الإسرائيليات في قصة إرم ذات العماد :
ومن الإسرائيليات ما يذكره بعض المفسرين : كالطبري ، والثعلبي ، والزمخشري ، وغيرهم في تفسير قول تعالى : {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ، إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ ، الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ}(.الفجر : 6-8.)
فقد زعموا أن إرم مدينة ، وذكروا في بنائها ، وزخارفها ما هو من قبيل الخيال ، ورووا في ذلك : أنه كان لعادٍ ابنان : شداد ، شديد ، فملكا وقهرا ، ثم مات شديد وخلص الأمر لشداد فملك الدنيا ، فسمع بذكر الجنة ، فقال : أبني مثلها ، فبنى إرم في بعض صحاري عدن في ثلاثمائة سنة ، وكان عمره تسعمائة سنة ، وهي مدينة عظيمة ، وسورها من الذهب والفضة ، وأساطينها من الزبرجد والياقوت ، ولما تم بناؤها سار إليها بأهب(جمع أهبة ، والأهبة بضم الهمزة العدة كما في القاموس) مملكته ، فلما كان منها مسيرة يوم وليلة بعث الله تعالى عليهم صيحة من السماء ، فهلكوا.
وروى وهب بن منبه عن عبد الله بن قلابة : أنه خرج في طلب إبل له فوقع عليها يعني مدينة إرم ، فحمل منها ما قدر عليه ، وبلغ خبره معاوية ، فاستحضره ، وقص عليه فبعث إلى كعب الأحبار ، فسأله عنها فقال : هي إرم ذات العماد ، وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانه أحمر ، أشقر ، قصير ، على حاجبه خال ، ثم التفت ، فأبصر ابن قلابة ، فقال : هذا والله ذاك الرجل(.انظر الكشاف للزمخشري عند تفسير هذه الآية ، وتفسير البغوي ، والنسفي ، والخازن عند تفسير هذه الآية.)
وهذه القصة موضوعة ، كما نبه إلى ذلك الحفاظ ، وآثار الوضع لائحة عليه ، وكذلك ما روي أن إرم : مدينة دمشق ، وقيل : مدينة الإسكندرية ، قال السيوطي في "الدر المنثور" : وأخرج عبد بن حميد ، وابن أبي حاتم ، عن عكرمة ، قال : إرم هي دمشق ، وأخرج ابن جرير ، وعبد بن حميد ، وابن عساكر عن سعيد المقبري مثله ، وأخرج ابن عساكر ، عن سعيد بن المسيب ، مثله ، قال : واخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، عن محمد بن كعب القرظي ، قال : إرم هي الإسكندرية(الدر المنثور ج 6 ص 347).
وكل ذلك من خرافات بني إسرائيل ، ومن وضع زنادقتهم ، ثم رواها مسلمة أهل الكتاب فيما رووا ، وحملها عنهم بعض الصحابة والتابعين ، وألصقت بتفسير القرآن الكريم ، قال ابن كثير في تفسيره : ومن زعم أن المراد بقوله : {إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ} : مدينة إما دمشق ، أو اسكندرية ، أو غيرها ، ففيه نظر ، فإنه كيف يلتئم الكلام على هذا : {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ، إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ} إن جعل بدلا أو عطف بيان( أي لفظ ، إرم... بدل من عاد أو عطف بيان.)؟ فإنه لا يتسق الكلام حينئذ ، ثم المراد إنما هو الإخبار عن إهلاك القبيلة المسماة بعاد ، وما أحل الله بهم من بأسه الذي لا يرد ، لا المراد الإخبار عن مدينة أو إقليم ، وإنما نبهت على ذلك ؛ لئلا يُغتَرَّ بكثير مما ذكره جماعة من المفسرين عن هذه الآية ، من ذكر مدينة يقال لها : إرم ذات العماد ، مبنية بلبن الذهب والفضة ، وأن حصباءها لآلئ وجواهر ، وترابها بنادق المسك... فإن هذا كله من خرافات الإسرائيليين ، من وضع بعض زنادقتهم ؛ ليختبروا بذلك القول الجهلة من الناس أن تصدقهم في جميع ذلك ، وقال فيما روي عن ابن قلابة : فهذه الحكاية ليس يصح إسنادها ، ولو صح إلى ذلك الأعرابي فقد يكون اختلق ذلك ، أو أصابه نوع من الهوس ، والخيال ، فاعتقد أن ذلك له حقيقة في الخارج ، وهذا ما يقطع بعدم صحته(تفسير ابن كثير ج 8 ص 196) ، وهذا قريب مما يخبر به كثير من الجهلة ، والطامعين ، والمتحيلين من وجود مطالب تحت الأرض فيها قناطير الذهب والفضة... فيحتالون على أموال الأغنياء والضعفة ، والسفهاء ، فيأكلونها بالباطل ، في صرفها في بخاخير ، وعقاقير ، ونحو ذلك من الهذيانات ، ويطنزون بهم.
الصحيح في تفسير الآية :
والصحيح في تفسير الآية : أن المراد بعاد ، إرم ذات العماد ، قبيلة عادة المشهورة ، التي كانت تسكن الأحقاف ، شمالي حضرموت ، وهي عاد الأولى ، التي ذكرها الله سبحانه في سورة النجم ، قال سبحانه : {وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى} ، ويقال لمن بعدهم : عاد الآخرة وهم ولد عاد بن إرم بن عوص بن سام بن نوح ، قال ابن إسحاق وغيره : وهم الذين بعث فيهم رسول الله هودًا عليه السلام فكذبوه ، وخالفوه ، فأنجاه الله من بين أظهرهم ، ومن آمن معه منهم ، وأهلكهم {بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ ، سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ ، َهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَة} ؟
وقد ذكر الله قصتهم في القرآن في غير ما وضع ؛ ليعتَبِر بمصرعهم المؤمنون ، فقوله تعالى : {إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَاد} : بدل من عاد أو عطف بيان زيادة تعريف بهم ، وقوله تعالى : {ذَاتِ الْعِمَادِ} لأنهم كانوا في زمانهم أشد الناس خلقة ، وأعظمهم أجساما ، وأقواهم بطشا ، وقيل : ذات الأبنية التي بنوها ، والدور ، والمصانع التي شادوها ، وقيل : لأنهم كانوا يسكنون بيوت الشعر التي ترفع بالأعمدة الغلاظ الشداد ، والأول أصح وأولى ، فقد ذكرهم نبيهم هود بهذه النعمة ، وأرشدهم إلى أن يستعملوها في طاعة الله تبارك وتعالى الذي خلقهم ومنحهم هذه القوة فقال : {وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}(.الأعراف : 69.) وقال تعالى : {فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً}(فصلت : 15.). وقوله هنا : {الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلاد} أي القبيلة المعروفة المشهورة التي لم يخلق مثلها في بلادهم ، وفي زمانهم ؛ لقوتهم ، وشدتهم وعظم تركيبهم.
ومهما يكن من تفسير ذات العماد : فالمراد القبيلة ، وليس المراد مدينة ، فالحديث في السورة إنما هو عمن مضى الأقوام الذين مكن الله لهم في الأرض ، ولما لم يشكروا نعم الله عليهم ، ويؤمنوا به وبرسله ، بطش بهم ، وأخذهم أخذ عزيز مقتدر ، ففيه تخويف لكفار مكة ، الذين هم دون هؤلاء في كل شيء وتحذيرهم أن يصيبهم مثل ما أصاب هؤلاء.
ما روي في عظم طولهم لا يصح :
وليس معنى قوتهم ، وعظم خلقهم ، وشدة بطشهم ، أنهم خارجون عن المألوف في الفطرة ، فمن ثم لا نكاد نصدق ما روي في عظم أجسامهم ، وخروج طولهم عن المألوف المعروف حتى في هذه الأزمنة ، فقد روى ابن جرير في تفسيره ، وابن أبي حاتم وغيرهما عن قتادة قال : كنا نحدث أن إرم قبيلة من عاد ، كان يقال لهم : ذات
العماد ، كانوا أهل ، {الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلاد} ، قال : ذكرنا لنا أنهم كانوا اثنى عشر ذراعا(حوالي ستة أمتار أو تزيد) طولا في السماء ، وهذا من جنس ما روي في العماليق ، وأغلب الظن عندي أن من ذكر لهم ذلك هم أهل الكتاب الذين أسلموا ، وأنه من الإسرائيليات المختلقة.
وأيضا لا نكاد نصدق ما روي عن المعصوم صلى الله عليه وسلم في هذا ، فقد روى ابن أبي حاتم ، قال : حدثنا أبي ، قال حدثنا أبو صالح كاتب الليث ، قال : حدثني معاوية بن صالح ، عمن حدثه ، عن المقدام بن معد يكرب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر إرم ذات العماد فقال : "كان الرجل منهم يأتي إلى الصخرة ، فيحملها على كاهله ، فيلقيها على أي حي أراد فيهلكهم"(تفسير ابن كثير ج 8.) ولعل البلاء ، والاختلاق فيه من المجهول ، وروى مثله ابن مردويه(الدر المنثور ج 6 ص 347.).
ولعن الله من نسب مثل هذا الباطل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا نشك أن هذا من عمل زنادقة اليهود والفرس وأمثالهم ، الذين عجزوا أن يقاوموا سلطان الإسلام ، فسلكوا في محاربته مسلك الدس ، والاختلاق ، بنسبة أمثال هذه الخرافات إلى المعصوم صلى الله عليه وسلم ، وأنا أعجب لمسلم يقبل أمثال هذه المرويات التي تزري بالإسلام ، وتنفر منه ، ولا سيما في هذا العصر الذي تقدمت فيه العلوم ، والمعارف ، وأصبح ذكر مثل هذا يثير السخرية ، والاستنكار والاستهزاء.