و الجدل المثار حول خاتمة مرقس .. يواكبه جدل آخر في الأوساط الأكاديمية بعد أن تبيّن للنقاد وجود قراءتين هامتين للإنجيل الثاني .. قراءة طويلة و قراءة أقصر منها . و الخلاف الرئيسي هو أيهما الأصل .. هل تمّ " تهذيب " القراءة الطويلة .. أم تم التوسّع في القراءة الأقصر ؟

ذهب نقاد بارزون كهلمت كوستر Koester Helmut و شنك Schenk و كروسان Crossan إلى القول الأول .. و ذهب آخرون كديفيد بيبادي David Peabodyو فرنس نيرينك Frans Neirynck و فيليب سلو Philip Sellew و روبرت هـ . جاندري Robert H. Gundry إلى القول الثاني ...

و الخلاصةالمتفق عليها بين الجميع , هي طروء التحريف الفاحش عل إنجيل مرقس !

و بعيدا عن هذا الأمر"أثار كتاب "تطور الأناجيل" الذي صدر أخيرا للسياسي البريطاني "اٍينوك باول" ضجة كبيرة ، عندما أعلن الباحث ان قصة صلب الرومان للمسيح لم تكن موجودة في النص الأصلي للأناجيل. إذ قام باول بإعادة ترجمة إنجيل متى من اللغة اليونانية. فتبين له أن هنالك أجزاء وردت مكررة في هذا الإنجيل مما يوحي بأنه أعيدت كتابتها في مرحلة تالية.

و أهم الوقائع المكررة ما ورد في الجزء الأخير من الإنجيل، الذي يتعلق بمحاكمة المسيح وصلبه. فقد لاحظ الكاتب أن هذه المحاكمة، بعد انتهائها أمام الكاهن الأكبر، تعود فتتكرر مرة ثانية- بالكلمات ذاتها- مع فارق واحد أن المحاكمة الثانية- بعكس المحاكمة الأولى- تنتهي بتنفيذ حكم الإعدام فيه عن طريق الصلب- واستنتج الباحث أن استخدام الألفاظ المستعملة نفسها في المحاكمة الأولى- لصياغة قصة المحاكمة الثانية، على رغم تغير الظروف، يوحي بالتكرار المتعمد وليس بالإشارة إلى حدث جديد، و أعرب المؤلف عن اعتقاده بأن النتيجة الطبيعية للمحاكمة الأصلية أمام مجلس الكهنة- في حالة الإدانة- لم تكن هي الصلب، وإنما الرجم بالحجارة.

و قال باول أن قصة صلب المسيح التي وردت في باقي الأناجيل، إنما جاءت عن طريق نقل الرواة اللاحقين لما وجدوه في إنجيل متى بعد أن كان التعديل أدخل عليه، ولم ترد هذه القصة في مصدر أخر. وفي رأيه أن إنجيل متى ليس فقط أول الأناجيل وإنما مصدرها الوحيد كذلك. والمشكلة التي يواجهها الباحثون هي ان الأناجيل الأربعة هي المصدر الوحيد لقصة صلب الرومان للسيد المسيح، ولو ثبت ان رواية الأناجيل هذه كانت نفسها إضافة لاحقة ولا تمثل حدثا تاريخيا، فإن هذا سوف يؤدى إلى ضرورة إعادة النظر في قبول ما ورد في قصة الأناجيل باعتباره لا يمثل الحقيقة التاريخية للأحداث."

خلاصة الأمر أنّ خاتمة مرقس هي إضافة مزيفة في الإنجيل, و إخراجها منه هو إسقاط لرواية كاملة من واحد من الأناجيل الثلاثة الأولى,كما أنه إفراغ لقيمة ما جاء في إنجيل متّى و إنجيل لوقا من حديث في هذا الموضوع لكون"متّى" و "لوقا" كانا يقتبسان مما ذكره"مرقس"في إنجيله. و إذا علمنا أنّ"متّى" و "لوقا" لمّا لم يجدا في إنجيل مرقس بغيتهما (خاتمة شيّقة و مؤثرة لقصة القيامة التي بدأ الناس في تداول خبرها قي شكل روايات متخالفة في ما بينها), سلك كل منهما طريقا خاصا و كانت المحصّلة خلافا في السرد بين الإنجيليين مما يجعل العاقل المتريّث في إصداره لأحكامه , يقررّ في خاتمت بحثه في موضوع الأصالة التاريخية لقصة القيامة أنّ فقدان نص الرواية من إنجيل مرقس"الإنجيل المرجع" و اضطراب"متّى" و "لوقا" الناقلين عنه,يثبت أنّ صاحب الإنجيل الأول و الثالث ما كانا شاهدي عيان لأحداث هذه القصة كما أنهما لا يملكان سندا متصلا معتبرا لها,و أنّ هذه الأصالة معدومة في "مرقس" ,طارئة على ذهن"متّى"و "مرقس" .


الفصــــل الأخيــر من إنجيل يوحنــــا

يعتبر إنجيل يوحنا كتاباً شديد الخصوصية بين الأناجيل الأربعة من الناحيتين اللاهوتية و التاريخية..فهو أول المصادر الكتابية عند النصارى المعتمدة كخلفية نصية لتأييد عقيدة الكنيسة.. كما أنّه يتميّز بإضفائه هالة عقدية على أعمال عيسى. أما من الناحية التاريخية فهو نسيج خاص في السرد و القصّ إذا ما قورِنَ ببقية الأناجيل.

لا يختلف الإنجيل الرابع عن بقية الأناجيل في أنّه لا يصرّح باسم مؤلفه,رغم أنّه كان من عادة الكتاب في ذاك الزمان أن يذكروا أسماءهم في مؤلفاتهم تأكيدا منهم على نسبتها إليهم!..و نظرا لكون هذا الإنجيل قد كُتِب على مراحل,على يد عدد كبير من الكتّاب,كما شهد بذلك أئمة النقد الحديث,كنخبة الباحثين في "ندوة عيسى" " Jesus Seminar ",فقد ارتأى الذين قاموا بتشكيل هذا الإنجيل في صورته الحالية أن ينسبوه إلى شخص سمّوه " التلميذ الذي أحبّه يسوع"و ذلك في الفصل الأخير من هذا الإنجيل 21: 24 حيث جاء القول:" هذا التلميذ هو الذي يشهد بهذه الأمور,و قد دوّنها هنا ,و نحن نعلم أنّ شهادته حقّ." لينال قبولا لدى نصارى القرون الأولى.

أثار هذا الإستدراك الوارد في العدد 24 من الفصل 21 أنظار النقاد إلى مسألة الفصل بأكمله,و لعلّ السبب الأول إلى لفت الأنظار إلى هذا الفصل الإلحاقي في الإنجيل الرابع هو ما يظهر عليه من أنّه نهاية ثانية لهذا الإنجيل.

إنّه ليسهل على القارئ العادي أن يلاحظ أنّ الإنجيل الرابع ينتهي انسياب حركته التاريخية المنطقيّة عند نهاية الفصل العشرين الذي جاء فيه:" و آيات أخر كثيرة صنع يسوع قدام تلاميذه لم تكتب في هذا الكتاب. و أما هذه فقد كتبت لتؤمنوا أنّ يسوع هو المسيح إبن الله و لكي تكون لكم إذا آمنتم حياة باسمه "(يوحنا 20: 30- 31)

و قد جاء هذا التعليق بعد ذكر قصة ظهور المسيح لتلاميذه و لقائه بتوما..و تبدو هذه النهاية واضحة في إغلاقها لباب الحديث عن قصة المسيح.. و لا شكّ أنّ التعليق الختامي الذي جاء في آخر الفصل 20 أراد منه صاحبه أن يثبت أنّ ما جاء في جميع الفصول السابقة لم يستوعب جميع الآيات الإعجازية لعيسى على الرغم من أنّه قد ذكر الكثير منها سابقا.

بدأ الفصل21 باستئناف الحديث عن أعمال عيسى و أقواله و كأنّه لم يرد في آخر الفصل السابق ذاك التعليق الختامي!

و بقراءة هذا الفصل21 نجد أنّه يتضمّن في الأعداد 6 - 11 معجزة لعيسى تتمثّل في هداية التلاميذ إلى اصطياد عدد ضخم من السمك.كما جاء في العددين 18 - 19 الإخبار عن الموتة"التي سوف يموتها بطرس" و هذه معجزة غيبية دون شك..و بذكر هذين الأمرين يكون الناشر لهذا الإنجيل بهذه الصورة قد خالف ما جاء في متّى 20: 30 - 31 من أنّ مؤلّف الإنجيل قد انتهى من سرد قصص معجزات المسيح عليه السلام.إنّه من البيّن أنّ مؤلف الفصل الأخير لم يراع ما جاء في آخر الفصل20 , فأضاف ما عنده ,و كتب ما عنّ له , رغم الارتباك الذي طرأ على القصة بإضافة الفصل الأخير!

الداعي الأهم لإضافة الفصل21 هو دسّ الزعم بأنّ مؤلف إنجيل يوحنا هو "التلميذ الذي أحبّه يسوع" حتى يكون لهذا الإنجيل, الذي كان يتداول دون أن يذكر عليه اسم "يوحنا" , الطبيعة الملزمة التي تحظى بها الكتب الدينية الرسمية.

إنّ ما جاء في الفصل 21 من وصف المؤلف بأنه "الذي أحبه يسوع"حجة على الزاعمين أنّ المؤلف هو "يوحنا بن زبدي" لا حجة لهم.إذ أنه لو أراد المؤلف الحقيقي لهذا الإنجيل أن يذكر اسمه لقال ذلك صراحة لوجود الحاجة الملحة لهذا الفعل.. و ما إبهامه لهذا الأمر بهذا الوصف , إلا دليل على أنه كان عاجزا أن يحدد اسما صريحا للمؤلف لكون هذا التحديد سيكشف كذبه و افتراءه بين أهل زمانه الذين كانوا يعلمون أنّه لا يوحنا و لا غيره من الحواريين قد كتبوا هذا الإنجيل.

- و عبارة " الذي أحبّه يسوع " صارت مصدر قلائل للنصارى كما سبق ذكره.. إذ اكتشفت أسفار دينية في نجع حمادى سنة 1945 تعود إلى القرن 1 و 2 ميلاديا و تذكر أنّ " مريم المجدلية " هي " أحبّ التلاميذ إلى المسيح " !!!؟ -

إذن من الواضح أنّ الفصل21 من إنجيل يوحنا,فصل مزيف مضاف إلى هذا الإنجيل و هو يتضمن الجزء الأكبر من قصة القيامة المزعومة للمسيح.و هذا الموقف الرافض لهذا الفصل ليس اجتهادا شخصيا من مسلم يملك اعتقادا راسخا ببطلان زعم قيامة المسيح من الموت,و كثافة التحريف في الكتاب المقدس بأكمله..و إنما هو تقرير لحقيقة يعرفها كل دارس للأسفار المقدسة للنصارى و إن كانت مغمورة بين العوام من النصارى الذين تريد الكنيسة قبر عقولهم في "قرون الظلمات" حيث لا صوت فوق صوت البابا !!

إنّ الإعلان عن وجود هذا التحريف في إنجيل يوحنا مبثوث في الكثير من الموسوعات و التعاليق على هذا إنجيل..و قد أكده كبار النقاد .و لا يعلم أنّ ناقدا معتبرا أنكر هذا الأمر بأدلة ذات بال , فهو يكاد يصنّف في دائرات المقررات الثابتة في دراسات الأناجيل.

من الكتابات التي جاء فيها أمر هذا التحريف , نقدم لك باقة متنوعة تثبت لك أننا لا نلقي القول على عواهنه و لا نفتري على الكنسيين الكذب:

- جاء في كتاب "الأناجيل الخمسة" " The Five Gospels " لـ"ندوة عيسى" ص 469 :"يوحنا21,اعتبر من طرف جل(الباحثين) مضافا إلى الإنجيل الرابع من طرف مؤلف آخر."

- جاء في التعليق القيّم على الترجمة الإنجليزية الحديثة" The New Revised Standard Version " المسمّى" The Harper Collins Study Bible " ص 2012 في مقدمة إنجيل يوحنا:" بعد صياغته الأولى توسّع إنجيل يوحنا بوضوح: الظاهر أنه تمّ إضافة الفصلان 15و17 و الفصل 21, من طرف المؤلف الأصلي أو من طرف شخص آخر من داخل الدوائر."

- جاء في التعليق على الكتاب المقدس المسمّى "The New International Bible Commentary ' " ص1263 :" من الراجح أنّ العددان الأخيران من الفصل20 يشكلان النهاية الطبيعية للإنجيل.الفصل الحالي من الراجح أنه قد أضيف كملحق لإزالة اللبس الذي ظهر حول كلمات عيسى المتعلّقة بما سيقع للتلميذ المحبوب(الأعداد 20- 23) و لتسجيل إعادة سمعان بطرس إلى مقام خاص من ناحية المسؤولية داخل الكنيسة(الأعداد 15- 19)"

- المحقق المشهور "كروتيس" ذكر أنّ إنجيل يوحنا كان20 فصلا ثم ألحقت به كنيسة "إيفاس" الفصل21 .

- جاء في مقال لدافيد ل.بارّ David L . Barr (من جامعة Wright State ) بعنوان"كما أرسلني الآب" " As the father has sent me "حول الفصل 20 من إنجيل يوحنا:" يُنظر بصورة عالمية إلى الفصل21 من إنجيل يوحنا على أنّه إضافة لاحقة إلى الإنجيل." كما ذكر أيضا أنّ" قصة الظهور في يوحنا21,يُعتقد بصورة واسعة أنها إضافة لاحقة,زيدت بعد موت المؤلف الأصلي."