنسان ، فكشف عن أسرار كثيرة. والآن لا نجد جزءا ما من معلوماتنا عن أجزاء الجسم وشعب العلم المختلفة ، إلا وقد تغيرت نظرتنا إليه كلية وثبت بطلان عقائد العصر القديم.
ويدل هذا بكل صراحة علي أنه لا وجود لكلام إنساني تدوم صحته كليا. . . لأن الإنسان يتكلم عما هو معروف من المعتقدات والعلوم في عصره ، إنه سوف يسرد ما وجده في زمنه سواء وقع كلامه في دائرة الشعور أو اللاشعور. ولذلك لا نجد كتابا مضي عليه حين من الدهر إلا وهو مملوء بالأغلاط والأخطاء من سائر نواحيه ، نظرا إلي الكشوف الجديدة في كل الميادين.
ولكن مسألة القرآن الكريم تختلف تمام الاختلاف عن هذه الكلية! فهو حق وصادق في كل ما قال كما كان في القرون الغابرة. ولم يطرأ علي مقاله أي تغير رغم مضي قرون وعصور طويلة. وهذا في نفسه دليل علي أن منبعه عقل جبار يحيط بالأزل وبالأبد علما ، وهو يعلم سائر الحقائق في صورها النهائية والحقيقية ، ولا يخضع علمه ومعرفته لحواجز الزمان والمكان والأحوال. ولو كان هذا الكلام صادرا عن بشر محدودي النظر والعلم لكان الزمان قد أبطله منذ عصور عديدة ، كما يحدث لكل كلام إنساني في مستقبله.
إن المحور الحقيقي لرسالة القرآن هو السعادة الأخروية ، فهو بذلك لا يدخل في دائرة أي من علومنا وفنوننا الحديثة. ولكن حيث إنه يخاطب (الإنسان) في حقيقة الأمر ، فهو يمس كل ما هو متعلق بالإنسان وهي مسألة دقيقة وموقف جد خطير. . لان المرء حين يكون جاهلا ، أو ناقص المعلومات حول مشكلة ما ، ثم يتجرأ ليتكلم عن تلك المشكلة-ولو إجمالا-فلابد أن يكبو في حديثه وذلك حين يستخدم كلمات أو عبارات لا علاقة لها بالواقع والحقائق!
وعلي سبيل المثال: قال أرسطو استدلالا علي أسبقية الرجل علي المرآة: إن فم المرأة يحوي أسنانا أقل عددا من أسنان الرجل! ! ومن المعروف أن هذا الكلام لا علاقة له بعلم الأجسام ، بل هو يدل علي أن صاحبه جاهل بهذا العلم ، فإن عدد الأسنان سواء لدي الرجل والمرآة. ولكن من المدهش حقا أن القرآن- حني فيما يمس أكثر العلوم الحديثة من ناحية أو أخري- لا يحتوي كلمة ما أثبت العلم فيما بعد أنها من صنع رجل جاهل بذلك الموضوع ، وهذا يوضح صراحة أنه كلام موجود فوق الطبيعة ؛ وهو علي معرفة تامة بكل شيء علي حين لم يكن أحد يعلم شيئا وهو يعلم أيضا كل ما يجهله البشر في هذا العصر مع تقدم العلوم. .
وسوف أورد هنا بعض الأمثلة التي تدل صراحة علي أن القرآن الكريم يحيط بالحقائق التي لم تعرف إلا في عصرنا هذا ، وإن كانت إحاطته هذه ضمن إشارات غير مقصودة لذاتها.
ويجب أن أقول ، تمهيدا لهذا البحث: إن مطابقة لكلمات (القرآن) وألفاظه للكشوف الحديثة مبنية علي أن العلم الحديث قد استطاع الكشف عن أسرار الواقعة موضوع البحث ، فتوفرت لدينا مواد نافعة لتفسير الإشارات القرآنية في ذلك الموضوع. ولو أن دراسة المستقبل في موضوع ما تبطل واقعة من وقائع العلم الحديث كليا أو جزئيا فليس هذا بضائر مطلقا صدق القرآن ، بل معناه أن المفسر لأخطأ في محاولته لتفسير إشارة مجملة في القرآن ، وإنني لعلي يقين راسخ بأن الكشوف المقبلة سوف تكون أكثر إيضاحا لإشارات القرآن وأكثر بيانا لمعانيه الكامنة.
* * *
تقسيم لآيات القرآن:
ونستطيع أننقسم الآيات القرآنية المتعلقة بهذا الجانب إلي نوعين:
الأول: ما عرف عنه الإنسان-حني ذلك العصر- أمورا جانبية وسطحية.
والثاني: ما لم يعرف عنه ذلك الإنسان شيئا مطلقا.
عن هنالك أشياء كثيرة كان الأقدمون يعرفون عنها بعض المعارف الجزئية وكانت معرفتهم هذه ناقصة جدا بالنسبة إلي المعرفة التي أتيحت للإنسان اليوم ، بفضل الاختراعات الحديثة. وقد واجه القرآن في هذا الصدد مشكلة كبري ، فهو لم يكن كتابا في العلوم والهندسة ، ولذلك لو أنه كان بدأ يكشف عن أسرار الطبيعة لاختلف الناس فيما بينهم حول ما جاء في القرآن ، ولاستحال عندئذ بلوغ الهدف الحقيقي من نزول القرآن ، وهو إصلاح العقل الإنساني وتزكيته. فمن إعجاز القرآن أنه تكلم في لغة العلم قبل كشفه كما أنها ستعمل كلمات وتعبيرات لم يستوحشها أذواق الأقدمين ولا معارفهم علي حين أحاطت بكشوف العصر الحديث!
* * *
النوع الأول:
(أ‌) ذكر القرآن الكريم قانونا خاصا بالماء في سورتين: هما الفرقان والرحمن.
وجاء في السورة الأولي:
(وهو الذي مرج البحرين. هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج. وجعل بينهما برزخا وحجرا محجورا(161)).
وأما الآية التي وردت في السورة الأخرى فهي تقول:
(مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان(162)).
إن الظاهرة الطبيعية التي يذكرها القرآن في هذه الآيات معروفة عند الإنسان منذ أقدم العصور ؛ وهي أنه إذا ما التقي نهران في ممر مائي واحد فماء أحدهما لا يدخل (أي لا يذوب) في الآخر. وهناك علي سبيل المثال نهران يسيران في (تشاتغام) بباكستان الشرقية إلي مدينة (أركان) في (بورما) ويمكن مشاهدة النهرين مستقلا أحدهما عن الآخر ويبدو أن خيطا يمر بينهما حدا فاصلا ؛ والماء عذب في جانب وملح في جانب آخر. وهذا هو شأن الأنهار القريبة من السواحل فماء البحر يدخل ماء النهر عند حدوث (المد البحري) ولكنهما لا يختلطان ويبقي الماء عذبا تحت الماء الأجاج. وهكذا شاهدت عند لتقي نهري الكنج والجامونا في مدينة (الله آباد) فهما رغم التقائهما لم تختلط مياههما ويبدو أن خيطا فاصلا يميز أحدهما من الآخر (163).
إن هذه الظاهرة كما قلت كانت معروفة لدي الإنسان القديم. . ولكنا لم نكشف قانونها إلا منذ بضع عشرات من السنين. فقد أكدت المشاهدات والتجارب أن هناك قانونا ضابطا للأشياء السائلة ، يسمي (قانون المط السطحي)Surface Tension وهو يفصل بين السائلين ، لأن (تجاذب) الجزئيات يختلف من سائل لآخر ، ولذا يحتفظ كل سائل باستقلاله في مجاله. وقدا ستفاد العلم الحديث كثيرا من هذا القانون الذي عبر عنه القرآن الكريم بقوله سبحانه: (بينهما برزخ لا يبغيان). وملاحظة هذا البرزخ لم تخف عن أعين القدماء كما لم تتعارض مع المشاهدة الحديثة ، ونستطيع بكل ثقة أن نقول: إن المراد من (البرزخ) إنما هو (المط أو التمدد السطحي) الذي يوجد في المائين والذي يفصل أحدهما عن الآخر.
ويمكن فهم هذا المط السطحي بمثال بسيط وهو: أنك لو ملأت كوبا بالماء فإنه لن يفيض إلا إذا ارتفع عن سطح الكوب قدرا معينا. . والسبب في ذلك أن (جزئيات) السوائل عندما لا تجد شيئا تتصل به فوق سطح الكوب تتحول إلي ما هو تحتها ، وعندئذ توجد (غشاوة مرنة)Elastic Film علي سطح الماء ؛ وهذه الغشاوة هي التي تمنع الماء من الخروج عن الكوب لمسافة معينة وهي غشاوة قوية لدرجة أنك لو وضعت عليها إبرة من حديد فإنها لن تغوص! وهذه الظاهرة هي ما يسمي بالمط السطحي ، الذي يحول دون اختلاط الماء والزيت والذي يفصل بين الماء العذب والملح.
* * *
(ب) وجاءت في القرآن بيانات مماثلة وعلي سبيل المثال:
(الله الذي رفع السموات بغير عمد ترونها(164))
وهذه الآية مطابقة لما كان يراه الرجل القديم ؛ فإنه كان يشاهد عالما كبيرا قائما بذاته في الفضاء مكونا من الشمس والقمر والنجوم ، ولكنه لم ير لها أية ساريات أو أعمدة ، والرجل الجديد يجد في هذه الآية تفسيرا لمشاهدته ، التي تثبت أن الأجرام السماوية قائمة دون عمد في الفضاء اللانهائي ، بيد أن هنالك (عمدا غير مرئية) ؛ تتمثل في قانون (الجاذبية) Gravitation Pull وهي التي تساعد كل هذه الأجرام علي البقاء في أمكنتها المحددة.
(ج)وقد قال القرآن عن الشمس والنجوم:
(وكل في فلك يسبحون(165))
وكان الإنسان في العصر الغابر يشاهد أن النجوم تتحرك وتبتعد عن أمكنتها بعد وقت معين. ولذلك لم يكن هذا التعبير القرآني موضع دهشتهم واستغرابهم ، ولكن البحوث الحديثة قد خلعت علي هذه التعبيرات ثوبا جديدا ؛ فليس هنالك تعبير أروع ولا أدق من (السباحة) لدوران الأجرام السماوية في الفضاء البسيط اللطيف!
* * *
(د) وقال القرآن الكريم عن الليل والنهار:
(يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا(166).
إن هذه الآية الكريمة تشرح للإنسان القديم سر مجئ الليل بعد النهار. . ولكنها تحوي إشارة رائعة إلي دوران الأرض محوريا ، وهو الدوران الذي يعتبر سبب مجئ الليل والنهار طبقا لمعلوماتنا الحديثة.
وسوف أذكر القراء-هنا-بأن من بين المشاهدات التي أدلي بها رجل الفضاء الروسي (جاجارين) بعد دورانه في الفضاء حول الأرض: أنه شاهد (تعاقبا سريعا) Rapid Succession للظلام والنور علي سطح الأرض بسب دورانها المحوري حول الشمس.
وهناك بيانات كثيرة جدا من هذا القبيل في القرآن الكريم. .
* * *
النوع الثاني من الآيات:
وأما النوع الثاني من الآيات القرآنية المتعلقة بالموضوع ، فلم يعرف عنها الرجل القديم شيئا ما علي الإطلاق. وقد تناول القرآن تلك الموضوعات كاشفا الغطاء عن أسرار بالغة الأهمية ، ثبت صدقها بعد الدراسات الحديثة وسوف أعرض في الصفحات التالية بعض الأمثلة من مختلف فروع العلوم الحديثة.
* * *