الأخت سماح
بشأن قضية قبول بني اسرائيل التوراة، ورفض غيرهم لها بعد أنْ علموا بالواجبات التي يجب عليهم القيام بها، فيمكن الرد عليه بالتالي:
إنَّ بني إسرائيل كانوا يعملون عند الفراعنة عبيدًا، بل كان الفراعنة يقتلون ذكورهم، فكانت الواجبات التي في التوراة سهلة مقارنة بعبوديتهم عند الفراعنة، وقتل ذكورهم من الفراعنة؛ ولهذا تقبلوا التوراة، وبشأن رفض غيرهم التوراة فليس ﻷنَّ فيها إيمان بالله، فتاريخ اﻹيمان بالله هو اﻷقدم في تاريخ اﻹنسان، بل ﻷنَّ فيها واجبات تُكبِّل حياتهم، ولمَّا كانت حياتهم غير مُكبَّلة؛ فقد رفضوا التوراة من حيث فيها واجبات كثيرة مُكبَّلة لحياتهم، هذا على افتراض صحة النص الذي نتكلم عنه، وهو من وجهة نظري غير صحيح، والعقل ينسفه: فبنوا إسرائيل عندما كانوا في مصر لم يكونوا يعلمون المبادئ اﻷولية للتوراة، بل حتى عندما خرجوا إلى سيناء ووصلوها لم يكونوا يعلمون شيئًا عنها، بدلالة ذهاب النبي موسى عليه السلام عنهم لكي يأتي بالتوراة، فلو كانوا يعلمون التوراة لمَا كان هناك أي حاجة ﻷنْ يذهب النبي موسى عليه السلام ليحضر التوراة، لأنَّه سيكون تحصيل حاصل، وسيكونون - كلهم - أنبياء؛ وذلك ﻷنَّه عرضها على بني إسرائيل، وبالتأكيد كانوا يعلمون ما بها عندما عُرِضَت عليهم، ولكن على افتراض أنَّهم قبلوها قبل أنْ يعلموا ما بها، فإنَّ قبلوها عن جهل بهم، فمن أين لهم أنْ يعلموا أنَّ الذي عَرَضَ التوراة هو الله وليس الشيطان، فلا يمكن التأكد مِنْ أنَّ الله هو الذي عَرَضَها إلا بعد العلم بمضمونها، فإذا وجدوا فيها تمجيد للشيطان والحث على عبادة الشيطان وبث الشرور في العالم فيهي من الشيطان، أمَّا إذا وجدوا فيها أنَّ الله واحد، وأنَّه يُرْسِل رسلًا، ويحث على المعاملة الحسنة؛ فهي من عند الله، أو يمكن أنْ تكون من عند الله، وأقول يمكن أنْ يكون من عند الله ﻷنَّ العقل يمكن أنْ يتوصل إلى هذه المبادئ دون أنْ يُرْسِل الله رسلًا.
ولكن عبادة بني إسرائيل عجلًا في سيناء دليل على أنَّهم لم يعلموا ما بالتوراة، فالتوراة جاء بها النبي موسى بعد مدة غاب عنهم لكي يأتي لهم بالتوراة، فلمَّا رآهم موسى يعبدون عجلًا غضب عليهم، ومن هنا يُضاف عامل جديد على جهلهم بما في التوراة، وهو عبادتهم العجل، فإذا كانوا يعبدون العجل عن جهل فهم ليسوا شعبا مقدسًا؛ ﻷنَّ الجاهل ليس مقدسا، ولكن إذا كانوا يعبدون عجلًا بعد علمهم بما في التوراة فهم ليسوا شعبًا مقدسًا؛ ﻷنَّهم خالفوا مبادئ التوراة، حيث تأمر بتجنب عبادة اﻷصنام، وهكذا ففي الحالتين ليسوا شعبًا مقدسًا؛ وبهذا فعندما قالوا:"سمعنا وأطعنا" بعد قبولهم التوراة؛ فأنَّهم يكونوا قد سمعوا ولم يطيعوا اﻷوامر التي سمعوها، ولكن الحقيقة أنَّهم لم يسمعوا ولم يطيعوا، فموسى قد أتى بالتوراة بعد وصوله سيناء.
قد يُعْتَرض علينا: بأنَّ عبادة عجل لا تنفِ علمهم بالتوراة، فهي تجعلهم يَتَنَجَّسُوا، والمُتَنَجِّس يخرج من القداسة في حال نجاستة.
أقول: هذا صحيح، ولكن الصحيح أنَّّ موسى ذهب ليأتي بالتوراة، وقد عاد إليهم بالتوراة، وهذا دليل على أنَّ أول مَنْ علم بمضمون التوراة من بني إسرائيل هو النبي موسى عليه السلام، ثم بني إسرائيل، ومن هنا يتَّضح عدم صحة النص الذي ورد فيه:"أنَّ الله عرض التوراة على غيرهم قبلهم"، ويتضح أكثر أنَّ التوراة لبني إسرائيل من اﻷساس، وليست لغيرهم لا من اﻷساس ولا من غير اﻷساس.
وبناء عليه، فإنَّ الذي قِبَلَ التوراة عندما عُرِضَتْ عليه هو شخص واحد وهو النبي موسى، فأنا لا أتذكَّر أنَّ التوراة قد عُرِضت عليَّ لا في اليقظة ولا في النوم، وحال أمي مثل حالي، وكذلك أبي، بل حتى اﻷنبياء الذين سبقوا موسى والذين ليسوا من بني إسرائيل لم تُعْرَض عليهم، فلم تُعْرَض على نوح ولا على إبراهيم، ولا على إسماعيل، وإسحاق، ولا عُرِضَت على أنبياء بني إسرائيل الذين سبقوا النبي موسى: يعقوب ويوسف عليهم السلام جميعا، وغيرهم من اﻷنبياء الذين كانوا قَبْل النبي موسى.
الذي نعرفه أنَّ اﻷنبياء الذين سبقوا النبي موسى كانت اﻷسس التي يدينون بها لا تختلف عن بعضها وهي:
1- لا بد من وجود العقل ليحصل اﻹيمان بالله، وما يتفرع عن اﻹيمان بالله، وإلا فلا إيمان بالله بغياب العقل، وكذلك لا تصديق للرسل - بغياب العقل -.
2- الله موجود.
3- الله واحد.
4- الله يرسل رسلًا.
5- لا تقتل.
6- لا تزني.
7- لا عدوان إلا على الظالمين.
وغيرها من المبادئ التي يؤمن بها كل أتباع الرسل والتي يتفقون عليها ولا يختلفون.
وبناء عليه، فإنْ قلتَ أنَّ اﻷنبياء قد عُرِضت عليهم التوراة ولم يقبلوها؛ فإنَّك تطعن في اﻷنبياء ولا تعتبرهم مقدسين، فنوح ليس من بني إسرائيل، وكذلك إبراهيم، وكذلك إسماعيل، وهؤلاء كانوا يدعون إلى المبادئ التي ذكرتُها سابقا، ويتفقون عليها جميعا، ولكن لا سبيل إلى بالقول: "أنَّهم غير مقدسين"؛ ولذلك فإنَّ التوراة الموجودة بين أيديكم لا تنفعهم، وإنْ نفعتهم فمن باب الاتفاق على مبادئ عامة وليس كل المبادئ، فالتشريع يختلف من أمة إلى أخرى؛ ولمَّا كانت المبادئ العامة بين أيديهم فمَ حاجتهم إلى التوراة التي بين أيديكم؟!، فالمبادئ العامة الموجودة في التوراة كانت موجودة في أذهان اﻷنبياء، أو مكتوبة على صحف عندهم، ثم أنَّنا نرى أناس لم يعلموا كلام اﻷنبياء وهم أخيار، ومنهم من يصل بعقله إلى أنَّ الله موجود، وأنَّه واحد، وأنَّه يرسل رسلًا، وأنَّ البعث غير مستبعد، وبالتالي الجنة والنار غير مستبعدتين، وأنَّ القتل جريمة، وأنَّ الزنى جريمة، وهذا كله بناء على أحكام عقلية، ومن هنا فنصوصك التي أتيت بها غير صحيحة ويجب ألاَّ نُسيء إلى النبي موسي بنسبها إليه، بما فيها طلب موسى أنْ لا يكون أنبياء في غير بني إسرائيل، فآدم ليس من بني إسرائيل، وكذلك نوح وإبراهيم وإسماعيل إلخ.
كما ترى العقل نسف كل كلامك، بل نصوصك التي بين يديك نسفت كلامك قبل أنْ ينسفها العقل.







رد مع اقتباس


المفضلات