الإسرائيليات في قصة أيوب عليه السلام :
ومن القصص التي تزيَّد فيها المتزيدون ، واستغلها القصاصون ، وأطلقوا فيها لخيالهم العنان : قصة سيدنا أيوب عليه السلام ، فقد رووا فيها ما عصم الله أنبياءه عنه ، وصوروه بصورة لا يرضاها الله لرسولٍ من رسله.
فقد ذكر بعض المفسرين عند تفسير قوله تعالى : {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ
أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ ، ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ ، وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ ، وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ}(ص : 41-44 ). ذكر السيوطي في "الدر المنثور" وغيره ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله تعالى : {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ}... الآية ، قال : ذهاب الأهل والمال ، والضر الذي أصابه في جسده ، قال : ابتلي سبع سنين وأشهرا ، فألقي على كناسة بني إسرائيل ، تختلف الدواب في جسده ، ففرَّج الله عنه ، وأعظم له الأجر ، وأحسن.
قال : وأخرج أحمد في الزهد ، وابن أبى حاتم ، وابن عساكر عن ابن عباس رضي الله عنهما ، قال : إن الشيطان عرج إلى السماء فقال : يا رب سلطني على أيوب عليه السلام ، قال الله : قد سلطتك على ماله ، وولده ، ولم أسلطك على جسده ، فنزل : فجمع جنوده فقال لهم : قد سلطت على أيوب عليه السلام فأروني سلطانكم فصاروا نيرانا ، ثم صاروا ماء ، فينما هم بالمشرق إذا هم بالمغرب ، وبينما هم بالمغرب إذا هم بالمشرق ، فأرسل طائفة منهم إلى زرعه ، وطائفة إلى أهله ، وطائفة إلى بقره ، وطائفة إلى غنمه ، وقال : إنه لا يعتصم منكم إلا بالمعروف : فأتوه بالمصائب بعضها على بعض ، فجاء صاحب الزرع فقال : يا أيوب ، ألم ترَ إلى ربك : أرسل على زرعك عدوا ، فذهب به ، وجاء صاحب الإبل ، وقال : ألم ترَ إلى ربك أرسل على إبلك عدوا ، فذهب بها ، ثم جاء صاحب البقر ، فقال : ألم ترَ إلى ربك أرسل على بقرك عدوا ، فذهب بها ، وتفرد هو ببنيه جمعهم في بيت أكبرهم ، فينما هم يأكلون ، ويشربون إذ هبت ريح فأخذت بأركان البيت ، فألقته عليهم ، فجاء الشيطان إلى أيوب بصورة غلام ، فقال : يا أيوب ، ألم تر إلى ربك جمع بنيك في بيت أكبرهم ، فينما هم يأكلون ، ويشربون ؛ إذ هبت ريح ، فأخذت بأركان البيت ، فألقته عليهم ، فلو رأيتهم حين اختلطت دماؤهم ، ولحومهم بطعامهم ، وشرابهم ، فقال له أيوب : أنت الشيطان ، ثم قال له : أنا اليوم كيوم ولدتني أمي ، فقام ، فحلق رأسه ، وقام يصلي ، فرنَّ إبليس رنَّةً سمع بها أهل السماء وأهل الأرض ، ثم خرج إلى السماء ، فقال : أي رب ، إنه قد اعتصم ، فلسلطني عليه ، فإني لا أستطيعه إلا بسلطانك ، قال : قد سلطتك على جسده ، ولم أسلطك على قلبه ، فنزل ، فنفخ تحت قدمه نفخة ، قرح ما بين قدميه إلى قرنه ، فصار قرحة واحدة ، وألقي على الرماد ، حتى بدا حجاب قلبه ، فكانت امرأته تسعى إليه ، حتى قالت له : أما ترى يا أيوب ، قد نزل بي والله من الجهد والفاقة ما إن بعت قروني برغيف ، فأطعمك ، فادع الله أن يشفيك ، ويريحك ، قال : ويحك ؛ كنا في النعيم سبعين عاما ، فاصبري حتى نكون في الضر سبعين عاما ، فكان في البلاء سبع سنين ، ودعا ، فجاء جبريل عليه السلام يومًا فأخذ بيده ، ثم قال : قم : فقام ، فنحاه عن مكانه ، وقال : اركض برجلك ، هذا مغتسل بارد وشراب ، فركض برجله ، فنبعت عين ، فقال : اغتسل ، فاغتسل منها ، ثم جاء أيضا ، فقال : اركض برجلك فنبعت عين أخرى ، فقال له : اشرب منها ، وهو قوله : {ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ} ، وألبسه الله حلة من الجنة.
فتنحى أيوب ، فجلس في ناحية ، وجاءت امرأته ، فلم تعرفه ، فقالت : يا عبد الله ، أين المبتلى الذي كان هنا ، لعل الكلاب ذهبت به ، أو الذئاب ، وجعلت تكلمه ساعة ، فقال : ويحك ، أنا أيوب!! قد رد الله علي جسدي ، ورد الله عليه ماله ، وولده عيانًا ومثلهم معهم...(الدر المنثور ج 5 ص 315 ، 316).
قال : وأخرج أحمد في الزهد ، عن عبد الرحمن بن جبير رضي الله عنه قال : ابتلي أيوب بماله ، وولده ، وجسده ، وطرح في المزبلة ، فجاءت امرأته تخرج ، فتكتسب عليه ما تطعمه ، فحسده الشيطان بذلك ، فكان يأتي أصحاب الخير والغنى ، فيقول : اطردوا هذه المرأة التي تغشاكم ، فإنها تعالج صاحبها ، وتلمسه بيدها ، فالناس يتقذرون طعامكم من أجلها ، فجعلوا لا يدنونها منهم ، ويقولون تباعدي ونحن نطعمك ، ولا تقريبنا...
وقد ذكر ابن جرير ، وابن أبي حاتم الكثير من هذه الروايات في تفسيريهما ، منها : ما هو موقوف ، وبعضها مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وكذلك ذكر ابن جرير والبغوي ، وغيرهما ، عند تفسير قوله تعالى : {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ، فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ}(الأنبياء : 83 ، 84.) الكثير من الإسرائيليات.
فقد رويا قصة أيوب وبلائه عن وهب بن منبه ، في بضع صحائف ، وقد التبس فيها الحق بالباطل ، والصدق بالكذب(تفسير البغوي على هامش تفسير ابن كثير ج5 من ص 509-518).
وقال ابن كثير في تفسيره عند هذه الآية : "وقد روي عن وهب بن منبه في خبره -يعني أيوب- قصة طويلة ، ساقها ابن جرير ، وابن أبي حاتم بالسند عنه ، وذكرها غير واحد من متأخري المفسرين ، وفيها غرابة ، تركناها لحال الطول.
ومن العجيب : أن الحافظ الناقد ابن كثير وقع فيما وقع فيه غيره في قصة أيوب ، من ذكر الكثير من الإسرائيليات ولم يعقب عليه(تفسير ابن كثير ج5 ص 509-518) ، مع أن عهدنا به أنه لا يذكر شيئا من ذلك إلا وينبه على مصدره ، ومن أين دخل في الرواية الإسلامية ، ولا أظن أنه يرى في هذا أنه مما تباح روايته!!!
فقد ذكر أنه يقال : إنه أصيب بالجذام في سائر بدنه ، ولم يبق منه سليم سوى قلبه ولسانه ، يذكر بهما الله عز وجل ، حتى عافه الجليس ، وصار منبوذا في ناحية من البلد ، ولم يبق أحد من الناس يحنو عليه غير زوجته ، وتحملت في بلائه ما تحملت ، حتى صارت تخدم الناس ، بل قد باعت شعرها بسبب ذلك ، ثم قال : وقد روي : أنه مكث في البلاء مدة طويلة ، ثم اختلفوا في السبب المهيج له على هذا الدعاء ، فقال الحسن يعني البصري وقتادة : ابتلي أيوب عليه السلام سبع سنين وأشهرا ملقى على كناسة بني إسرائيل ، تختلف الدواب في جسده ، ففرج الله عنه ، وأعظم له الأجر ، وأحسن عليه الثناء ، وقال وهب بن منبه : مكث في البلاء ثلاث سنين ، لا يزيد ولا ينقص. وقال السدي( إن كان السدي الصغير فهو كذاب ، وإن كان السدي الكبير فمختلف في تعديله.
تساقط لحم أيوب ، حتى لم يبق إلا العصب والعظام... ثم ذكر قصة طويلة.
ثم ذكر ما رواه ابن أبي حاتم بسنده ، عن الزهري ، عن أنس بن مالك : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "إن نبي الله أيوب لبث به بلاؤه ثماني عشرة سنة ، فرفضه القريب ، والبعيد ، إلا رجلين من إخوانه له ، كانا يغدوان إليه ، ويروحان ، فقال أحدهما لصاحبه : تعلم والله لقد أذنب أيوب ذنبا ما أذنبه أحد من العالمين ، فقال له صاحبه : وما ذاك ؟ قال : منذ ثماني عشرة سنة لم يرحمه الله ، فيكشف ما به ، فلما راحا إليه لم يصبر الرجل حتى ذكر ذلك له ، فقال أيوب عليه السلام : ما أدرى ما تقول ، غير أن الله عز وجل يعلم أني كنت أَمُرُّ على الرجلين يتنازعان ، فيذكران الله ، فأرجع إلى بيتي فأكفر عنهما كراهية أن يذكرا الله إلا في حق ، قال : وكان يخرج في حاجته ، فإذا قضاها أمسكت امرأته بيده ، حتى يبلغ ، فلما كان ذات يوم أبطأت عليه ، فأوحى الله إلى أيوب في مكانه ، : أن اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب".
وقال ابن كثير : رفع هذا الحديث غريب جدا ، وقال الحافظ ابن حجر : وأصح ما ورد في قصته : ما أخرجه ابن أبي حاتم ، وابن جرير ، وصححه ابن حبان ، والحاكم ، بسند عن أنس : أن أيوب... ثم ذكر مثل ذلك.
أقول : والمحققون من العلماء على أن نسبة هذا إلى المعصوم صلى الله عليه وسلم إما من عمل بعض الوضاعين الذين يركبون الأسانيد للمتون ، أو من غلط بعض الرواة ، وأن ذلك من إسرائيليات بني إسرائيل وافتراءاتهم على الأنبياء ، والأصحية هنا نسبية ، على أن صحة السند لا تنافي أن أصله من الإسرائيليات ، كما قلت مرارًا ، والإمام الحافظ ابن حجر على جلالته ربما يوافق على تصحيح ما يخالف الأدلة العقلية والنقلية ، كما فعل في قصة الغرانيق ، وهاروت وماروت وكل ما روي موقوفا أو مرفوعا لا يخرج عما ذكره وهب بن منبه ، في قصة أيوب ، التي أشرنا إليها آنفا ، وما رواه ابن إسحاق أيضا ، فهو مما أخذه عن وهب ، وغيره.
وهذا يدل أعظم الدلالة على أن معظم ما روي في قصة أيوب مما أخذ عن أهل الكتاب الذين أسلموا ، وجاء القصاصون المولعون بالغرائب ، فزادوا في قصة أيوب ، وأذاعوها ، حتى اتخذ منها الشحاذون ، والمتسولون وسيلة لاسترقاق قلوب الناس ، واستدرار العطف عليهم.
الحق في هذه القصة :
وقد دل كتاب الله الصادق ، على لسان نبيه محمد الصادق على أن الله تبارك وتعالى ابتلى نبيه أيوب عليه الصلاة والسلام في جسده وأهله وماله ، وأنه صبر حتى حتى صار مضرب الأمثال في ذلك ، وقد أثنى الله عليه هذا الثناء المستطاب ، قال عز شأنه : {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّاب} ، فالبلاء مما لا يجوز أن يشك فيه أبدًا ، والواجب على المسلم : أن يقف عند كتاب الله ، ولا يتزيد في القصة كما تزيد زنادقة أهل الكتاب ، وألصقوا بالأنبياء ما لا يليق بهم ، وليس هذا بعجيب من بني إسرائيل الذين لم يتجرأوا على أنبياء الله ورسله فحسب بل تجرأوا على الله تبارك وتعالى ونالوا منه وفحشوا عليه ، ونسبوا إليه ما قامت الأدلة العقلية والنقلية المتواترة على استحالته عليه سبحانه وتعالى من قولهم : {إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء}(آل عمران : 181) وقولهم : : {يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا}(المائدة : 64.) ، عليهم لعائن الله.
والذي يجب أن نعتقده : أنه ابتلي ، ولكن بلاءه لم يصل إلى حد هذه الأكاذيب ، من أنه أصيب بالجذام(الجذام : مرض من أخبث الأمراض ، وأقذرها) ، وأن جسمه أصبح قرحة ، وأنه أُلقِيَ على كناسة بني إسرائيل ، يرعى في جسده الدود ، وتعبث بن دواب بني إسرائيل ، أو أنه أصيب بمرض الجدري.
وأيوب عليه صلوات الله وسلامه أكرم على الله من أن يلقى على مزبلة ، وأن يصاب بمرض ينفر الناس من دعوته ، ويقززهم منه ، وأي فائدة تحصل من الرسالة وهو على هذه الحال المرزية التي لا يرضاها الله لأنبيائه ورسله ؟.
والأنبياء إنما يبعثون من أوساط(خيارهم وأكرمهم نسبا وعشيرة) قومهم ، فأين كانت عشيرته فتواريه ، وتطعمه ؟! بدل أن تخدم امرأته الناس ، بل وتبيع ضفيرتيها في سبيل إطعامه!!
بل أين كان أتباعه ، والمؤمنون منه ، هل تخلَّوا عنه في بلائه ؟! وكيف والإيمان ينافي ذلك ؟!
الحق : أن نسج القصة مهلهل ، لا يثبت أمام النقد ، ولا يؤيده عقل سليم ، ولا نقل صحيح ، وأن ما أصيب به أيوب من المرض إنما كان من النوع غير المنفر ، والمقزز ، وأنه من الأمراض التي لا يظهر أثرها على البشرة ، كالروماتيزم ، وأمراض المفاصل ، والعظام ونحوها ، ويؤيد ذلك : أن الله لما أمره أن يضرب الأرض بقدمه ، فنبعت عين ، فاغتسل ، منها ، وشرب ، فبرأ بإذن الله ، وقيل : إنه ضرب الأرض برجله فنبعت عين حارة ، فاغتسل منها ، وضربها مرة أخرى ، فنبعت عين باردة ، فشرب منها ، والله أعلم بالصواب ، وظاهر القرآن عدم التعدد في الضرب ولا في نبع الماء.
مقالة الإمام القاضي أبي بكر ابن العربي :
ويعجبني ما قاله الإمام القاضي أبو بكر ابن العربي رحمه الله قال : "ولم يصح عن أيوب في أمره إلا ما أخبرنا الله عنه في كتابه في آيتين : الأولى في قوله تعالى : {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرّ...} والثانية في "ص" : {أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} وأما النبي صلى الله عليه وسلم : فلم يصح عنه أنه ذكره بحرف واحد إلا قوله : "بينما أيوب يغتسل ، إذ خر عليه رجل من جراد من ذهب..."(*) الحديث ، وإذا لم يصح فيه قرآن ، ولا سنة إلا ما ذكرنا فمن الذي يوصل السامع إلى أيوب خبره ، أم على أي لسان سمعه ؟! ، والإسرائيليات مرفوضة عند العلماء على البتات ، فأعرض عن سطورها بصرك ، وأصم عن سماعها أذنيك ؛ فإنها لا تعطي فكرك إلا خيالا ، ولا تزيد فؤادك إلا خبالا ، وفي الصحيح واللفظ للبخاري : أن ابن عباس قال : "يا معشر المسلمين ، تسألون أهل الكتاب ، وكتابكم الذي أنزل على نبيكم أحدث الأخبار بالله ، تقرءونه محضا لم يشب ، وقد حدثكم أن أهل الكتاب قد بدلوا من كتب الله ، وغيروا وكتبوا بأيديهم الكتب ، فقالوا : هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا ، ألا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مساءلتهم ، فلا والله ما رأينا رجلا منهم يسألكم عن الذي أنزل عليكم"( صحيح البخاري ، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة ، باب لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء.) وقد أنكر النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الموطأ على عمر قراءته التوراة".
وقال الإمام الآلوسي في تفسيره ، بعد أن ذكر بعض مما ذكرنا : وعظم بلائه عليه السلام مما شاع وذاع ولم يختلف فيه اثنان ، لكن في بلوغ أمره إلى أن ألقي على كناسة ، ونحو ذلك فيه خلاف.
قال الطبرسي : قال أهل التحقيق : إنه لا يجوز أن يكون بصفة يستقذره الناس عليها ؛ لأن في ذلك تنفيرًا ، فأما الفقر والمرض ، وذهاب الأهل فيجوز أن يمتحنه الله تعالى بذلك.
وفي هداية المريد للَّقاني : أنه يجوز على الأنبياء عليهم السلام كل عرض بشري ، ليس محرما ولا مكروها ، ولا مباحا مرزيا ، ولا مزمنا ، ولا مما تعافه الأنفس ، ولا مما يؤدي إلى النفرة ، ثم قال بعد ورقتين : واحترزنا بقولنا : ولا مزمنا ولا مما تعافه الأنفس.
عما كان كذلك كالإقعاد ، والبرص والجذام ، والعمى ، والجنون.
وأما الإغماء : فقال النووي : لا شك في جوازه عليهم ؛ لأنه مرض بخلاف الجنون ، فإنه نقص ، وقيد أبو حامد يعني الغزالى الإغماء بغير الطويل ، وجزم به البلقيني ، قال السبكي : وليس كإغماء غيرهم ، لأنه إنما يستر حواسهم الظاهرة ، دون قلوبهم ، لأنها معصومة من النوم الأخف ، قالك ويمتنع عليهم الجنون ، وإن قل ، لأنه نقص ، ويلحق به العمى ، ولم يعمى نبي قط ، وما ذكر عن شعيب من أنه كان ضريرا لم يثبت ، وأما يعقوب فحصلت له غشاوة وزالت. انتهى.
وفرق بعضهم في عروض ذلك بين أن يكون بعد التبليغ وحصول الغرض من النبوة : فيجوز ، وبين أن يكون قبل : فلا يجوز ، ولعلك تختار القول بحفظهم مما تعافه النفوس ، ويؤدي إلى الاستقذار والنفرة كما يشعر به ما روي عن قتادة ، ونقله القصاص في كتبهم ، وذكر بعضهم أن داءه كان الجدري ، ولا أعتقد صحة ذلك ، والله تعالى أعلم(تفسير الآلوسي ج 23 ص 208 ط منير.).


_______________________________________
(*) هو ما رواه البخاري في صحيحه بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "بينما أيوب يغتسل عريانا خر عليه رجل أي جماعة جراد من ذهب فجعل يحثي في ثوبه فناده ربه : يا أيوب ألم أكن أغنيتك عما ترى ؟ قال : بلى يا رب ، ولكن لا غنى لي عن بركتك".