البداية و النهاية ج 1
ذكر قس بن ساعدة الإيادي" أحد الحنفاء -دين ابراهيم -


حدثنا محمد بن الحجاج عن مجالد ، عن الشعبي ، عن ابن عباس . قال : قدم وفد عبد القيس على النبي صلى الله عليه و سلم فقال : أيكم يعرف القس بن ساعدة الإيادي ؟ قالوا : كلنا يعرفه يا رسول الله . قال : فما فعل ؟ قالوا هلك . قال : فما أنساه بعكاظ في الشهر الحرام و هو على جمل أحمر و هو يخطب الناس و هو يقول : يا أيها الناس اجتمعوا و استمعوا و عوا ، من عاش مات ، و من مات فات ، و كل ما هو آت آت . إن في السماء لخبراً ، و إن في الأرض لعبراً ، مهاد موضوع ، و سقف مرفوع ، و نجوم تمور ، و بحار لا تغور . و أقسم قس قسماً حقاً لئن كان في الأمر رضى ليكون بعده سخط . إن لله لديناً هو أحب إليه من دينكم الذي أنتم عليه . مالي أرى الناس يذهبون و لا يرجعون . أرضوا بالمقام فأقاموا ، أم تركوا فناموا . ثم قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : أفيكم من يروي شعره ؟ " فأنشده بعضهم : مجزوء الكامل
في الذاهبين الأوليـ ـن من القرون لنا بصائر
لما رأيت موارداً للموت ليس لها مصادر
و رأيت قومي نحوها يسعى الأصاغر و الأكابر
لا يرجع الماضي إلي و لا من الباقين غابر
أيقنت أني لا محا لة حيث صار القوم صائر
و هكذا أورده الحافظ البيهقي في كتابه دلائل النبوة محمد بن حسان السلمي به.

**
أقبل عليهم رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال : أفيكم من يعرف قس بن ساعدة الإيادي ، فقال الجارود : فداك أبي و أمي كلنا نعرفه و إني من بينهم لعالم بخبره واقف على أمره . كان قس يا رسول الله سبطاً من أسباط العرب عمر ستمائة سنة تقفز منها خمسة أعمار في البراري و القفار ، يضج بالتسبيح على مثال المسيح لا يقره قرار ، و لا تكنه دار ، و لا يستمتع به جار . كان يلبس الإمساح و يفوق السياح ، و لا يفتر من رهبانيته يتحسى في سياحته بيض النعام و يأنس بالهوام ، و يستمتع بالظلام ، يبصر فيعتبر ، و يفكر فيختبر ، فصار لذلك واحداً تضرب بحكمته الأمثال ، و تكشف به الأهوال . أدرك رأس الحواريين سمعان ، و هو أول رجل تأله من العرب و وحد ، و أقر و تعبد ، و أيقن بالبعث و الحساب ، و حذر سوء المآب ، و أمر بالعمل قبل الفوت ، و وعظ بالموت ، و سلم بالقضاء ، على السخط و الرضا ، و زار القبور ، و ذكر النشور ، و ندب بالأشعار ، و فكر في الأقدار ، و أنبأ عن السماء و النماء ، و ذكر النجوم و كشف الماء ، و وصف البحار ، و عرف الآثار ، و خطب راكباً ، و وعظ دائباً ، و حذر من الكرب ، و من شدة الغضب ، و رسل الرسائل ، و ذكر كل هائل ، و أرغم في خطبه ، و بين في كتبه ، و خوف الدهر ، و حذر الأزر ، و عظم الأمر ، و جنب الكفر ، و شوق إلى الحنيفة ، . و هو القائل في يوم عكاظ : شرق و غرب ، و يتم و حزب ، و سلم و حرب ، و يابس و رطب ، و أجاج و عذب ، و شموس و أقمار ، و رياح و أمطار ، و ليل و نهار ، و أناث و ذكور ، و برار و بحور ، و حب و نبات ، و آباء و أمهات ، و جمع و أشتات ، و آيات في إثرها آيات ، و نور و ظلام ، و يسر و إعدام ، و رب و أصنام ، لقد ضل الأنام ، نشو مولود ، و وأد مفقود ، و تربية محصود ، و فقير و غني ، و محسن و مسيء ، تباً لأرباب الغفلة ، ليصلحن العامل عمله ، و ليفقدن الآمل أمله ، كلا بل هو إله واحد ، ليس بمولود و لا والد ، أعاد و أبدى ، و أمات و أحيا ، و خلق الذكر و الأنثى ، رب الآخرة و الأولى . أما بعد : فيا معشر إياد ، و ثمود و عاد ؟ و أين الآباء و الأجداد ؟ و أين العليل و العواد ؟ كل له معاد يقسم قس برب العباد ، و ساطح المهاد ، لتحشرن على الانفراد ، في يوم التناد ، إذا نفخ في الصور و نقر في الناقور ، و أشرقت الأرض ، و وعظ الواعظ ، فانتبذ القانط و أبصر اللاحظ ، فويل لمن صدف عن الحق الأشهر ، و النور الأزهر ، و العرض الأكبر ، في يوم الفصل ، و ميزان العدل ، إذا حكم القدير ، و شهد النذير ، و بعد النصير ، و ظهر التقصير ، ففريق في الجنة و فريق في السعير . و هو القائل : البحر الخفيف
ذكر القلب من جواه ادكار و ليال خلالهن نهار
و سجال هواطل من غمام ثرن ماءً و في جواهن نار
ضوؤها يطمس العيون و أرعا د شداد في الخافقين تطار
و قصور مشيدة حوت الخـ ـير و أخرى خلت بهن قفار
و جبال شوامخ راسيات و بحار مياههن غزار
و نجوم تلوح في ظلم الليـ ـل نراها في كل يوم تدار
ثم شمس يحثها قمر الليـ ـل و كل متابع موار
و صغير و أشمط و كبير كلهم في الصعيد يوماً مزار
و كبير مما يقصر عنه حدسه الخاطر الذي لا يحار
فالذي قد ذكرت دل على اللـ ـه نفوساً لها هدىً و اعتبار